طهران ترفض وساطة ماكرون في «النووي»

طهران ترفض وساطة ماكرون في «النووي»

مصادر غربية رجحت أن يكون «التصاق» باريس بموقف واشنطن وراء تراجع إيران عن طلب دور أوروبي
الثلاثاء - 26 جمادى الآخرة 1442 هـ - 09 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15414]
صورة نشرها وزير الخارجية الإيراني عبر تويتر من مباحثاته مع ماكرون ولودريان على هامش قمة مجموعة السبع في بياتريز أغسطس 2019

أغلقت طهران باب الوساطات مع الولايات المتحدة، رافضة مبادرة أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتسيير حوار بين طهران وواشنطن، بعدما طلب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وساطة من الاتحاد الأوروبي.
وقال الناطق باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة في مؤتمر صحافي إن «الاتفاق بشأن البرنامج النووي لا يحتاج إلى وسيط»، وذلك ردا على سؤال عما طرحه الرئيس الفرنسي في وقت سابق من هذا الشهر.
وأشار خطيب زادة إلى أن الاتفاق النووي كتب في «أكثر من 150 صفحة»، وأضاف «عندما يكتب نص طويل ودقيق إلى هذا الحد حتى في علامات الترقيم، هذا يعني عدم وجود حاجة لإعادة مناقشته»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. ورأى أن على الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق «العودة إلى التزاماتها» لأن «أوروبا نفسها هي من الأطراف التي خرقت الاتفاق».
ويعد هذا تراجعا من دعوة وجهها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الاثنين الماضي، للاتحاد الأوروبي للتوسّط بين بلاده والولايات المتحدة لإنقاذ الاتفاق، متحدثا عن إمكان وضع «آلية» إما لعودة «متزامنة» للبلدين إليه، أو «تنسيق ما يمكن القيام به»، في تراجع عن شرط إيران بـ«خطوة أميركية أولا» للعودة.
وجاءت دعوة ظريف بعد ساعات قليلة من تحذير وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، من أن إيران ربما تكون على بعد أسابيع من امتلاك مواد لسلاح نووي إذا واصلت خرق الاتفاق.
وأطلق ماكرون، الخميس، مبادرة للوساطة، وقال إنه سيبذل ما بوسعه «لدعم أي مبادرة أميركية لإطلاق حوار جديد سيكون شاقا، وسأحاول أن أكون (...) ميسّراً لهذا الحوار»، متحدثا عن حاجة «إلى مفاوضات جديدة مع إيران».
وأثارت الانعطافة الحادة في الموقف الإيراني إزاء طلب الوساطة الأوروبية مجموعة أسئلة على المستوى الفرنسي. لكن حتى عصر أمس، لم تكن قد صدرت عن باريس ردة فعل رسمية.
وفي قراءته لهذا التحول، أشار سفير سابق عمل لفترة طويلة في منطقة الشرق الأوسط، إلى مجموعة من العوامل من شأنها، بنظره، أن تفسر تراجع طهران عن مقترح طلب الوساطة الذي تقدم به رأس الدبلوماسية الإيرانية.
وبحسب هذا المصدر، فإن ظريف لم يطلب وساطة ماكرون تحديدا، بل طلب وساطة «وزير» الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل بصفته «منسق» مجموعة 5+1 التي أبرمت الاتفاق النووي مع إيران. إلا أن ماكرون، اقتنص الفرصة ليعرض خدماته على الطرفين الأميركي والإيراني متسلحا من جهة، بالجو الإيجابي المستجد بين باريس وواشنطن عقب الاتصال الهاتفي المطول مع الرئيس الأميركي الذي يمكن أن يفهم منه أن «ضوءا أخضر» ربما أعطي لماكرون لعرض الوساطة.
يضاف إلى ذلك، أن ماكرون الذي حاول ثني الرئيس السابق دونالد ترمب عن التخلي عن الاتفاق، ولاحقا عن فرض عقوبات على طهران ثم محاولة تمكينها من الالتفاف على هذه العقوبات، يرى في الفرصة المتاحة اليوم مناسبة لمسح الإخفاق الذي واجه وساطته السابقة في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة بياريتز أو في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ووفق القراءة الفرنسية، فإن مقاربة الرئيس بايدن تتبنى إلى حد كبير ما دعا إليه ماكرون منذ ثلاث سنوات ويلخص بالمحافظة على الاتفاق القديم واستكماله بآخر يأخذ بعين الاعتبار ثلاث مسائل إضافية: مستقبل النووي الإيراني بعد العام في 2025، وبرنامج طهران الصاروخي - الباليستي وأخيرا سياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
وتقول مصادر أخرى في باريس إن ماكرون «يعي» خطورة الموقف كما شرحه في حواره مع «المجلس الأطلسي» الأميركي حيث حذر، من جهة، من اقتراب طهران من الحصول على السلاح النووي، وعد، من جهة ثانية، أن «الوقت مناسب» لإطلاق حوار أميركي - إيراني يكون هو «وسيطه النزيه».
ومبرر وساطته أن مواقف الطرفين المذكورين متباعدة إلى درجة يصعب معها انطلاق حور بينهما ما يستدعي الحاجة لدور وسيط. وفي مبادرته، أضاف ماكرون عنصرا جديدا إذ اقترح ضم السعودية وإسرائيل إلى المفاوضات المرتقبة.
وأخيرا، فإن باريس تعي، وفق مصادرها، أنه إذا عمدت إيران إلى تنفيذ تهديدها بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي النووي ثم إخراج المفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة النووية عملا بالقانون الذي سنه البرلمان الإيراني في 2 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إضافة إلى نشر 696 جهازا جديدا للطرد المركزي، والبدء بإنتاج معدن اليورانيوم ورفع مستوى التخصيب لما فوق الـ20 في المائة، فسيعني ذلك دفن اتفاق العام 2015 بحيث لن يكون قد تبقى منه شيء. من هنا، الحاجة الملحة للبدء بشيء ما، خصوصا أن طهران تطرح على العالم المعادلة التالية: إما رفع العقوبات في أقرب الآجال، وإما استمرار السير لا بل تسريع الخطى لامتلاك السلاح النووي.
ورجحت مصادر غربية في العاصمة الفرنسية، أن يكون «التصاق» باريس بالموقف الأميركي واعتمادها، رغم مقترح الوساطة، نهجا متشددا إزاء طهران قد دفعا المسؤولين الإيرانيين إلى التخلي عن طلب الوساطة.
ومن العناصر التي دفعت في هذا الاتجاه، المواقف المتشددة جدا التي عبر عنها المرشد الأعلى أول من أمس واعتباره أن أوروبا «أخلت بالتزاماتها» والتي واجهتها مواقف أميركية صارمة عبر عنها الرئيس بايدن رافضة لرفع العقوبات الأميركية من غير عودة طهران أولا عن انتهاكاتها المتكررة للاتفاق النووي. ولا يمكن، في هذا السياق، استبعاد أن يكون كلام ظريف الاثنين الماضي، حيث دعا إلى وساطة أوروبية، بمثابة «بالون اختبار»، لمعرفة ردة الفعل الأميركية التي جاءت مخيبة لآماله إذ اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية أن الاقتراح: «سابق لأوانه» وأن «من المبكر» النظر بالعرض الإيراني وأنه على أي حال لن ترفع العقوبات إلا بعد «فترة اختبار» للتأكد من تنفيذ طهران لتعهداتها.
هكذا تعود الأمور إلى المربع الأول وتتواصل عملية لي الذراع الأميركية - الإيرانية. والثابت في باريس أن واشنطن تسعى لإقامة «جبهة موحدة» بوجه إيران، الأمر الذي يفسر الاجتماع عن بعد الذي عقده وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا يوم الجمعة الماضي، والذي استتبعه اجتماع لمجلس الأمن القومي الأميركي مخصص للملف الإيراني.
وبانتظار أن تعتمد الإدارة الجديدة مواقف واضحة إزاء إيران وملفاتها العديدة المعقدة، فإن المواقف والمقترحات ستبقى على الأرجح «متحركة» بما فيها الوساطة الفرنسية ودور الرئيس ماكرون الذي سيقوم بزيارة مزدوجة في الأيام القليلة المقبلة إلى السعودية والإمارات حيث سيكون الملف النووي الإيراني على رأس المحادثات المرتقبة.
في الأثناء، كرر وزير الخارجية الإيراني أمس، عبر «تويتر» شرط إيران للعودة إلى كامل التزاماتها في الاتفاق النووي.
وقبل ذلك، رد ظريف في مقابلة بثت على الهواء مباشرة على موقف الرئيسي الأميركي. وقال للقناة الإيرانية الثانية إن «أمام بايدن فرصة لتعديل تصريحاته»، كما رد على سؤال حول ما إذا كانت توافق طهران على إضافة أطراف أخرى، قائلا إنها لا تنوي الدخول في مفاوضات جديدة حول الاتفاق النووي لأن أميركا هي الطرف المنسحب من الاتفاق.
وقال ظريف: «لن ينقص أو يضاف إلى الاتفاق النووي... لقد تفاوضنا على كل الاتفاق النووي ولم تبق أمور للتفاوض، إيران لا تزال في الاتفاق ومن يتعين عليه العودة هي الولايات المتحدة، لدينا مراحل مختلفة في الفترة 36 من الاتفاق، لكن إدارة ترمب انتهكت الاتفاق دون أن تمر بهذه المراحل».
وقال ظريف: «يجب على بايدن أن يتخذ القرار حول الاتفاق النووي»، لافتا إلى أن «بايدن لم يقرر بعد ما الذي يريد فعله، يجب عليهم أن يقرروا ماذا يريدون المضي قدما بسياسة ترمب أو اتخاذ سياسة جديدة». وقال أيضا: «ما تقوله (إدارة بايدن) غامض ولا معنى له، لا يزال الوقت أمامهم لتعديل تصريحاتهم».
وقال ظريف ردا على سؤال حول الخطوات الإيرانية المقبلة، إن بلاده لا تنوي طرد المفتشين الدوليين لكنها ستوقف البرتوكول الإضافي وتخفض عدد المفتشين.
في هذا الصدد قال خطيب زادة أمس إن بلاده ستجمد تنفيذ البروتوكول الذي وافقت عليه طوعا لإتاحة التفتيش الإضافي.
وتمسك «المرشد» الإيراني علي خامنئي أول من أمس، بشرط رفع العقوبات الأميركية لاستئناف إيران التزاماتها، مضيفا أن هذه هي «السياسة القطعية» و«يتفق» عليها المسؤولون.
وفي الجانب الأميركي، كرر بايدن مساء نفس موقف بلاده بضرورة عودة إيران للإيفاء بالتزاماتها أولا.
وردا على سؤال خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» بثت الأحد، حول إمكانية رفع العقوبات لإقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات، أجاب بايدن «كلا».


ايران النووي الايراني

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة