5 تساؤلات حول محاكمة ترمب في «الشيوخ»

ديمقراطيون يبحثون «عقاباً» بديلاً عن «الإدانة»

متظاهرون داعمون لترمب لدى اقتحامهم الكونغرس في 6 يناير الماضي (أ.ف.ب)
متظاهرون داعمون لترمب لدى اقتحامهم الكونغرس في 6 يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

5 تساؤلات حول محاكمة ترمب في «الشيوخ»

متظاهرون داعمون لترمب لدى اقتحامهم الكونغرس في 6 يناير الماضي (أ.ف.ب)
متظاهرون داعمون لترمب لدى اقتحامهم الكونغرس في 6 يناير الماضي (أ.ف.ب)

تنطلق غداً الثلاثاء الجلسات الخاصة بمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب في مجلس الشيوخ، إثر اتهامه بتحريض حشود عنيفة من أنصاره اقتحموا مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) الماضي.
وفيما يتمسك غالبية الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ بتبرئة الرئيس السابق، تُطرح خمسة تساؤلات رئيسية حول هدف المحاكمة، ومجرياتها، ونتائجها المرتقبة كما جاء في تقرير لوكالة «أسوشيتد برس».
> هل سيدين «الشيوخ» الرئيس السابق؟
في حين أن العديد من الأعضاء الجمهوريين في المجلس وجّهوا انتقادات شديدة لترمب بعد طلب من أنصاره «القتال بكل قوة وضراوة» و«السير نحو الكابيتول»، إلا أن حدة الانتقادات تراجعت إلى حدّ كبير، وأصبح من المستبعد أن ينضم عدد كاف من الجمهوريين إلى زملائهم الديمقراطيين لتحقيق شرط الثلثين اللازم لإدانة الرئيس.
وكان التحول في مواقف الأعضاء الجمهوريين واضحاً خلال التصويت التجريبي الذي جرى في 26 يناير الماضي، إذ صوّت خمسة منهم فقط في مجلس الشيوخ ضد الاقتراح الذي هدف إلى رفض عقد محاكمة العزل.
وتستلزم الإدانة تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 عضو لصالح إدانة ترمب بالتهمة ذات الصلة بقرار العزل، ألا وهي «التحريض على التمرد». فإذا صوّت جميع الأعضاء الديمقراطيين الخمسين بإدانة ترمب، تتطلب الإدانة انضمام 17 عضواً جمهورياً آخرين من أجل بلوغ النصاب القانوني المطلوب.
وقد أحجم أغلب الأعضاء الجمهوريين عن الدفاع عن تصرفات ترمب يوم واقعة الشغب. وبدلاً من ذلك، دفع عدد من المشرعين بـ«عدم دستورية» محاكمة العزل؛ نظراً لأن دونالد ترمب غادر منصبه الرئاسي بالفعل. تلك الحجة التي تلقى رفضا من جانب الأعضاء الديمقراطيين وعدد من فقهاء القانون الدستوري في الولايات المتحدة.
وبعد التصويت التجريبي الذي جرى الشهر الماضي، أشار العديد من الأعضاء الجمهوريين إلى أن حصول ترمب على البراءة بات من الأمور المفروغ منها.
وقالت السيناتورة سوزان كولينز، من ولاية مين، وهي واحدة من الأعضاء الجمهوريين الخمسة الذين صوتوا لصالح المضي قدماً في إجراءات المحاكمة: «افحصوا الحقائق بعناية». أما السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فقال إنه يعتقد أن التصويت التجريبي يعكس الحد الأدنى من الدعم الجمهوري للرئيس السابق.
ومع ذلك، قال بعض الأعضاء الجمهوريين إنهم ينتظرون الاستماع إلى الحجج المطروحة في المحاكمة. وكان السيناتور روب بورتمان، من ولاية أوهايو، قد صوّت لصالح جهود رفض المحاكمة، ولكنه أفاد بأن دستورية المحاكمة هي مسألة مختلفة عما إذا كان ترمب مذنباً بالتحريض على التمرد من عدمه.
> هل يتسبب فريق دفاع ترمب في إغضاب «الشيوخ»؟
إنها المعضلة الأبرز التي يواجهها فريق دفاع ترمب. فمن شأن حججهم تأجيج التوتر وغضب بعض أعضاء المجلس الذين عايشوا اعتداء أنصار ترمب على الكابيتول.
وفي أول طرح من جانبهم للقضية، أوضح محاموه أنهم سوف يطعنون في دستورية المحاكمة، نظراً لأن ترمب غادر منصبه الرئاسي بالفعل. ومن شأن هذا الطرح أن يعد بمثابة غطاء للأعضاء الجمهوريين من مجلس الشيوخ، الذين يميلون إلى تبرئة الرئيس الأسبق من دون التغاضي عن تصرفاته.
ومن شأن الفريق الدفاعي أن يدفع أيضاً بأن المحاكمة لا طائل من ورائها، لأن ترمب لم يعد رئيسا للبلاد، ما يلغي النتيجة المرجوّة من فريق الادّعاء، أي عزل الرئيس من منصبه. في المقابل، يشير الأعضاء الديمقراطيون إلى أنه بعد قرار الإدانة، يمكن لمجلس الشيوخ التصويت لمنع ترمب من الترشح لأي مناصب عامة في المستقبل.
وفي حال اضطر فريق الدفاع إلى التطرّق لأعمال العنف والفوضى التي شهدها يوم السادس من يناير، فمن المحتمل أن يُقروا بحالة الرعب والهلع التي سادت ذلك اليوم مع إلقاء اللوم بشكل كامل على المشاغبين الذين اقتحموا مبنى الكابيتول. ويؤكد أعضاء الفريق الدفاعي على أن ترمب لم يتعمد التحريض على التمرد.
> هل ينجح «مديرو العزل» بإقناع الجمهوريين المتشككين؟
لن يكون الأمر سهلاً بحال. فالمدّعون يدفعون بأن أعمال الشغب لم تكن لتحدث في غياب دونالد ترمب، ومن ثمّ لا بد من محاسبته على تأجيجها.
يعتبر الديمقراطيون أن القضية بسيطة للغاية، لدرجة أنهم ليسوا بحاجة إلى المبالغة في شرحها، لا سيما مع سقوط خمسة مواطنين قتلى في خضم أعمال الشغب، وكون أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم من ضحايا الحصار والاقتحام. ولقد جرى إخلاء مجلس الشيوخ بسرعة عالية في السادس من يناير، حين كان المتمردون يصعدون السلالم بالقرب من المجلس. وفور إخلاء أعضاء مجلس الشيوخ، تمكّن مثيرو الشغب من اقتحام مكاتب المشرعين.
وفي عرض موجز جرى تقديمه الأسبوع الماضي لاستعراض الحجج المطروحة، استعان مديرو العزل من مجلس النواب بالصور الصارخة والنداءات العاطفية في التأكيد على مسؤولية دونالد ترمب عن الاعتداء.
وقالوا إن أعضاء مجلس الشيوخ كانوا على مسافة «أقدام» من المتظاهرين المشاغبين، كما أشاروا إلى أن أقرانهم في خارج المبنى، الذين يرتدون شعارات مؤيدة لدونالد ترمب، اشتبكوا مع ضباط أمن الكابيتول وضربوهم، واعتدوا عليهم ببخاخات الفلفل الحارق والمقذوفات.
وكتب مديرو العزل من مجلس النواب: «حوصر الأعضاء الخائفون للغاية في داخل الغرفة، وحاولوا بناء دفاعات مؤقتة، في حين حطم المشاغبون المدخل، واتصل بعض الأعضاء بذويهم خشية عدم نجاتهم من اعتداء العصابة المتمردة الموالية للرئيس دونالد ترمب».
ومن المرجّح أن تتم إعادة عرض هذه المشاهد كاملة خلال المحاكمة.
> هل سنستمع لشهادة ترمب؟
ليس من المرجح حدوث ذلك. فقد رفض ترمب من خلال فريقه الدفاعي طلب مديري العزل بمجلس النواب إدلاءه بشهادته. كما أنه ليس من المتوقع أيضاً صدور أمر الاستدعاء الرسمي لإجباره على الإدلاء بشهادته.
ولم يعد بإمكان ترمب الوصول إلى حسابه على «تويتر»، الذي كان يعتمد عليه بصورة مكثّفة إبان المحاكمة الأولى لعزله في العام الماضي في الهجوم على مجريات القضية المرفوعة ضده، مع إعادة تغريد الرسائل النصية ومقاطع الفيديو، وغير ذلك من المنشورات من الجمهوريين الذين يهاجمون الديمقراطيين.
ومع وجود ترمب في منتجعه الخاص في فلوريدا، فالأمر متروك لفريقه الدفاعي في طرح الحجج بالنيابة عنه. ولقد تعهد الديمقراطيون بتحميل ترمب مسؤولية عدم استعداده للمثول والشهادة في المحاكمة، بيد أن هذه الحجة قد لا تلقى الدعم المنتظر منها. وليس من الواضح ما إذا كان الأعضاء الجمهوريون في مجلس الشيوخ، وحتى أولئك الذين من المحتمل أن يدفعوا ببراءته، يريدون فعلاً حضوره والاستماع إليه.
> ماذا بعد «تبرئة» ترمب المتوقّعة؟
يثير احتمال تبرئة دونالد ترمب القلق لدى بعض من أعضاء مجلس الشيوخ، لا سيما الذين يخشون تبعات ذلك القرار على البلاد. وطرح بعضهم إمكانية توجيه اللوم إلى ترمب بعد انتهاء المحاكمة لضمان معاقبته بشكل من الأشكال على أعمال الشغب التي حرض عليها.
ولكن ربما يكون هناك سبيل آخر أمام الكونغرس للحيلولة دون تولي ترمب المناصب العامة في المستقبل.
ففي مقالة للرأي نُشرت الشهر الماضي على صفحات صحيفة «واشنطن بوست»، اقترح بروس أكرمان، وهو أستاذ القانون في جامعة يال، وغيرارد ماغليوكا، أستاذ القانون في جامعة إنديانا، لجوء الكونغرس إلى بند من أحكام التعديل الدستوري الرابع عشر الذي ينص على منع الأشخاص من تولي المناصب الفيدرالية العامة إذا ما ثبت تورطهم في العصيان المدني أو التمرد ضد دستور البلاد.
وكتب أساتذة القانون أيضاً أنه إذا وافقت أغلبية الأصوات لدى مجلسي النواب والشيوخ على ضلوع دونالد ترمب في أعمال العصيان أو التمرد، فسوف يجري منعه من الترشح لرئاسة الولايات المتحدة مرة أخرى في المستقبل.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.