«السي آي إيه» و«الموساد» أعدتا خطة اغتيال عماد مغنية

الكشف عن تفاصيل عملية تصفية القيادي البارز في «حزب الله» بسيارة مفخخة عام 2008 في دمشق

لبنانية تحمل ملصقا لعماد مغنية خلال تجمع حاشد في الضاحية الجنوبية من بيروت يوم 16 فبراير 2009 لإحياء الذكرى السنوية الأولى للقيادي بـ«حزب الله» (أ.ب)
لبنانية تحمل ملصقا لعماد مغنية خلال تجمع حاشد في الضاحية الجنوبية من بيروت يوم 16 فبراير 2009 لإحياء الذكرى السنوية الأولى للقيادي بـ«حزب الله» (أ.ب)
TT

«السي آي إيه» و«الموساد» أعدتا خطة اغتيال عماد مغنية

لبنانية تحمل ملصقا لعماد مغنية خلال تجمع حاشد في الضاحية الجنوبية من بيروت يوم 16 فبراير 2009 لإحياء الذكرى السنوية الأولى للقيادي بـ«حزب الله» (أ.ب)
لبنانية تحمل ملصقا لعماد مغنية خلال تجمع حاشد في الضاحية الجنوبية من بيروت يوم 16 فبراير 2009 لإحياء الذكرى السنوية الأولى للقيادي بـ«حزب الله» (أ.ب)

في 12 فبراير (شباط) 2008، كان عماد مغنية، قائد العمليات الدولية في «حزب الله»، يسير بهدوء في أحد الشوارع الهادئة في دمشق ليلا بعد تناوله العشاء في مطعم قريب. ومن مسافة ليست بالبعيدة، كان فريق من المراقبين التابعين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية يتتبع تحركاته في العاصمة السورية.
ومع اقتراب مغنية من سيارة رياضية متعددة الأغراض انفجرت قنبلة كانت مزروعة في عجلة احتياطية وضعت على الجزء الخلفي من هذه المركبة التي كانت متوقفة، وانفجرت ناثرة شظايا على نطاق ضيق. فلقي حتفه على الفور.
تم تفجير القنبلة عن بعد عن طريق عملاء لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد في تل أبيب كانوا على اتصال مع عملاء الاستخبارات الأميركية الذين كانوا موجودين على الأرض في دمشق.
وأكد مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية أن «الطريقة التي تم إعدادها بها تسمح للولايات المتحدة بالاعتراض وبتعطيلها لكنها لا تمكنها من تفجيرها».
قامت الولايات المتحدة بتصنيع هذه القنبلة وتم اختبارها في ولاية كارولاينا الشمالية، لضمان القدرة على احتواء منطقة الانفجار المحتمل وأنها لن تؤدي إلى أضرار ثانوية.
وقال المسؤول السابق: «قمنا بتنفيذ 25 قنبلة منها تقريبا من أجل التأكد من أنها تتم بطريقة صحيحة».
يشير التعاون الوثيق للغاية بين الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية إلى أهمية الشخصية المستهدفة، فهو رجل تورط على مدى سنوات كثيرة في بعض من أبرز الهجمات الإرهابية التي قام بها «حزب الله»، بما في ذلك الهجوم الإرهابي على السفارة الأميركية في بيروت والسفارة الإسرائيلية في الأرجنتين.
لم تعترف الولايات المتحدة أبدا بضلوعها في اغتيال مغنية، الذي اتهم «حزب الله» إسرائيل باغتياله. لم يكن يوجد حتى الآن سوى قليل من التفاصيل عن العملية المشتركة التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية والموساد لقتله، وكيف تم التخطيط لتفجير السيارة المفخخة أو ما هو الدور الأميركي بالتحديد. باستثناء عملية قتل أسامة بن لادن عام 2011، تعتبر هذه المهمة أكبر إجراء سري عالي المخاطر تقوم به الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
كما أن ضلوع الولايات المتحدة في عملية القتل، وهو ما أكده 5 مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأميركية، فيه انتهاك للحدود القانونية الأميركية.
تم استهداف مغنية في دولة لم تكن الولايات المتحدة في حالة حرب معها. وعلاوة على ذلك، فقد اغتيل في تفجير سيارة مفخخة، وهي تقنية يعتبرها بعض فقهاء القانون انتهاكا للقوانين الدولية التي تحظر «القتل غدرا»، وهو استخدام وسائل غادرة لقتل أو إصابة العدو.
من ناحيتها، أشارت ماري إيلين أوكونيل، أستاذة القانون الدولي بجامعة نوتردام، إلى هذا الأسلوب على أنه «أسلوب اغتيال يستخدمه الإرهابيون ورجال العصابات. وينتهك أقدم قواعد الحرب».
وأكد مسؤولون أميركيون سابقون، تحدث جميعهم شريطة عدم الكشف عن هويتهم، بشأن الحديث عن العملية، أن مغنية كان، رغم إقامته في سوريا، على علاقة مباشرة بتسليح وتدريب الميليشيات الشيعية العراقية التي كانت تستهدف القوات الأميركية في العراق. ولم يكن هناك سوى القليل من الجدال داخل إدارة بوش بشأن استخدام سيارة مفخخة بدلا من استخدام وسائل أخرى.
وقال أحد المسؤولين: «تذكر أنهم كانوا ينفذون تفجيرات انتحارية وهجمات بعبوات ناسفة»، في إشارة إلى عمليات «حزب الله» في العراق.
تطلب التفويض لاغتيال مغنية الحصول على تصريح رئاسي من الرئيس جورج دبليو بوش. وقال مسؤول سابق بالاستخبارات إن «المدعي العام ومدير الاستخبارات الوطنية ومستشارة الأمن القومي ومكتب المستشار القانوني بوزارة العدل، وقعوا على تنفيذ العملية».
وقال المسؤول السابق إن الحصول على التفويض لاغتيال مغنية كان عملية «شاقة ومملة». وقال المسؤول: «ما بيناه لهم هو أنه يمثل تهديدا مستمرا للأميركيين»، وأشار إلى أن مغنية كان له تاريخ طويل في استهداف الأميركيين، يعود إلى دوره في التخطيط لتفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983».
قال المسؤول: «كان القرار هو أنه ينبغي علينا الحصول على تأكيد مطلق بأنه دفاع عن النفس».
كانت هناك شكوك منذ فترة طويلة بشأن تورط الولايات المتحدة في قتل مغنية. في كتاب «الجاسوس الجيد»، وهو كتاب يدور حول الضابط في وكالة الاستخبارات الأميركية روبرت أميز، نقل المؤلف كاي بيرد عن مسؤول استخباراتي سابق قوله إن «العملية كانت بالأساس تحت سيطرة لانغلي»، وإن «فريق عملاء سريين بوكالة الاستخبارات المركزية، هو الذي قام بتنفيذ عملية الاغتيال».
وفي كتاب جديد، «القتل المثالي: 21 من قوانين الاغتيال»، كتب ضابط الاستخبارات السابق روبرت باي كيف أنه فكر في اغتيال مغنية، ولكن لم تسنح له الفرصة على ما يبدو. ولكنه أشار إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت «تراقب» - يقصد مجلس مراجعة المطبوعات التابع للوكالة - وأنها حجبت كتابه. وقال: «لم أستطع للأسف أن أكتب عن الخطة الحقيقية ضد مغنية».
من جانبه، قال مارك ريجيف، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي: «لا يوجد لدينا ما نضيفه حاليا».
أبرزت العملية التي تم تنفيذها في دمشق التطور الفكري الحاصل داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. قبل ذلك، كانت الحكومة الأميركية تنظر بشكل سلبي في كثير من الأحيان إلى عمليات الاغتيال الإسرائيلية، أبرزها الإدانة الأميركية للمحاولة الإسرائيلية الفاشلة لتسميم زعيم حماس، خالد مشعل، في العاصمة الأردنية عمان، في عام 1997. وانتهت العملية باعتقال عملاء الموساد وإجبار إدارة كلينتون لإسرائيل على تقديم الترياق الذي أنقذ حياة مشعل.
تشير عملية مقتل مغنية، التي تم تنفيذها بعد مرور أكثر من عقد من الزمان من حادثة مشعل، إلى أن التردد الأميركي تلاشى مع وكالة الاستخبارات المركزية وانتشارها إلى ما يتجاوز مناطق الحرب المحددة والمناطق غير الخاضعة لسلطة الحكومة في باكستان واليمن والصومال، حيث نشرت الوكالة أو الجيش طائرات من دون طيار ضد تنظيم القاعدة وحلفائه.
وقال مسؤول أميركي سابق إن «إدارة بوش تذرعت بنظرية الدفاع الوطني عن النفس من أجل قتل مغنية، تحت ادعاء أنه هدف مشروع، لأنه كان يتآمر على نحو نشط ضد الولايات المتحدة أو قواتها في العراق، وهو ما يجعله تهديدا وشيكا ومتواصلا لاحتمال وقوع هجمات، وأنه لا يمكن القبض عليه. سمح مثل هذا المنطق القانوني لوكالة الاستخبارات المركزية بتجنب انتهاك الحظر على الاغتيال في الأمر التنفيذي المرقم بـ«12333».
قدمت وزارة العدل حجة مماثلة أثناء محاكمة عملية قتل أنور العولقي التي تمت عام 2011، والعولقي مواطن أميركي ومسؤول دعاية نافذ في جناح تنظيم القاعدة في اليمن. فأشارت إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب استهدف طائرات مدنية أميركية، وأكدت على أن العولقي كان له دور تنفيذي في التنظيم، وقال محامو الحكومة إنه تهديد وشيك ومتواصل لوقوع هجمات ولا يمكن عمليا القبض عليه.
من جانبه، قال ستيفن فلاديك الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بجامعة واشنطن: «من الواضح تماما أن الحكومة لديها على الأقل بعض الصلاحيات لاستخدام قوة مميتة للدفاع عن النفس حتى خارج سياق النزاع المسلح الدائر حاليا. السؤال الغاية في الأهمية هو ما إذا كانت الوقائع تدعم فعليا القرار القاضي بأن استخدام هذه القوة كان ضروريا ومناسبا في كل حالة».
*خدمة «واشنطن بوست»



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.