{حوافز اقتصادية} تمهد لـ«انتخابات الرئاسة»... والسوريون مشغولون بـ«لقمة العيش»

الأسد وزوجته أسماء خلال حملة تشجير نهاية العام الماضي (إ.ب.أ)
الأسد وزوجته أسماء خلال حملة تشجير نهاية العام الماضي (إ.ب.أ)
TT

{حوافز اقتصادية} تمهد لـ«انتخابات الرئاسة»... والسوريون مشغولون بـ«لقمة العيش»

الأسد وزوجته أسماء خلال حملة تشجير نهاية العام الماضي (إ.ب.أ)
الأسد وزوجته أسماء خلال حملة تشجير نهاية العام الماضي (إ.ب.أ)

بدأت في مناطق سيطرة الحكومة السورية حملة الترويج للانتخابات الرئاسية المقبلة المتوقع إجراؤها منتصف العام الحالي. لكن تزايد تفاقم الأزمة الاقتصادية فيها، وتردي الوضع المعيشي للمواطنين، وعودة التوتر إلى العديد من المناطق، وعدم ظهور ملامح حل سياسي، جعلت من مسألة تأمين «لقمة العيش» أولوية لكثير من المواطنين.
ووفق الدستور الحالي للبلاد الذي تم إقراره في عام 2012، وغيّر طبيعة الانتخابات الرئاسية من استفتاء إلى «اقتراع متعدد المرشحين»، يفترض أن تجري الانتخابات الرئاسية قبل 60 يوماً من انتهاء ولاية الرئيس بشار الأسد منتصف يوليو (تموز) المقبل.
- ثاني «انتخابات»
وتعتبر الانتخابات الرئاسية المقبلة إن تم إجراؤها، الثانية من نوعها التي تجري في سوريا خلال الحرب التي تقترب من إتمام عامها العاشر، وذلك بعدما أجريت الانتخابات السابقة في 2014.
ويتضمن الدستور عدة شروط يجب توفرها في المرشح للانتخابات الرئاسية وهي: «أن يكون مؤيداً من 35 عضواً أو أكثر على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، وأن يكون من العمر 40 عاماً على الأقل، وأن يكون سورياً بالولادة، من أولياء الأمور السوريين بالولادة، وأن يتمتع بالحقوق المدنية والسياسية وألا يدان بجريمة غير شريفة ولو رد إليه اعتباره، وألا يكون متزوجاً من زوج غير سوري، وأن يكون قد عاش في سوريا لمدة 10 سنوات قبل الانتخابات«.
كانت الانتخابات الرئاسية في 2014 أول انتخابات متعددة المرشحين منذ وصول حزب «البعث» إلى السلطة في انقلاب عام 1963. وقدم حينها 24 مرشحاً، من بينهم امرأتان ومسيحي، طلبات إلى المحكمة الدستورية العليا للرئاسة، ومن هؤلاء استوفى الرئيس بشار الأسد الأمين العام لحزب «البعث» الحاكم، وحسان عبد الله النوري من «المبادرة الوطنية للإدارة والتغيير» وماهر عبد الحفيظ حجار من حزب «الإرادة الشعبية»، جميع الشروط اللازمة للترشح، بما في ذلك دعم 35 عضواً من أعضاء مجلس الشعب، وسط اعتقاد ساد حينها بشكل واسع، بأن المرشحين النوري وحجار، هما مرشحان «رمزيان» إلى جانب الأسد.
وأعلنت المحكمة الدستورية العليا وقتذاك أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 73.42 في المائة. وأعلن رئيس مجلس الشعب في ذاك الوقت محمد جهاد اللحام نتائج البيانات الأولية، التي تضمنت فوز الأسد بـ88.7 في المائة من أصوات المقترعين، بينما حصل النوري على 500.279 صوتاً بنسبة 4.3 في المائة والحجار على 372.301 صوتاً بنسبة 3.2 في المائة. وأدى الأسد اليمين الدستورية لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات في 16 يوليو (تموز).
- حوافز
بخلاف ما جرى في الانتخابات الرئاسية السابقة، حيث كانت الحملات الترويجية والدعائية لها تجري قبل شهر أو شهرين من موعد حصولها، أعلن الموقع الإلكتروني لصحيفة «الثورة» الحكومية منتصف ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، أنه «مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية عام 2021»، سيتم إطلاق ما وصفه بـ«فعالية وطنية»، هي عبارة عن «أطول رسالة حب في العالم» إلى «رجل السلام الأول الرئيس الأسد»، دون أن يحدد تاريخ الانطلاق الفعلي لهذه الفعالية، وذلك في إطار دعم ترشيح الأسد الذي لم يعلن حتى الآن أنه سيرشح نفسه، كما يعلن أشخاص آخرون تشريحهم.
وتبع ذلك إصدار الأسد، مرسوماً يقضي بصرف منحة مالية قدره 50 ألف ليرة سورية، لمرة واحدة، لجميع العاملين المدنيين والعسكريين في القطاع الحكومي، بعدما أصدر مرسوماً مماثلاً في أكتوبر (تشرين الأول)، علماً بأن الأمم المتحدة، تؤكد أن «87 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر»، بسبب الحرب المستمرة منذ نحو 10 أعوام والتي دمرت اقتصاد البلاد وأنهكت المواطنين.
وبعد ذلك قام الأسد بزيارات إلى العديد من البلدات والقرى في المنطقتين الساحلية والوسطى التي أتت عليها الحرائق مؤخراً والتهمت آلاف الأشجار فيها، بينما قامت «الأمانة السورية للتنمية» التي تقودها أسماء الأخرس، زوجة الأسد، بتوزيع معونات مالية على المتضررين، والبالغة 8 مليارات ليرة سورية.
كما ذكرت وسائل إعلام محلية منتصف الشهر الحالي، أن الأسد، وجه بتسديد كافة القروض الممنوحة سابقاً لـ«الشهداء» في مختلف البنوك والمصارف العامة من صندوق «الشهداء» والجرحى. ومنذ بضعة أيام أعلنت وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، أن الأسد وجه بتسديد قروض جميع جرحى العمليات الحربية من «الجيش والقوات المسلحة والقوات الرديفة» ممن لديهم نسبة عجز من 40 حتى 100 في المائة. وأعلنت الحكومة، قبل أيام قليلة نجاح أكثر من 10 آلاف عسكري مسرّح في أكبر مسابقة مركزية للتعاقد مع المسرّحين من الخدمة الإلزامية والاحتياطية، لدخول وظائف في مختلف الاختصاصات المهنية والعلمية من حملة الشهادات الجامعية والمعاهد والبكالوريا.
وينظر كثيرون في مناطق سيطرة الحكومة تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» إلى كل ما سبق على أنها «محفزات» لدفع المواطنين للمشاركة في الانتخابات، واختيار الأسد، ويقول أحدهم، «لا يمكن تفسيرها إلا كذلك». وبالتزامن، بدأ حزب «البعث» الحاكم في سوريا، حملة أنشطة عامة ترويجاً للانتخابات، بين النقابات العمالية والمهنية. وقال أمين فرع الحزب في السويداء، فوزات شقير في اجتماع مع عمال القطاع العام شهدته الأسبوع الماضي المحافظة الجنوبية ذات الغالبية الدرزية، إنّ «الشعب السوري لديه استحقاق كبير خلال الانتخابات الرئاسية القادمة، ونجاح الاستحقاق رد لجميل القائد الذي لم يترك شعبه في أحلك الظروف».
- عدم اكتراث
تأتي الانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها ونحو نصف سكان سوريا البالغ تعدادهم في عام 2010 أكثر من 21 مليوناً بين لاجئ في دول غربية وإقليمية ونازح في داخل البلاد، وفي ظل تزايد تفاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة الحكومة، وعجز الأخيرة عن توفير أبسط مستلزمات الحياة الأساسية للمواطنين من مواد غذائية خصوصاً الخبز ووقود السيارات ومازوت التدفئة والغاز المنزلي، وذلك بسبب العقوبات الأميركية والغربية والإقليمية المفروضة على دمشق. كما تترافق مع تزايد تردي الوضع المعيشي للغالبية العظمى من الأسر في مناطق سيطرة الحكومة، إذ لا يتجاوز المرتب الحكومي الشهري لموظف الدرجة الأولى 60 ألف ليرة سورية، في حين تؤكد أبحاث ودراسات محلية، أن العائلة تحتاج إلى 600 ألف ليرة سورية شهرية، في ظل موجات الارتفاع المتواصل في عموم أسعار والغلاء الفاحش، إثر الانهيار المستمر لصرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، والذي يصل حالياً إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة، بعدما كان ما بين 45 - 50 ليرة قبل عام 2011.
وبينما تحفل صفحات موالية في موقع «فيسبوك» حالياً، بالترويج لـ«استحقاق الانتخابات الرئاسية» والدعوة للمشاركة فيها واختيار الأسد لولاية رئاسية جديدة، يعرب بعض الموظفين الحكوميين في أحاديثهم عن تأييدهم للمشاركة بقوة في الانتخابات وانتخاب الأسد «منقذ البلاد من الإرهاب، ومحطم المؤامرات والمخططات الخارجية والذي سيقود البلاد إلى بر الأمان».
لكن كثيراً من المواطنين لا يبدون اهتماماً بهذه الانتخابات، لأن الأولوية بالنسبة لهم في ظل الواقع الراهن هو تأمين لقمة العيش، ويقول لـ«الشرق الأوسط» أحدهم: «معظم الناس لم تعد تهتم بالسياسة، لأنها تعبت جداً من الحرب والمآسي والفقر والتشرد»، ويضيف: «الوضع سيء وأهم شيء بالنسبة للناس اليوم هو الحصول على رغيف خبز وجرة غاز وكيفية تأمين مصروف العائلة بعد نفاد المرتب في الأسبوع الأول من الشهر».
- إصرار ودعم
الرفض الغربي لإجراء هذه الانتخابات وكذلك رفض المعارضة، على اعتبار أن أي انتخابات يجب أن تجري على أساس دستور جديد وفق ما ينص عليه القرار 2254. قابله تأكيد دمشق أن هذه الانتخابات ستجري في موعدها المحدد ووفق الدستور الحالي.
روسيا وفي دعم واضح لموقف دمشق بأن تكون هذه الانتخابات بموجب الدستور الحالي لعام 2012 بعيداً عن الإصلاحات المرتقبة في جنيف بموجب القرار 2254، اعتبر وزير خارجيتها سيرجي لافروف في سبتمبر (أيلول) الماضي خلال مؤتمر صحافي في دمشق، أن «مسألة إجراء انتخابات رئاسية في سوريا في العام المقبل يعود إلى صلاحيات حكومتها ولا علاقة لها بموضوع بلورة الدستور الجديد»، مشيراً إلى أن «الدستور الحالي يبقى معمولاً به ما لم يتم تبني القانون الأساسي الجديد».
وتبع ذلك في مطلع العام الحالي، تأكيد نائبه سيرغي فيرشينين على رفض موسكو ما وصفها بمحاولات الغرب لعرقلة تحقيق تقدم سياسي في سوريا، من خلال الدعوات الصادرة إلى عدم الاعتراف بالانتخابات الرئاسية المقبلة في البلاد.
وفي ظل المواقف الراهنة، يرجح مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، عدم حصول أي إصلاح دستوري في الفترة الممتدة من الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات، بالنظر إلى عدم تحقيق اللجنة الدستورية أي نتائج في جولاتها الخمس التي عقدتها في جنيف وعدم وجود مؤشرات على أنها قد تحقق نتائج في هذه الفترة إن عقدت جولات جديدة، وبالتالي «ستجرى الانتخابات وفق الدستور الحالي كالتي سبقتها».



البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.