مصادر لـ «الشرق الأوسط»: خلافات حادة تعصف بالقوى السياسية في مشاورات بنعمر

الاشتراكي اليمني يتقدم بمبادرة تقضي بعدول الرئيس والحكومة عن الاستقالة

المبعوث الأممي جمال بنعمر
المبعوث الأممي جمال بنعمر
TT

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: خلافات حادة تعصف بالقوى السياسية في مشاورات بنعمر

المبعوث الأممي جمال بنعمر
المبعوث الأممي جمال بنعمر

ما زالت الأزمة السياسية في اليمن تراوح مكانها دون التوصل إلى اتفاق نهائي، رغم تكثيف المشاورات خلال الأيام الماضية برعاية المبعوث الأممي جمال بنعمر إلى اليمن، في الوقت الذي خرجت فيه حشود كبيرة من اليمنيين في مظاهرات بالعاصمة صنعاء وعدد من المحافظات لرفض استمرار «انقلاب» الحوثيين على السلطة، على حد وصفهم.
ونفت مصادر سياسية يمنية لـ«الشرق الأوسط» التوصل إلى اتفاق لتشكيل مجلس رئاسي برئاسة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، وأكدت هذه المصادر استمرار المشاورات لحل الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد وتهدد بحرب أهلية، وقالت المصادر إن خلافات حادة تعصف بالأحزاب والقوى السياسية، بشأن جملة من المقترحات التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر، لنزع فتيل التوتر، وأن تلك الخلافات تنحصر حول موضوع تشكيل مجلس رئاسي مؤقت، دون إزالة الأسباب التي أدت إلى الأزمة السياسية وأحداث عنف، وإلى استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي، ورئيس الوزراء خالد محفوظ بحاح وأعضاء حكومته، والمتمثلة فيما تصفه تلك القوى، بـ«انقلاب الحوثيين على النظام واحتلال المقار الرئاسية وحصار الرئيس وبسط سيطرتهم الكاملة على كافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وعلى أموالها وأجهزة مخابراتها».
وتواصلت، أمس، المشاورات التي يرعاها مستشار أمين عام الأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن، جمال بنعمر، مع القوى السياسية بشأن الأوضاع الجارية في اليمن، وذكرت مصادر مطلعة من الاجتماع أن ممثلي «الحراك الجنوبي» الذين شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني ووقعوا على اتفاق السلم والشراكة، انسحبوا من تلك الاجتماعات والمشاورات، أمس، دون الإعلان عن الأسباب الكامنة وراء الانسحاب، غير أن مصادر خاصة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الحراك أعلن رفضه لتشكيل مجلس رئاسي، واعتبر المشاورات «عبثية»، إضافة إلى أن للانسحاب علاقة بالتطورات في الجنوب ومصادرة قناة عدن من قبل الحوثيين عبر التحكم من صنعاء، وغيرها من القضايا.
وطالب الحراك الجنوبي السلمي بإزالة أسباب استقالة الرئيس هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما اجتاح الحوثيون العاصمة صنعاء، كما طالب بوضع ضمانات لاستعادة الشرعية من خلال إدارة الدولة من خارج صنعاء ونقلها إلى محافظة تعز.
وأشارت المصادر السياسية إلى أنه ورغم عدم الاتفاق، بشكل نهائي، على مقترح تشكيل مجلس رئاسي، فإن الأحزاب والقوى السياسية الموقعة على اتفاق السلم والشراكة تدرس بجدية الخيار، وربما توافق عليه، باستثناء حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي يطرح حزبه ضرورة العودة إلى مجلس النواب (البرلمان) باعتباره المرجعية الدستورية الوحيدة المتبقية في البلاد، وتتيح العودة إلى البرلمان لأنصار صالح ذوي الأغلبية البت في استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وقبولها، وبالتالي تولي رئيس مجلس النواب، يحيى الراعي، رئاسة البلاد، لمدة 60 يوما، حسب الدستور، قبل إجراء انتخابات جديدة، والراعي هو من قيادات حزب المؤتمر وشخصية عسكرية مقربة كثيرا من الرئيس السابق (صالح)، لكن المصادر أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه العام في الطروحات المتداولة في الاجتماعات المتواصلة، هو ممارسة الضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي للتراجع عن استقالته «كي لا تدخل البلاد في معمعة دستورية وقانونية بشأن المجلس الرئاسي والمحاصصة في عضويته بين الأطراف».
ويرى المراقبون أنه، وفي حالة تقرير اللجوء إلى البرلمان «سوف يتمكن صالح من تسيير كافة الأمور بالتنسيق مع الحوثيين عبر الأطر الرسمية، واستكمال حلقات السيطرة على السلطة في اليمن»، ويصف المراقبون ما يجري بأنه «ثورة مضادة، تحالف فيها خصما الأمس (الحوثي وصالح) من أجل إسقاط النظام الذي جاءت به ثورة 11 فبراير (شباط) عام 2011. في ضوء المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لحل الأزمة في اليمن، التي جاءت برئيس جديد وحكومة جديدة»، وقال مواطنون عاديون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن «السبب الرئيسي لما يمر به اليمن اليوم بعد الثورة الشبابية الشعبية التي أطاحت بصالح ونظامه، يرجع قبول دول الأحزاب السياسية ودول مجلس التعاون الخليجي الراعية للتسوية السياسية في اليمن، وفي المقدمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، أن يبقى علي عبد الله صالح في اليمن، وأن يُمنح حصانة من الملاحقة القضائية والقانونية جراء التهم التي يسوقها له البعض، في ضوء المبادرة الخليجية، الأمر الذي مكنه من أن يلعب أدوارا من الظل تعرقل التسوية السياسية»، ويتهم المواطنون البسطاء المجتمع الدولي، وفي المقدمة الولايات المتحدة، بالتراخي في التعامل مع صالح «حتى في القرارات الخاصة بوضع اسمه وهو وقيادات حوثية ضمن المعرقلين للتسوية السياسية، ما زالوا (المجتمع الدولي) يماطلون منذ شهور ولم يتخذوا أي عقوبات رادعة بحقهم»، ويرى اليمنيون أنهم هم الخاسر الأكبر مما يجري من تطورات في اليمن، التي مست أمنهم واستقرارهم، غير المستقر أصلا، على حد وصفهم.
على الصعيد ذاته، قال الحزب الاشتراكي اليمني، في توصيفه للحالة التي يمر بها اليمن، إن العملية السياسية تعرضت «إلى مسارين متناقضين؛ أحدهما أراد الانقلاب عليها فخلق الأزمات الأمنية وحاول إغراق البلاد في الفوضى، الأمر الذي شل سلطة الدولة وعطل من فاعليتها.. أما المسار الثاني فقد تعاطى مع استحقاقات العملية السياسية بطريقه انتقائية، وحالة استرخائية غير مبررة، واللامبالاة، وليس خافيا أن المسارين كانا يحاولان إعلاء مصالحهما الفئوية على المصالح الوطنية المجسدة في استحقاقات العملية السياسية»، وأضاف أن نشاط السلطة «اكتنفه، في هذا الصدد، كمّ كبير من التجاوزات، وقد تمت بأفعال قصدية وغير قصدية، وخلق الأزمات بدءا من الانتقاص من وثيقة الضمانات وفقا لمخرجات الحوار الوطني، وتشكيل لجنة الأقاليم بمخالفة تلك المخرجات وفرض التقسيمات الإقليمية المحددة (بستة)، والإمعان بممارسات لفرضها في الواقع بعيدا عن الاتفاقات والتوافقات التي تمت بشأنها، وآخرها في اتفاقية السلم والشراكة، والقيام بتعيينات في وظائف حكومية ومدنية وعسكرية كبيرة بذات الطريقة المخالفة للشراكة الوطنية».
وجاء توصيف الاشتراكي اليمني في إطار مبادرة جديدة تقدم بها لحل الأزمة في اليمن، حيث قال الحزب إن «عدم استكمال نقل السلطة، وإذ خلق سلطه مزدوجة، فإن عدم التوصل إلى تنفيذ لاتفاق السلم والشراكة وملحقه الأمني، وإذ يعود ذلك إلى ملابسات كثيرة قام بها الطرفان المعنيان، أضاف ازدواجا جديدا في السلطة جعل منها سلطة مركبة مزدوجة، بممارسة أنصار الله للسلطة من خلال اتخاذ قرارات نافذة عبر اللجان الثورية في المؤسسات الحكومية من موقع المعارضة سبب هذا في حد ذاته مشكلات إضافية إلى ما يعيشه الوضع السياسي من توتر انزلق نحو استخدام القوة»، وتضمنت مبادرة الحزب الاشتراكي مقترحات أبرزها: «التنفيذ العاجل والسريع للملحق الأمني في اتفاق السلم والشراكة، وسحب المسلحين من دار الرئاسة وحول منزل الرئيس، وإنهاء الانسحاب من مرافق الدولة، وعدم التعرض بالعنف للاحتجاجات السلمية، وهو حق مكفول للأفراد وفقا للدستور، ورفع السيطرة عن قناة عدن والإذاعة والمؤسسات الإعلامية، والتصحيح العاجل للخروقات التي تمت على اتفاقية السلم والشراكة وفي المقدمة منها تصحيح الاختلالات في هيئة متابعة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، إلغاء القرار الجمهوري الذي انتقص من مستوى شرعيتها واختزل مهامها في مجرد الرقابة الشكلية، تطوير وثيقة الضمانات في مخرجات الحوار الوطني الشامل بحيث تضمن الأبعاد التشريعية والرقابية والحضور الشعبي الذي يراقب عدم انحراف السلطة عند القيام بمسؤولياتها عن المسارات التوافقية وتمنع بالمقابل أي محاولات للاستيلاء على السلطة سواء عبر الهيمنة أو الإزاحة»، وضمن مبادرة «الاشتراكي اليمني»: «تصحيح أو تنقية مسودة الدستور مما لم يرد في مخرجات الحوار الوطني الشامل وما تم فيها تجاوز لاتفاق السلم والشراكة، إحياء العملية السياسية بعدول رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وحكومته عن استقالتيهما مخرج آمن للأزمة الراهنة».
على صعيد آخر، شهدت العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات مظاهرات ومسيرات ضد الحوثيين وتندد بما سماه المتظاهرون «انقلاب الحوثيين على الشرعية الدستورية واغتصاب السلطة في اليمن»، وقال مشاركون في المظاهرات التي انطلقت من جولة سبأ مرورا بشارع القاهرة وحتى ساحة التغيير جوار جامعة صنعاء الجديدة، إن المتظاهرين رفعوا «شعارات تطالب بإخلاء العاصمة والمحافظات من الميليشيات، ورفضا للانقلاب الحوثي واستعادة الدولة وتندد بأعمال (البلطجة) التي تمارسها الميليشيا ضد المتظاهرين»، ورددوا هتافات ضد الانقلاب ومصادرة ممتلكات الدولة من قبل ميليشيات الحوثي، بالإضافة إلى شعارات تدعو إلى استعادة العمل الثوري لوقف انهيار البلاد، وأكدت مصادر طلابية وشبابية أن المظاهرات شملت محافظات تعز والحديدة وإب والبيضاء وغيرها، وهتف فيها المشاركون، أيضا، بما وصفوه بـ«عودة نظام العبودية في اليمن»، في إشارة إلى نظام الملكية الذي سقط مطلع ستينات القرن الماضي في شمال اليمن، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر في حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي أن ميليشيا الحوثيين اعتقلت، بعد صلاة الجمعة، أمس، رئيس اتحاد طلاب اليمن، رضوان مسعود، من منزله في حي مذبح بغرب العاصمة صنعاء، بعد تطويق المنزل بعدة أطقم مسلحة تتبع الميليشيا التي اقتادته إلى مكان مجهول، وذلك في ظل استمرار المظاهرات الطلابية بجامعة صنعاء والمناوئة للحوثيين خلال الأيام القليلة الماضية.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.