«مذكرات سجين»... النواة الأولى لأدب السجون في السردية العربية

حققها وليد كساب في حلة جديدة بعد قرن على طبعتها الأولى

«مذكرات سجين»... النواة الأولى لأدب السجون في السردية العربية
TT

«مذكرات سجين»... النواة الأولى لأدب السجون في السردية العربية

«مذكرات سجين»... النواة الأولى لأدب السجون في السردية العربية

يشكل كتاب «مذكرات سجين» لعبد الحميد عمار ما يمكن تسميته النواة الأولى لأدب السجون في السردية العربية الحديثة. ورغم صدوره قبل أكثر من قرن، إلا أنه لم يفقد أهميته. وقد صدرت أخيراً طبعة جديدة من الكتاب عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ضمن سلسلة «ذاكرة الكتابة» بتحقيق مسهب ودراسة وافية للباحث وليد عبد الماجد كساب.
ولد صاحب المذكرات عبد الحميد عمار عام 1901 بقرية بيبان التابعة الآن لمركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة. وعرفت أسرته بدورها الوطني والسياسي فوالده كان عضواً بأول مجلس نيابي مصري، أما جده لأبيه فكان أحد أعضاء الجمعية العمومية أو المجلس النيابي، وكان ضمن الجمعية الوطنية التي عقدت بالقاهرة إبان ثورة عرابي، واجتمعت على عزل الخديوي توفيق، وتأييد عرابي في مواجهة المحتل البريطاني. وكان عمه عبد الحميد بك عمار أحد رفقاء الزعيمين الوطنيين مصطفى كامل ومحمد فريد في جهادهما ضد الاحتلال البريطاني.
في هذا الوسط المشبع بروح الوطنية، نشأ عمار نشأة محافظة فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ثم التحق بمدرسة «المساعي المشكورة» بشبين الكوم بالمنوفية، وهناك كان له نشاطه في مقاومة المحتل الإنجليزي. ومع اشتعال ثورة 1919 وهو آنذاك طالب في الثانوية كانت له مساهمته في إذكائها بمحافظتي المنوفية والغربية، ثم عاد إلى بلدته بالبحيرة، فجمع الثوار وحاصروا مركز الشرطة بكوم حمادة يوم 19 مارس (آذار) 1919 مطالبين برحيل البريطانيين.
وحسب رواية الأسرة، فإن عبد الحميد عمار حاصر المعسكر الإنجليزي الذي كان مقاماً في سوق القرية، لكن عائلة منافسة لهم قامت بتهريب المفتش الإنجليزي في زي امرأة، وأطلقت عليه أعيرة نارية، واتهمت عبد الحميد بإطلاق النار على المفتش، وبعد محاصرة القرية بأكثر من ألف جندي إثر وشاية من بعض أهلها، وقيل إن من بينهم أقارب له، لم يجد عمار بداً من تسليم نفسه.
بدأت محاكمة عبد الحميد عمار أمام محكمة عسكرية بدمنهور في 24 أبريل (نيسان) 1919 وبعد أربعة أيام صدر عليه حكم بالإعدام، ثم خفف الحكم بعد أربعة أيام إلى السجن مع الأشغال الشاقة المؤبدة، لكن أفرج عنه في 5 يوليو (تموز) 1924 بعد أربعة أعوام ونصف العام تقريباً.

يوميات العذاب
وحسب تحقيق وليد كساب، تبلغ عدد صفحات مخطوط المذكرات 138 صفحة كتبت في كراس مسطر مقاس 15× 21 سم بغلاف متهرئ من ورق مقوى ذهبت الأيام بلونه. وينقسم الكتاب إلى جزأين يسبقهما إهداء للرئيس جمال عبد الناصر، ثم تبدو هناك صفحة مفقودة ثم قصيدة من نظم الكاتب في صفحة مرقمة تحت رقم 2، ثم التقديم، وهو إهداء في عدة سطور وتليه مقدمة ثانية أطول وقد ذيل بعض كتاباته بتوقيعه عبد الحميد عمار 516، وهو رقمه في السجن كما يبدو من الصورة التي أرفقها بالكتاب. ويأتي القسم الأول تحت عنوان «فذلكة تاريخية»، ويتكون من ثمانية فصول يذكر فيها طرفاً من معاناة مصر تحت الاحتلال البريطاني وبعض الذكريات عن ثورة 1919 قبل يوم 1 مارس الذي يراه المؤلف يوماً فاصلاً في تاريخ المحروسة. أما القسم الثاني فيشمل الفصول من التاسع حتى نهاية الكتاب، ويسرد فيه ذكرياته الأليمة في السجن وما لاقاه مع زملائه في النضال ضد المحتل البريطاني.
تكشف المذكرات عن أهمية تاريخية وأدبية كونها حلقة متقدمة من أدب السجون، وأيضاً كونها مذكرات لأحد الطلاب، وهي الشريحة التي حملت مشاعل الثورة، كما أن هذه المذكرات مكتوبة بأسلوب أدبي عال ينبئ عن قراءات واسعة لكاتبها واطلاع على أهم ما أنتجه الأدب في ذلك الوقت.
فتحت عنوان «يوم الحساب 17 مارس 1919»، نقرأ في المذكرات كيف أنه على أثر القبض على الزعيم الوطني سعد باشا زغلول ثارت الأمة واضطربت الأفكار فيها، حيث كان عبد الحميد عمار يومئذ في مدرسة المساعي الثانوية بشبين الكوم. سافر في تلك الليلة إلى القاهرة ومعه محروس باشا حبيب، ليستطلعا جلية الأمر، ويتحريان الظروف ويتلقيان التعليمات، فإذا الشعور واحد يؤذن بشر مستطير. وإن هي إلا عشية وضحاها حيث كانت مصر الآمنة شعلة من جحيم يتأجج، وإذا بذلك الشعب المستكين في ثورة تؤذن بألا تبقي ولا تذر.
وعلى حد تعبير صاحب المذكرات، كانت 1919 ثورة شعبية، اشترك في إضرام لهيبها وتزكيته، العالم والجاهل والخفير والأمير، لا دافع للجميع إلا نصرة، فكنت ترى مصر ريفها وصعيدها على ساق وقدم ينادون بالحرية وينشدون الاستقلال. واكتسح ذلك السيل العرم تلك الحكومة القائمة على عماد الحماية الأجنبية، فعطل دورها، وأقفل دواوينها، ومشي أعضاؤها مع الشعب يشاركونه شعوره.
كان عمار آنذاك في أوائل عهده بصياغة الشعر، فأدلى بدلوه ونظم محرضاً في أحد المنشورات القصيدة التالية التي كانت من أسباب إثبات تهمة التحريض عليه، وكانت أحد أسانيد الادعاء ضده، ولم ينكرها:
عار علينا أن نذل وغيرنا
بذل الدما وبغيرها لم يقنعْ
فيم السكوت مع المذلة والشقا
هيهات نرجع مجدنا بالأدمعْ
يقول عمار معلقاً على تعديل الحكم للأشغال الشاقة بقية حياته وخلعه الثوب الأحمر الخاص بإعدامه واستبداله بآخر أزرق خاص: «والله لم أحس أي فرق بين الحكمين، بل لعلي أتعجل الإعدام لأستريح من حالة القلق الذي كنت أعانيه، وليعذرني القارئ في عجزي عن وصف شعوري حين ذاك ولعل الله شاء أن يطيل عذابي ليجزل ثوابي فعلى قدر المشقة تكون المثوبة!».
ويصف ليلته الأولى في السجن قائلاً: «قضيت ليلة ليلاء لا فراش ولا غطاء ولا إزار ولا ماء وسلبوا مني قبل الدخول ما زودني به أبي من متاع وزاد، وأصبحوا بي إلى سجن الاستئناف، فقضيت عشرة أيام كاملة وقام بي الحراس ومن معي من معتادي الإجرام. وكنا نزيد على العشرين إلى ليمان أبي زعبل وكان الخط الحديدي الموصل إلى هناك قد عبثت به يد الثورة فأركبونا عربات مدرعة إلى بلدة الخانكة وهناك تسلمنا الحراس وكنا حفاة عراة إلا من أسمال خلقة لا ترد الهجير ولا تقي الزمهرير».
وحين انتقل إلى سجن أبو زعبل يروي صاحب المذكرات يومياته، مشيراً إلى أن عمله كان ينحصر في حمل الصخور من باطن الأرض إلى سطحها على ارتفاع لا يقل عن خمسين متراً، ومن ورائه السجانون غلاظ شداد يفعلون ما يؤمرون وزيادة. «ولرب قارئ يظن أن الجبل في سجن أبي زعبل مرتفع عن سطح الأرض مثل طرة ولكن لا، في أبي زعبل الجبل عبارة عن منجم في باطن الأرض وحجره أسود يستعمل في رصف الشوارع وتبلطيها».
في بداية الأمر شاقه الجبل ومنظره فلما عاينه وحمل الحجر هاله الأمر وفكر في الهروب والعصيان، فلا قانون هناك ولا عدالة باستثناء قرائح السجانين.

حياة بعد الخروج
ويؤكد الباحث وليد كساب في دراسته الملحقة بالكتاب أن عبد الحميد عمار عانى من التهميش كغيره ممن قامت على أكتافهم ثورة 1919 في ظل استئثار فئة بعينها بمكاسبها، لافتاً إلى إشارة الكاتب الصحافي الراحل مصطفى أمين لذلك التجاهل والتهميش في كتابه المهم عن ثورة 1919 بقوله «ولعل من أخطاء ثورة 1919 أنها نسيت الذين عرضوا حياتهم للخطر، والذين وضعوا رؤوسهم على أكفهم والذين داعبت أعناقهم حبال المشانق. ولقد كانت وجهة نظر الثورة يومها أن العمل الوطني يجوز أن يدفع عنه ثمن ولكن الذي يحدث أن المتسلقين والانتهازيين كانوا هم الذين يصعدون إلى المناصب الكبرى».
مع قيام ثورة يوليو (تموز) 1952، وتصدر الضباط الأحرار المشهد أحس عمار بشيء من البهجة، وبأن تضحياته هو ورفاقه لم تذهب سدى، وأن السنوات الشاقة التي قضوها في السجن قد آتت أكلها، بعد حين عول على الرئيس جمال عبد الناصر كثيراً. لكن آماله سرعان ما تبخرت. ويذكر الكتاب أن عمار أراد أن يلتقي أياً من الضباط الأحرار، وطلب مساعدة ابن عمه الفريق عبد الواحد عمار مدير الكلية الحربية بعد قيام الثورة، فأعد له لقاء مع المشير عبد الحكيم عامر، وحدث اللقاء، وحمي الوطيس، وأسفر عن مشادة بين الثائر القديم والمشير، مما جعل عمار يعود غاضباً غير مؤمل في تقدم البلاد بسب عدم وضوح رؤية الضباط، وقال: «إن أخوف ما أخاف ألا ينعم الناس بالحرية والاستقلال الحقيقي، وأن يزدادوا فقراً ويقيدوا بقيود الوطن بدلاً من قيود الاحتلال».
لازم عمار شعور بالأسى على الوطن، وما آلت إليه أحواله، ولذا نجده في نهاية كتابه يبث حزنه وغضبه وينعى وطناً فتح ذراعيه للانتهازيين وأصحاب المصالح على حساب الشرفاء!



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».