مصادر الثقافة الفرعونية في روايات نجيب محفوظ

استفاد من كتب المؤرخين جيمس بيكي وسليم حسن

مصادر الثقافة الفرعونية في روايات نجيب محفوظ
TT

مصادر الثقافة الفرعونية في روايات نجيب محفوظ

مصادر الثقافة الفرعونية في روايات نجيب محفوظ

برزت الروح الفرعونية والحضارة المصرية القديمة مبكراً في أعمال نجيب محفوظ، ولم يقتصر ذلك على رواياته الثلاث الأولى؛ «عبث الأقدار» 1939، «رادوبيس» 1943، «كفاح طيبة» 1944. بل امتد إلى أعمال أخرى لاحقة، منها روايتا «أمام العرش» 1983 و«العائش في الحقيقة» 1985. هذا ما تكشف عنه دراسة شيقة أعدها الباحث د. محمد حسن عبد الله، وصدرت عن الهيئة العامة للكتاب، في كتاب بعنوان «جماليات الحضور الفرعوني في أدب نجيب محفوظ»، يقع في 299 صفحة من القطع الكبير. ويلفت المؤلف إلى أن مثل هذه الروايات تضع الزمن الفرعوني وشخصياته وقيمه وتصوراته وصراعاته في مركز الاهتمام الإبداعي لدى محفوظ، حتى إن هدف بعض منها أن يرسل ومضة إلى الحاضر ليكتشف جانباً فيه يحتاج إلى تنبيه الوعي أو حشد الخبرة بالماضي لتوجيه المستقبل. لكن السؤال يطرح نفسه؛ ما هي مصادر الثقافة الفرعونية عند عميد الرواية العربية؟
يعود بنا المؤلف إلى كتاب صغير وضعه جيمس بيكي بالإنجليزية، وترجمه الطالب الجامعي نجيب محفوظ عام 1932 وهو في العشرين من عمره، إذ يمكن أن نعد هذا الكتاب الذي أثار إعجابه فأقدم على ترجمته أول صلة علمية بين الأديب الشاب وإرثه الحضاري القديم. يرسم الكتاب صورة شيقة للحياة اليومية في مصر القديمة، سواء في العاصمة أو في الريف، ويعنى بشخص فرعون كما يعنى بالفلاح والصياد، ويصف المعارك كما يصف النيل والحقول ومساكن الفقراء وطبائعهم. ويشبه المؤلف الكتاب بالخميرة المبكرة التي تفاعلت في ذهن الأديب الشاب، كما سنجد فيه إشارات محددة وجدت لنفسها مكاناً في روايات الكاتب، مثل تكرار الإشارة إلى الحكماء ومكانتهم ووصف المدن وصفاً يقربها إلى مشاهد المدينة الحديثة؛ حيث المعابد العالية والرايات الخفاقة، كما يصف إضراباً للعمال ويبرز عراقة نظام الحكم وتدرج المراتب في القصر الملكي الفرعوني، كما يصف أبهة المواكب والاحتفالات. وهناك تفاصيل أخرى تظهر مدى تأثر نجيب محفوظ في رواياته الثلاث الأولى بهذا الكتاب.
وهنا يورد المؤلف ملاحظة مهمة بقوله: «على أننا لا نطمئن إلى إسناد التوجه إلى التاريخ المصري القديم في جملته وأساسه إلى هذا الكتيب على أهميته، ونرى أن المفكر سلامه موسى (1887 - 1958) كان مؤثراً فاعلاً في هذا الاتجاه، وإن كان يقال عادة إن تأثيره فكري سياسي في نفس الشاب الأديب الذي احترم في شخص سلامة موسى حقائق العلوم والتعلق بالاشتراكية». وقد ذكر محفوظ أنه اختار عنواناً مختلفاً لروايته الأولى هو «حكمة فرعون» وأن سلامة موسى هو الذي اختار «عبث الأقدار». وإذا كان شخص سلامة موسى يمثل سياقاً خاصاً فقد شهدت ذات المرحلة سياقاً عاماً شغوفاً باكتشاف آثار الفراعنة والانبهار بدلالتها الحضارية، ومن ثم لا نجد غرابة في اتجاه الكاتب إلى ذلك التاريخ الذي لفت أنظار العالم كله في تلك الحقبة من نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

غزاة وملوك
وعن الموضوعات الأساسية التي تناولتها روايات صاحب نوبل الفرعونية، يوضح المؤلف أن روايته الأولى «عبث الأقدار» كانت تدور حول ملابسات بناء الهرم الأكبر ومعناه ومعاناة الملك خوفو الذي حمل الهرم اسمه، في حين تناولت «رادوبيس» الصراع بين الكهنة المثقفين والحاكم في نزوعه إلى الحكم المطلق، أما «كفاح طيبة» فتناولت الصراع بين ملوك الفراعنة والغزاة الهكسوس. ويلفت المؤلف إلى أن هذه الأحداث ذات أصل تاريخي نجدها لدى الباحث والمؤرخ جيمس بيكي الذي ذكر معلومات مثيرة تخص بعضاً منها، فضلاً عن إشارات طريفة أيضاً، مثل تعرض فرعون للاغتيال في قصره واستقدام الأقزام من عمق القارة. أفاد محفوظ من هاتين الإشارتين وكل هذه التفاصيل حيث أعاد صياغتها في قالب درامي فني. وهناك مصدر تاريخي آخر أفاد منه عميد الرواية العربية كثيراً وهو موسوعة مصر القديمة للمؤرخ المصري الشهير سليم حسن، والتي تعطي من تفاصيل التاريخ القديم ما يغذي عشرات من الروايات، إذا تهيأ لها كاتب موهوب مثقف مثل نجيب محفوظ. ناهيك عن أن سليم حسن، نفسه لا تخلو سيرة حياته من نبرة درامية، فقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا، وعين أستاذاً لكرسي الآثار في جامعة فؤاد «جامعة القاهرة» عام 1935. كما أتيح له القيام بحفائر أثرية ضخمة لحساب المتحف والجامعة، بين أهرام الجيزة وسقارة، غير أن المؤامرات التي حاكها زملاؤه الحاسدون أبعدته عن وظائفه بعد أعوام قلائل، ما جعله يتفرغ لتأليف موسوعته الرائدة المكونة من 16 جزءاً. ولا يستبعد المؤلف أن تكون هذه الموسوعة بمثابة الأصل الروحي والفكري والوجداني لما كتبه نجيب محفوظ عن الفراعنة استناداً إلى تطابق كثير من الوقائع، فقد قدّم محفوظ على سبيل المثال صورة خوفو مرتين في «عبث الأقدار» وهو يرى تمثال أبو الهول، في حين أن معظم الآراء المتداولة تشير إلى أن التمثال تم إنشاؤه بعد خوفو، وبالرجوع إلى موسوعة سليم حسن نجد أنه يقدم أدلة موثقة على إمكانية أن يكون تمثال أبي الهول موجوداً زمن الملك خوفو.
في رواية «كفاح طيبة»، تصدى الملك سكنن رع لجيش الهكسوس دفاعاً عن استقلال الجنوب، وحوصر في ميدان القتال ولقى مصرعه بطريقة شنيعة حيث انهالت عليه الضربات بالحراب والفؤوس والسهام حتى كسرت جمجمته. لقد وصفت هذه الرواية هذا المشهد البطولي وصفاً مؤثراً مفصلاً يأتي متطابقاً مع وصف مومياء الملك بحسب ما جاء في موسوعة سليم حسن التي تذهب كذلك إلى أن جثة الملك جُمعت أشلاء، حيث إن الهزيمة المباغتة لم تتح الفرصة لتحنيطها في الميدان، فحملت الأشلاء إلى مدينة «طيبة». وهو ما يتشابه إلى حد التطابق عند نجيب محفوظ، حيث يتسلم كهنة آمون جثة ملكهم، واحتفظوا بها في «قدس الأقداس»، فلم تبارحه إلى أن تمكن حفيده أحمس من طرد العدو من أرض مصر وعاد مع أسرته إلى عاصمته التاريخية.

إسقاط على الواقع
في رواية «رادوبيس» يذكر المؤلف أن نجيب محفوظ لجأ إلى أسلوب الإسقاط على الواقع من خلال تقديم صورة تاريخية قديمة تنتقد بشكل غير مباشر ما يحدث في الواقع الراهن، وتحديداً الشائعات عن فساد الملك الشاب «فاروق» زمن كتابة الرواية. لقد تراجع وصفه بـ«الملك الصالح»، ودلّت حادثة اصطدام سيارته عند قرية «القصاصين» بإحدى سيارات جيش الاحتلال البريطاني بمحافظة الشرقية على ما كان يعيشه من ألوان الفساد الأخلاقي والعبث بأموال الشعب، فأراد محفوظ أن يقدم حاكماً فرعونياً له صفات مشابهة ونهاية سيئة حتى يكون الربط بين المصيرين واضحاً. وعلى مستوى الحضور الإنساني، استخدم محفوظ مهارة عالية في جلاء المستوى الحضاري والخصوصية المميزة لمصر القديمة، دون أن يبدو هذا دعاية أو بقصد التفاخر. «إن الفرعون في روايتي (عبث الأقدار) و(كفاح طيبة) يتخلى تماماً عن نمط الجبابرة الذي وسمه به الخيال الشعبي، إذ يبدو هنا أباً رحيماً، حتى إذا بدا معبوداً فإن العبودية له طواعية تصدر عن إجلال له من شعبه واطمئنان إلى جدارته وقوته. وفي (عبث الأقدار) تحديداً يبدو الفرعون أقرب إلى شيخ القبيلة أو الزعيم، إنه خلافاً للصور التي يبدو عليها في التماثيل الشهيرة ذات الإزار والصدر العاري والساقين المكشوفتين، نراه يرتدي عباءة حريرية تلمع حاشيتها الذهبية تحت الشمس، وهو ملك وديع وابن نكتة، لا يجد حرجاً في ممازحة بعض رجال حاشيته فيداعب المهندس المعماري (ميرابو) مهندس الهرم قائلاً...
- أمرناك أن تشيد لنا هرماً فشققت نهراً، فهل تظن مولاك ملكاً على الأسماك؟».
ويكشف المؤلف أنه في متن الرواية نجد حرصاً على تأكيد مسؤولية الملك عن شعبه، وأنه المطالب بالبذل من أجل الشعب، وليس العكس. وفي الختام، يقدم خوفو حين أحس وهن الحياة واقتراب الرحيل البذرة المبكرة للسلوك الصوفي، كما أنه يبارك زواج ابنته الأميرة من قائد جيشه بطريقة رومانسية مغرقة في العاطفية، ويمضي راحلاً إلى العالم الآخر، عالم أوزوريس، وقد اكتسى وجهه بنور سماوي. أما الفرعون في رواية «رادوبيس» فهو الوحيد بين فراعنة محفوظ الذي طمع في أرض أوقاف المعابد، واصطدم برجال الدين، ودفع حياته ثمناً لنزواته في قصر الغانية التي تحمل الرواية اسمها بجزيرة بيجه. ومع هذا، فإن الدولة في عهده كانت في تمام رونقها.
ويخلص المؤلف في كتابه الشيق إلى أن الكاتب يستدرج السياق التاريخي، لتبدو صورة الحياة في مصر القديمة أبهى مما في زمنه، وكأن عملية من التبادل تتم في اتجاهين متعاكسين، حتى يمكن أن نجد صور الحياة المصرية في مدن القرن العشرين ماثلة حول طيبة، وآبو، ومنف، حتى الضواحي العشوائية وإدارة الموظفين. وفي الروايات الثلاث، تتجسد خبرة محفوظ في المعرفة بنظام البروتوكول وأصول المراسم، فضلاً عن رقي النظام الوظيفي والاجتماعي في مصر القديمة بصفة عامة.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».