-سيلفيا بلاث مثل صاعقة بشرية

كتاب جديد عن سيرتها تزيد صفحاته عن الألف

سيلفيا بلاث
سيلفيا بلاث
TT

-سيلفيا بلاث مثل صاعقة بشرية

سيلفيا بلاث
سيلفيا بلاث

لنبدأ بالنهاية. بتعبير الشاعرة روث فينلايت: «الجميع يعرف نهاية القصة». في صباح يوم 11 من فبراير (شباط)، 1963، في عامها الثلاثين، دخلت سيلفيا بلاث مطبخها في شقتها بلندن وأغلقته بالورق اللاصق، فتحت الغاز وأسندت رأسها على باب الفرن المفتوح. استعداداتها للموت كانت محسوبة واستجدائية. تركت طفليها الصغيرين في غرفة نومهم، باب الغرفة مغلق تماماً وشباكها مفتوح، مع بعض الخبز والزبدة والحليب. ورقة صغيرة في عربة الأطفال تضمنت طلباً مهذباً، بالأحرف الكبيرة، بالاتصال بالطبيب الذي كتب لها وصفة المهدئات. وحين وصل الدكتور هوردر كانت قد ماتت منذ عدة ساعات. مع أن هوردر كان يحاول إدخال بلاث إلى قسم العناية النفسية قبيل انتحارها، فقد أعلن «كنت مندهشاً جداً أنها فعلت ذلك بنفسها».
إلى جانب الملاحظة المتعلقة بالطبيب - التي قد تدل أو لا تدل على أنها كانت تأمل أن يعثر عليها حية - تركت بلاث ملفاً أسود على مكتبها. تضمن الملف المجموعة الشعرية الريادية، المهداة لطفليها فريدا ونيكولاس، والتي عنونتها «أرييل». كانت بلاث قد استمرت تكتب الشعر حتى قبل وفاتها بستة أيام (يومياتها الأخيرة، التي ظلت تكتبها حتى قبل وفاتها بثلاثة أيام، أتلفها زوجها تيد هيوز)، وعملها الأخير فسره العديد من القراء بنهم على أنه إعلان عن الكيفية التي ستنتهي بها حياتها. وقد صادق هيوز على ذلك التفسير. أعلن عام 1998، قبل وفاته بفترة قصيرة، أن القصيدة التي تحمل المجموعة عنوانها «أرييل» كانت «نبوءة بانتحارها»، وهي قراءة تستدعيها الأسطر الأربعة الأخيرة:
قطرة الندى التي تطير
منتحرة، متوحدة بالنزعة
نحو العين
الحمراء، مرجل الصباح.
ومع ذلك فإن بلاث نفسها وصفت عملها بعبارات تمزج الهزل بالكآبة، حين قالت: «قصيدة أخرى حول ركوب الخيل هي التي عنوانها (أرييل)، اسم حصان فتنت به». إذا قرأت بهذه الطريقة فإن الأجزاء المبعثرة للقصيدة، «الأعقاب والركب»، «الرقبة» و«الأفخاذ» و«الشَعر»، بتعرجاتها وسهولة الإلمام بها، تبدو صلتها بنهاية عنيفة مفاجئة أقل من صلتها بالحياة إذا ما نظر إليها بسرعة هائلة من زاوية متحدث يعدو باتجاه شمس الصباح. رؤية بلاث لنفسها على أنها «غودايفا بيضاء» (كما في الأسطورة الإنجليزية) رؤية مشبعة بالبهجة والانتصار. لقد أضاف هيوز معلومة تقول: «كان أرييل اسماً لحصان كانت تركبه كل أسبوع. قبل ذلك، حين كانت طالبة في كمبردج (إنجلترا)، ركبت الخيل مع صديقة أميركية باتجاه غرانتشيستر. اندفع حصانها، وسقط الرِكَاب، فقطعت الطريق عائدة إلى الإسطبل الواقع على بعد حوالي ميلين، الحصان بأقصى سرعته، وهي متمسكة بعنقه».
ما لم يذكره هيوز هو أن تلك الحادثة (ديسمبر/ كانون الأول، 1955) كانت المرة الأولى التي تركب فيها بلاث الحصان. حسب التفسير الذي أوردته هيذر كلارك في سيرتها الجديدة لبلاث، اندفع الحصان المتمرد في الطريق المعاكسة، وكانت السيارات تنحرف عن مساره والنساء يصرخن. كانت بلاث متمسكة بعنق الحصان مندهشة من «قوتها» هي؛ ربما لكي تدهش الجمهور على الأقل. كتبت: «أشعر كما لو كنت صاعقة بشرية تنتقم». في القصيدة التي كتبت لاحقاً تظهر المتحدثة بلغة قاتلة أيضاً: «وأنا/ أكون السهم».
إن السيرة لا تقدم تفسيراً نهائياً ولا تستنفد التفسيرات المحتملة لما يحدث في «أرييل». معرفتنا بأن بلاث انتحرت بعد كتابة المجموعة بوقت قصير لا يعيننا كثيراً في فهم صور القصيدة وإطارها الشكلي. أما العنوان فقد أشار الشاعر روبرت لووِل أن «أرييل يذكر بالشبح الشكسبيري اللطيف (في مسرحية «العاصفة»)، الثنائي الجنس، والمرعب قليلاً، لكن الحقيقة هي هذا الأرييل هو حصان الكاتبة». موت الشاعرة بيديها إحدى «الحقائق» (قال لووِل لإليزابيث بيشوب إن قصائد بلاث كانت «كلها حول» «انتحارها»). حقيقة أخرى هي أن الاسم «أرييل» هو لشكسبير كما هو لبلاث. أرييل شبح يفتتح «العاصفة» مستعبد البروسبيرو، ولكنه يتحرر في النهاية بقدراته الخلاقة. بعد تركه آثاراً سحرية في الآخرين ينطلق ويصير هو نفسُه، كما يقول «أرييل» بلاث، «شيئاً آخر».
لقد أشارت بلاث أكثر من مرة إلى «تكيفها» بعبارة توحي بالكيفية التي حولت بها الأحداث في حياتها إلى «شيء آخر». كتبت حول قصة محاولتها الأولى للانتحار في شبابها عام 1953 وذلك بعد عام من تلك المحاولة قائلة: «لقد تكيفت مع محاولتي الصيف الماضي إلى حد أنني سأكتب بحثي الروسي حول موضوع الانتحار». وقد أثنت كلية سميث، حيث كانت تدرس، على «تكيفها الجميل» مع الحياة بعد تلك المحاولة الأولى للموت. الدليل الأفضل على شاعر متكيف بشكل جيد كان إحساسها حول كيفية تحويل التجربة إلى فن. أخبرت بلاث أمها أوريليا بما شعرت أنه كان يجب أن يحدث قبل تحويل حياتها هي إلى أدب: كان على الواقع أن يكون موضوعاً «لتحويرات» الشاعر، كان على الشخوص أن يمروا بعملية «دمج» يصيرون بموجبه «مركبين»، وعلى الحقيقة أن «يعاد ترتيبها».
لقد نظر كتاب سيرة بلاث إلى الشاعرة في الغالب كما لو أن أعمالها ليست أكثر من تعبير ذاتي ومباشر. عمليات التحويل التي وصفتها لأمها قد تغيب عن تلك السير أيضاً، وإن أثبتت فإن عمليات كتلك تُفهم على أنها عوائق في وجه الحقيقة المتمثلة في كشف الكاتبة عن نفسها. لكن لا بد أن تكون القصائد شيئاً آخر غير الاعتراف المباشر لكي تستحق أن تسمى قصائد، كما تدرك كلارك. في حين تستخرج كلارك مصادر لمادتها أوسع مما ظهر في أي من السير النقدية العديدة التي كتبت عن بلاث، فإنها تؤكد بحرص ما لدى الشاعرة من مواهب وطاقات شعرية. نتيجة ذلك تقييمٌ يراها كاتبة نمو وإبداع، ليس كما لو كانت امرأة محكوماً عليها بالانتحار، وإنما بوصفها شخصاً يصارع باستمرار، كما عبرت هي بتواضع، ليكون «أكثر نجاحاً في الكتابة مما ظننت في البداية». بتعبير كلارك، كان التزام بلاث «ليس للموت، وإنما للفن».
كان معنى النجاح في الكتابة، كما رأته في سنوات صباها، أن تكتب قصصاً وترسلها إلى مجلات منتشرة فتكسب المال وتحصد الجوائز. بعد الموت المفاجئ لوالدها (أوتو) حين كانت في الثامنة من عمرها، كانت عائلة بلاث دائماً على شفا كارثة من الإفلاس المالي. كانت سيلفيا، التي قالت عن نفسها إنها كانت في طفولتها «ذكية بصورة خطرة»، تحب المنافسة، متحمسة ومصممة وطموحة بلا حدود. اكتسبت الثناء من الجميع بسبب تفوقها الدراسي، بإيمانها بالإنجاز، ومظهرها المتسق على نحو بديع. كانت أشياء عظيمة تُنتظر منها وكانت تعمل بلا هوادة. بمناسبة مرور 30 عاماً على انتحارها، وصفت جانيت مالكوم في «النيويوركر» حياة بلاث بأنها «قصة مميزة للخمسينيات المخيفة والمزدوجة الوجوه». أما أم بلاث، الجادة في عملها، فقد روت نكتة قاسية هي أن «الانهيار العصبي» شيء لا يستطيع أحد من أسرة بلاث أن «يحتمله».
حين عادت سيلفيا ذات العشرين عاماً إلى البيت، مرهقة، من ماساشوستس بعد تدريب رفيع المستوى ولكنه مرهق جداً في نيويورك لدى مجلة «مادموازيل»، لتجد نفسها عاجزة عن الكتابة (وهي تجربة سجلتها في روايتها «جرة الجرس»، التي نشرت بعد شهر من وفاتها)، تم تشخيصها على أنها مصابة بالاكتئاب. سلسلة العلاج التي تلت جعلت الأمر أسوأ إذ تصاعدت في صدمات كهربائية مرعبة. تقول كلارك إنه ربما كان الخوف من تكرار هذا العلاج في لندن عام 1963 هو الذي أدى إلى انتحار بلاث.
في عام 1955 أحضرتها منحة من فولبرايت إلى كمبردج شديدة البرودة وإلى تيد هيوز شديد الحرارة (أو تد هيوج (أي الضخم)، كما سمته آن سيكستون). المواجهة العنيفة لهذين الشاعرين في حفلة طلابية - عضت خده وانتزع هو ملفعها وقرطي أذنيها تذكاراً - تحول بسرعة إلى مادة أسطورية متداولة استمتع الجميع بتضخيمها. لاحظ أحد الحضور أنهما «استحق كل منهما الآخر» وتساءل: «هل ستتمكن سيلفيا من ترويض تيد وتدجينه... أم أنه بدلاً من ذلك سيحرر سيلفيا من عواطفها المكبوتة سلفاً؟» تزوجا في لندن في كنيسة سانت جورج، في بلومزبري، في السادس عشر من يونيو (حزيران) 1956 - يوم بلوم (يوم الاحتفال بذكرى الكاتب الآيرلندي جيمس جويس) - الحدث الذي صعق أوريليا بلاث (أم سيلفيا)، الشاهدة الوحيدة على الزواج. بعد شهر عسل قضياه في فرنسا وإسبانيا... عاد الزوجان إلى كمبردج، لتبدأ بلاث سنتها الثانية في كلية نيوهام ويبدأ هيوز التدريس في مدرسة للأولاد. وصفهم أحد المعارف بأنهما «متوهجان بالسعادة». لكن أحد معلمي بلاث في كمبردج رأى أيضاً أن تلك الفترة كانت تشير إلى بداية «الغضب العاطفي الذي هيمن منذ ذلك الحين على شعرها».
مر عامان من التدريس والكتابة في ماساشوستس؛ هنا عانت بلاث بشكل متقطع من عقدة الكاتب والاكتئاب (الذي بحثت له مرة أخرى عن علاج)، لكنها أيضاً احتفلت بسلسلة من الاختراقات الإبداعية والشعرية المنتشية. عاد الزوجان إلى إنجلترا عام 1960، حيث أنجبت بلاث (في لندن) ابنتهما فريدا. بعد ذلك بعامين ولد نيكولاس. وفي ذلك الوقت كانت العائلة قد انتقلت إلى مزرعة في ديفون. حاولت بلاث بمشاعر من الابتهاج أن تتكيف لكن ولادة أطفالها تسببت في أشهر من العقم الإبداعي والبؤس، وأزعجتها كذلك ذكريات والدها المتوفى. خيانة هيوز أدت في النهاية إلى انفصال الزوجين عام 1962. الأمر الذي أطلق لدى بلاث سيلاً جارفاً من القصائد الكئيبة والمزعجة حول الشر، والتعذيب، والتضحية، والموت. هذه الأعمال المنتصرة والمروعة صنعت اسمها.
غير أن صوت بلاث في الأخير يمكن أن يرى منسجماً بصورة جميلة مع العالم الطبيعي أيضاً. رسمت مشهد قصيدة بعنوان «خراف في الضباب» (1962) مع ملاحظة شارحة تقول إن «حصان المتحدث يمضي بمشية بطيئة وباردة وهو يتحدر على تلة من الحصى نحو إسطبل في الأسفل». في مفتتح هذه القصيدة تلال «تصعد نحو البياض»، يراها المتحدث الذي «تمسك عظامُه بالسكون». إنها تعيد تصور الإدراك المتنامي لدى شخص أو شيء يجدها ناقصة («الناس أو النجوم/ تنظر إليّ بحزن، أخيب أملهم»)، لكن قدراتها المرهفة اللماحة على الملاحظة تلتقط الطريق أمامها لكي تخالف خيبتهم. أو أنهم بالأحرى سيلتقطونها بطريقة تضفي المعنى على شيء يقصر دون التوقع (أحد الأسطر يتألف بأكمله من «أوه هدئ») وهو إنجاز عُبر عنه بما هو أقل منه.
إن هذا ليس صوت الانتقام الذي يحمل الموت كما بالغ البعض في وصفه؛ إنها رائعة من نوع آخر.
لم ترد بلاث لأي شيء أبدعته أن يذهب سدى، كما كتب هيوز في مقدمة أعمالها الكاملة: «حسب علمي، لم تتخلص من أي محاولة شعرية لها». بدلاً من التخلص من نص اتضح لسبب ما أنه غير ناجح، ستحاول أن تجد له شكلاً أو صيغة تجعله يعمل، محولة إياه إلى شيء، بتعبير هيوز، «أرهق قدراتها الإبداعية مؤقتاً». عادة أخرى كانت أن تتصور قصائدها المفردة كما لو كانت أعضاء في مجموعة، ربما أسرة، مجتمعة في كتاب يتغير اسمه وعلاقاته الداخلية باستمرار. لو أنها عاشت فستستمر في تكييف ومضاعفة الأعمال التي وصفتها ذات مرة بأنها ذريتها.
على النقيض من العديد من أولئك الذين كتبوا عن بلاث وهيوز، تتفادى كلارك أن تكون جزءاً من قصتهما. كتابها «المذنب الأحمر»، الذي تزيد صفحاته عن الألف صفحة، يحبكُ بتأنٍ الحياة القصيرة التي يوثقها. نغمته واقعية، متعاطفة بصمت (وليس مع بلاث فحسب)، وبعيدة عن الإثارة. فصول كاملة منه كُرست لإعادة بناء شهر واحد يوماً بيوم، مدمجة في الغالب شهادة من مصادر غير مشهورة. رواية كلارك لحياة بلاث هي الأولى التي استطاعت الاعتماد على كل مراسلاتها المتبقية، سواء التي لم تنشر أو التي اكتشفت مؤخراً، وعلى العشرات من المقابلات التي أجراها معاصروها ونشرتها هارييت روزنشتاين (تهيئة لسيرة لم تكتمل)، المقابلات المحفوظة في أرشيف جامعة إيموري.
تركز كلارك أيضاً أكثر من غيرها على الخلفية العائلية لوالدي بلاث، أوتو (الذي هاجر من بروسيا إلى أميركا في سن السادسة عشرة) وأوريليا (المولودة باسم شوبير)، التي كان والداها نمساويين. هذه سيرة مرخص لها: ورثة بلاث وهيوز سمحوا لكلارك بالاقتباس كما تشاء ومباشرة من المادة المنشورة وغير المنشورة، لذا لم تحتج إلى إعادة صياغة الأقوال المؤكدة أو إلى ما هو غائم في الذاكرة. «المذنب الأحمر» ليس تبجيلاً بصورة مبالغ بها لموضوعه، ولا هو بالمدفوع إلى تقديس التفاصيل المتعلقة بأيام بلاث الأخيرة. إنه سيرة حياة بأفضل وبكل ما في الكلمة من معنى.

* مراجعة لكتاب «المذنب الأحمر: حياة سيلفيا بلاث
القصيرة والملتهبة»
المصدر مجلة «بروسبكت»
(يناير/ فبرير 2021).



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.