إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

عُرضة للتنازع من قبل 3 سلطات

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
TT

إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين

معظم النظريات النقدية الرومانسية، مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى تمثل عملية البحث عن المعنى في الشعر، أو بشكل أدق المعنى الشعري، إشكالية كبيرة وخلافية في النقد الحديث. ترى أين يتموضع المعنى داخل القصيدة؟ وكيف يتسنى للقارئ التقاط هذا المعنى واقتناصه؟ يحاول الناقد الفرنسي رولان بارت الإجابة بصورة غير مباشرة عن مثل هذا التساؤل فهو يرى «إن المعنى ليس له معطىً في بداية النص، ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله. (سيميولوجيا الشخصيات الروائية، فيليب هامون، ص88)
لو راجعنا مسيرة النقد الأدبي، لوجدنا أن المعنى عرضةً للتنازع من قبل ثلاث سلطات هي: سلطة المؤلف، وسلطة النص، وسلطة القارئ. وكل من هذه السلطات تزعم أنها صاحبة الحق الشرعي في امتلاكه والحديث باسمه.
فمعظم النظريات النقدية الرومانسية مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى، بوصفه منتج النص الذي أودع فيه أسراره من خلال «قصدية» معينة.. وربما يمثل الناقد هيرش، أحد أبرز النقاد الحداثيين المدافعين عن حق حيازة المعنى من قبل المؤلف. وكما يبين الناقد وليم راي في كتابه «المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية «أن هيرش يهدف إلى إعادة تثبيت معنى المؤلف على أنه مبدأ معياري، يعتمد عليه الجهد الجماعي للتأويل، وأن أفضل معيار يمكن اعتماده هو الفعل الأصلي الذي أراد به المؤلف معنى محدداً. (المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، وليم راي، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، (بغداد، ص- 103 - 104 1987)
إلا أن أغلب الاتجاهات البنيوية كانت تميل إلى عد «النص» المالك الشرعي للمعنى، بعيداً عن سلطتي المؤلف والقارئ. فالنص الأدبي هو مستودع الأدبية والشعرية، وهو بالتالي المساحة الحرة التي يتحرك فيها المعنى الأدبي أو الشعري.
ومثل ظهور سلطة القراءة، بمثابة رد فعل ضد سلطة المؤلف. وعندما أعلن رولان بارت عن مفهوم «موت المؤلف» أشار إلى أن موت المؤلف يعني ميلاد سلطة القارئ: «إن ميلاد القارئ رهين إعلان موت المؤلف». (النقد والحقيقة، رولان بارت، ترجمة د.منذر عياشي، دمشق 2019 ص87)
ولا يمكن النظر إلى اتجاهات القراءة والتلقي بوصفها تمثل مدرسة واحدة منسجمة، بل هناك العديد من وجهات النظر تجاه فاعلية عملية القراءة، ومنها الانطلاق إلى درجة كبيرة من المنظور الفلسفي الفينوفيولوجي أو الظاهراتي الذي يركز على الفعل الذاتي للمتلقي. ويعد الألمانيان آيزر وياوس أبرز منظري اتجاهات القراءة والتلقي. وبشكل عام تؤمن مختلف هذه الاتجاهات بأن القارئ هو المنتج الحقيقي للمعنى.
ومن الجانب الأخرى تعنى الدراسات الثقافية بتقديم تصور «أن المعنى، كما يشير (كريس باركر) في «معجم الدراسات الثقافية» يعد من أهم التصورات داخل الدراسات الثقافية، فالثقافة مؤسسة على مفاهيم خرائط المعنى، والمعنى المتشارك أو المتنازع عليه، كما ركزت هذه الدراسات على التقاطع بين السلطة والمعنى ومن ثم، فالأفكار المفتاحية مثل الآيديولوجيا والهيمنة والخطاب تعتمد بعض الشيء على مفهوم المعنى (معجم الدراسات الثقافية، كريس باركر، ترجمة جمال بلقاسم، منشورات رؤية القاهرة 2089. ص333) ومن جهة أخرى فإن ديريدا يذهب إلى أن المعنى لا يمكن العثور عليه في كلمة مفردة، أو عبارة واحدة، ولكن نتيجة مجموعة من العلاقات بين النصوص، وهذا ما يسمى بالتناص». (المصدر السابق ص335) ونجد ديريدا يشكك بثبات المعنى وأنه لا يوجد مصدر أولي للدلالة، ولا معنى شفافاً يمتلك حضوراً ذاتياً، بل بالأحرى، المعنى منزلق دائماً تحت سلسلة من الدوال المخلخلة لاستقراء المدلول، ومن ثم، يحاول ديريدا أن بفضح لا يقينية المعنى». (المصدر السابق 335)
وسبق للناقد (هيرش) وأن ميز بين مصطلحين أساسيين هما، مصطلح المعنى المتماهي مع هدف المؤلف القصدي، ومصطلح الدلالة المتماهي مع المعنى اللغوي الكلي للنص، ضمن علاقته بسياق أكبر. (حول التفكيكية، جوثان كولر». (بالإنجليزية، ص76)
ويقيم الناقد ميشيل ريفاتر بدوره تمييزاً آخر بين هذين المصطلحين المتقاربين، إذ أن مصطلح المعنى بالنسبة له يقتصر على المعلومات التي يبثها النص على صعيد المحاكاة، بينما تكمن الدلالة في النص. (سيميوطيقاً الشعر، دلالة القصيدة، ميشيل ريفاتير، ترجمة فريال جبور غزال، في «مدخل إلى السيميوطيقا»، إشراف سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، القاهرة 1986 ص215)
ويميل الناقد العربي، بشكل عام، إلى تجنب إقصاء المعنى أو حصره داخل البنية اللغوية. إذ ينتقد الناقد سعيد يقطين قصور التحليل الشكلاني عن إقامة تحليل دلالي متكامل، لذا فهو يضع على عاتق سوسيولوجيا النص الأدبي مهمة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالدلالة وإلى تجاوز وعي الستينات والمرحلة البنيوية التي لم يبق ما يسوغها، عملياً ونظرياً. (انفتاح النص الروائي، النص - السياق - سعيد يقطين، بيروت 1987.ص 34)
ومع أن الناقد كمال أبو ديب يؤكد انطلاقه من رؤيا بنيوية خاصة به، لكنه لم يقتصر على دلالة البنية اللغوية فقط، وإنما كان يدعم تأمله النقدي بأبعاد خارج نصية، تؤكد على الوظيفة المعرفية والاجتماعية للخطاب الشعري، وطور تصوراً خاصاً بذلك من خلال تأسيس ما أسماه «نظرية بنيوية للمضمون الشعري» (جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبو ديب، بيروت 1979، ص279.)
والناقد حاتم الصكر، هو الآخر كان يحرص دائماً على تطوير منهج خاص به في قراءة الخطاب الشعري يقوم على آليات نظرية القراءة والتلقي، لكنه كان لا يهمل دور الشاعر في إنتاج الدلالة، ولا يسقط تأثير السياق الاجتماعي الخارجي. (الأصابع في موقد الشعر، مقترحات لقراءة القصيدة، حاتم الصكر، بغداد 1986 ص312)
ومن هنا نرى أن مفهوم «المعنى» أصبح الشغل الشاغل للنظرية النقدية، وقضية خلافية كبرى بسبب هذا التنازع بين أطراف عملية التواصل الأساسية: (الشاعر) بوصفه باثاً أو مرسلاً، و(القارئ) بوصفه متلقياً، و(النص) بوصفه بنية لسانية وسيميائية مشفرة تنطوي على مقومات الشعرية الداخلية. لذا فقد كان الدكتور عبد الله الغذامي على حق عندما أعلن في ندوة تفاعلية أقامتها معه مجلة «الأقلام» العراقية مؤخراً بأن مفهوم المعنى يمثل أخطر مؤسسة ثقافية في النقد الأدبي، وأنه يميل إليه أكثر من ميله إلى مفهوم مقارب آخر هو مفهوم «الحقيقة» الفلسفي. ومن المعروف أن مفهوم المعنى يتداخل مع مفهوم (الحقيقة) من جهة ومفهوم (الفهم) من جهة أخرى في الدراسات التأويلية (الهرمنيوطيقية) والفلسفية لدرجة كبيرة، ولذا فمن مصلحة النظرية النقدية الأدبية التركيز على مفهوم المعنى، وقرينه مفهوم الدلالة، وتجنب الانجرار إلى مفهوم الحقيقة الفلسفي الذي قد يقود إلى تأويلات ومتاهات ميتافيزيقية أو شكلانية لا نهاية لها.
ومن المعروف أن هدف التأويل، في البداية، كان يتراوح بين محاولة استنطاق المعنى الذي يقوله المؤلف، وبين ما يفهمه القارئ. وكان هناك من يرى أن هدف التأويل يجب أن ينصب على النص ذاته. وللتخلص من مأزق التفسير الأحادي يقترح (غادامير) توظيف مفهوم «انصهار الآفاق «حيث ينصهر أفق عالم القارئ بأفق عالم الكاتب. (نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، بيروت، 2003، ص146)
وأشار الفيلسوف (دلثاي) إلى أن مفهوم الحلقة أو الدائرة الهيرمنيوطيقية يذهب إلى أن من أجل فهم أي وحدة لغوية، لا بد لنا وأن نتعامل مع هذه الأجزاء، وعندنا حس مسبق بالمعنى الكلي، لكننا لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة مكونات أجزائه. (دليل الناقد الأدبي، د.ميجان الرويلي ود.سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، بيروت 2007، ص89)
وللخروج من أزمة التنازع حول ملكية المعنى بين المؤلف والقارئ والنص، فقد سبق لي وأن اقترحت في ورقة نقدية تحت عنوان «من سلطة النص إلى سلطة القراءة» ألقيتها في إحدى دورات مهرجان المربد، ونشرت حينها في مجلة الأقلام العراقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى تقديم قراءة نقدية شاملة للنص، وليست أحادية الجانب، قراءة توازن بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة النص فضلاً عن اعتماد شبكة العلاقات السياقية المقترنة بالنص بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية مشروطة. لكن علينا الاستدراك إلى أن الركون إلى أن تحقيق ذلك مرهون من خلال تحقيق مزاوجة خلاقة لأدوات التحليل النصي الداخلي، وآليات التحليل السياقي الخارجي، للوصول إلى قراءة شاملة للنص الأدبي أو للظاهرة الثقافية. (اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح، في الخطاب النقدي العربي الحديث، فاضل ثامر، المركز الثقافي العربي، بيروت 1994، ص41 - 63)
ومن هنا يمكن القول بأن ميراث المعنى يظل هدفاً مركزياً تحاول مختلف السلطات الوصول إليه وامتلاكه، وأن الحديث عن انتفاء المعنى في النص الشعري، وعدم لزوميته، والزعم بوجود قصيدة اللامعنى، هو مجرد خيال بعيد عن الواقع، ذلك أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى الذي يحاول أن يتلمسه في كل مظهر نصي أو حياتي. فلا نص بلا معنى، ولا قصيدة بلا معنى ما، حتى وإن كان هذا المعنى، متشظياً أو شبحياً أو افتراضياً، أو قد يكتنفه الغموض والإبهام والغياب، حيث إن جدلية العلاقات بين العناصر الحضورية والغيابية في النص أو ما يسميها د.كمال أبو ديب بـ«جدلية الخفاء والتجلي» أو ما أسماها تودوروف ثنائية الحضور والغياب تؤكد حضور المعنى في النص الشعري بوصفه معنىً شعرياً خاصاً، يختلف جذرياً عن مفهوم المعنى في النص النثري.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended