إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

عُرضة للتنازع من قبل 3 سلطات

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
TT

إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين

معظم النظريات النقدية الرومانسية، مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى تمثل عملية البحث عن المعنى في الشعر، أو بشكل أدق المعنى الشعري، إشكالية كبيرة وخلافية في النقد الحديث. ترى أين يتموضع المعنى داخل القصيدة؟ وكيف يتسنى للقارئ التقاط هذا المعنى واقتناصه؟ يحاول الناقد الفرنسي رولان بارت الإجابة بصورة غير مباشرة عن مثل هذا التساؤل فهو يرى «إن المعنى ليس له معطىً في بداية النص، ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله. (سيميولوجيا الشخصيات الروائية، فيليب هامون، ص88)
لو راجعنا مسيرة النقد الأدبي، لوجدنا أن المعنى عرضةً للتنازع من قبل ثلاث سلطات هي: سلطة المؤلف، وسلطة النص، وسلطة القارئ. وكل من هذه السلطات تزعم أنها صاحبة الحق الشرعي في امتلاكه والحديث باسمه.
فمعظم النظريات النقدية الرومانسية مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى، بوصفه منتج النص الذي أودع فيه أسراره من خلال «قصدية» معينة.. وربما يمثل الناقد هيرش، أحد أبرز النقاد الحداثيين المدافعين عن حق حيازة المعنى من قبل المؤلف. وكما يبين الناقد وليم راي في كتابه «المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية «أن هيرش يهدف إلى إعادة تثبيت معنى المؤلف على أنه مبدأ معياري، يعتمد عليه الجهد الجماعي للتأويل، وأن أفضل معيار يمكن اعتماده هو الفعل الأصلي الذي أراد به المؤلف معنى محدداً. (المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، وليم راي، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، (بغداد، ص- 103 - 104 1987)
إلا أن أغلب الاتجاهات البنيوية كانت تميل إلى عد «النص» المالك الشرعي للمعنى، بعيداً عن سلطتي المؤلف والقارئ. فالنص الأدبي هو مستودع الأدبية والشعرية، وهو بالتالي المساحة الحرة التي يتحرك فيها المعنى الأدبي أو الشعري.
ومثل ظهور سلطة القراءة، بمثابة رد فعل ضد سلطة المؤلف. وعندما أعلن رولان بارت عن مفهوم «موت المؤلف» أشار إلى أن موت المؤلف يعني ميلاد سلطة القارئ: «إن ميلاد القارئ رهين إعلان موت المؤلف». (النقد والحقيقة، رولان بارت، ترجمة د.منذر عياشي، دمشق 2019 ص87)
ولا يمكن النظر إلى اتجاهات القراءة والتلقي بوصفها تمثل مدرسة واحدة منسجمة، بل هناك العديد من وجهات النظر تجاه فاعلية عملية القراءة، ومنها الانطلاق إلى درجة كبيرة من المنظور الفلسفي الفينوفيولوجي أو الظاهراتي الذي يركز على الفعل الذاتي للمتلقي. ويعد الألمانيان آيزر وياوس أبرز منظري اتجاهات القراءة والتلقي. وبشكل عام تؤمن مختلف هذه الاتجاهات بأن القارئ هو المنتج الحقيقي للمعنى.
ومن الجانب الأخرى تعنى الدراسات الثقافية بتقديم تصور «أن المعنى، كما يشير (كريس باركر) في «معجم الدراسات الثقافية» يعد من أهم التصورات داخل الدراسات الثقافية، فالثقافة مؤسسة على مفاهيم خرائط المعنى، والمعنى المتشارك أو المتنازع عليه، كما ركزت هذه الدراسات على التقاطع بين السلطة والمعنى ومن ثم، فالأفكار المفتاحية مثل الآيديولوجيا والهيمنة والخطاب تعتمد بعض الشيء على مفهوم المعنى (معجم الدراسات الثقافية، كريس باركر، ترجمة جمال بلقاسم، منشورات رؤية القاهرة 2089. ص333) ومن جهة أخرى فإن ديريدا يذهب إلى أن المعنى لا يمكن العثور عليه في كلمة مفردة، أو عبارة واحدة، ولكن نتيجة مجموعة من العلاقات بين النصوص، وهذا ما يسمى بالتناص». (المصدر السابق ص335) ونجد ديريدا يشكك بثبات المعنى وأنه لا يوجد مصدر أولي للدلالة، ولا معنى شفافاً يمتلك حضوراً ذاتياً، بل بالأحرى، المعنى منزلق دائماً تحت سلسلة من الدوال المخلخلة لاستقراء المدلول، ومن ثم، يحاول ديريدا أن بفضح لا يقينية المعنى». (المصدر السابق 335)
وسبق للناقد (هيرش) وأن ميز بين مصطلحين أساسيين هما، مصطلح المعنى المتماهي مع هدف المؤلف القصدي، ومصطلح الدلالة المتماهي مع المعنى اللغوي الكلي للنص، ضمن علاقته بسياق أكبر. (حول التفكيكية، جوثان كولر». (بالإنجليزية، ص76)
ويقيم الناقد ميشيل ريفاتر بدوره تمييزاً آخر بين هذين المصطلحين المتقاربين، إذ أن مصطلح المعنى بالنسبة له يقتصر على المعلومات التي يبثها النص على صعيد المحاكاة، بينما تكمن الدلالة في النص. (سيميوطيقاً الشعر، دلالة القصيدة، ميشيل ريفاتير، ترجمة فريال جبور غزال، في «مدخل إلى السيميوطيقا»، إشراف سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، القاهرة 1986 ص215)
ويميل الناقد العربي، بشكل عام، إلى تجنب إقصاء المعنى أو حصره داخل البنية اللغوية. إذ ينتقد الناقد سعيد يقطين قصور التحليل الشكلاني عن إقامة تحليل دلالي متكامل، لذا فهو يضع على عاتق سوسيولوجيا النص الأدبي مهمة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالدلالة وإلى تجاوز وعي الستينات والمرحلة البنيوية التي لم يبق ما يسوغها، عملياً ونظرياً. (انفتاح النص الروائي، النص - السياق - سعيد يقطين، بيروت 1987.ص 34)
ومع أن الناقد كمال أبو ديب يؤكد انطلاقه من رؤيا بنيوية خاصة به، لكنه لم يقتصر على دلالة البنية اللغوية فقط، وإنما كان يدعم تأمله النقدي بأبعاد خارج نصية، تؤكد على الوظيفة المعرفية والاجتماعية للخطاب الشعري، وطور تصوراً خاصاً بذلك من خلال تأسيس ما أسماه «نظرية بنيوية للمضمون الشعري» (جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبو ديب، بيروت 1979، ص279.)
والناقد حاتم الصكر، هو الآخر كان يحرص دائماً على تطوير منهج خاص به في قراءة الخطاب الشعري يقوم على آليات نظرية القراءة والتلقي، لكنه كان لا يهمل دور الشاعر في إنتاج الدلالة، ولا يسقط تأثير السياق الاجتماعي الخارجي. (الأصابع في موقد الشعر، مقترحات لقراءة القصيدة، حاتم الصكر، بغداد 1986 ص312)
ومن هنا نرى أن مفهوم «المعنى» أصبح الشغل الشاغل للنظرية النقدية، وقضية خلافية كبرى بسبب هذا التنازع بين أطراف عملية التواصل الأساسية: (الشاعر) بوصفه باثاً أو مرسلاً، و(القارئ) بوصفه متلقياً، و(النص) بوصفه بنية لسانية وسيميائية مشفرة تنطوي على مقومات الشعرية الداخلية. لذا فقد كان الدكتور عبد الله الغذامي على حق عندما أعلن في ندوة تفاعلية أقامتها معه مجلة «الأقلام» العراقية مؤخراً بأن مفهوم المعنى يمثل أخطر مؤسسة ثقافية في النقد الأدبي، وأنه يميل إليه أكثر من ميله إلى مفهوم مقارب آخر هو مفهوم «الحقيقة» الفلسفي. ومن المعروف أن مفهوم المعنى يتداخل مع مفهوم (الحقيقة) من جهة ومفهوم (الفهم) من جهة أخرى في الدراسات التأويلية (الهرمنيوطيقية) والفلسفية لدرجة كبيرة، ولذا فمن مصلحة النظرية النقدية الأدبية التركيز على مفهوم المعنى، وقرينه مفهوم الدلالة، وتجنب الانجرار إلى مفهوم الحقيقة الفلسفي الذي قد يقود إلى تأويلات ومتاهات ميتافيزيقية أو شكلانية لا نهاية لها.
ومن المعروف أن هدف التأويل، في البداية، كان يتراوح بين محاولة استنطاق المعنى الذي يقوله المؤلف، وبين ما يفهمه القارئ. وكان هناك من يرى أن هدف التأويل يجب أن ينصب على النص ذاته. وللتخلص من مأزق التفسير الأحادي يقترح (غادامير) توظيف مفهوم «انصهار الآفاق «حيث ينصهر أفق عالم القارئ بأفق عالم الكاتب. (نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، بيروت، 2003، ص146)
وأشار الفيلسوف (دلثاي) إلى أن مفهوم الحلقة أو الدائرة الهيرمنيوطيقية يذهب إلى أن من أجل فهم أي وحدة لغوية، لا بد لنا وأن نتعامل مع هذه الأجزاء، وعندنا حس مسبق بالمعنى الكلي، لكننا لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة مكونات أجزائه. (دليل الناقد الأدبي، د.ميجان الرويلي ود.سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، بيروت 2007، ص89)
وللخروج من أزمة التنازع حول ملكية المعنى بين المؤلف والقارئ والنص، فقد سبق لي وأن اقترحت في ورقة نقدية تحت عنوان «من سلطة النص إلى سلطة القراءة» ألقيتها في إحدى دورات مهرجان المربد، ونشرت حينها في مجلة الأقلام العراقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى تقديم قراءة نقدية شاملة للنص، وليست أحادية الجانب، قراءة توازن بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة النص فضلاً عن اعتماد شبكة العلاقات السياقية المقترنة بالنص بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية مشروطة. لكن علينا الاستدراك إلى أن الركون إلى أن تحقيق ذلك مرهون من خلال تحقيق مزاوجة خلاقة لأدوات التحليل النصي الداخلي، وآليات التحليل السياقي الخارجي، للوصول إلى قراءة شاملة للنص الأدبي أو للظاهرة الثقافية. (اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح، في الخطاب النقدي العربي الحديث، فاضل ثامر، المركز الثقافي العربي، بيروت 1994، ص41 - 63)
ومن هنا يمكن القول بأن ميراث المعنى يظل هدفاً مركزياً تحاول مختلف السلطات الوصول إليه وامتلاكه، وأن الحديث عن انتفاء المعنى في النص الشعري، وعدم لزوميته، والزعم بوجود قصيدة اللامعنى، هو مجرد خيال بعيد عن الواقع، ذلك أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى الذي يحاول أن يتلمسه في كل مظهر نصي أو حياتي. فلا نص بلا معنى، ولا قصيدة بلا معنى ما، حتى وإن كان هذا المعنى، متشظياً أو شبحياً أو افتراضياً، أو قد يكتنفه الغموض والإبهام والغياب، حيث إن جدلية العلاقات بين العناصر الحضورية والغيابية في النص أو ما يسميها د.كمال أبو ديب بـ«جدلية الخفاء والتجلي» أو ما أسماها تودوروف ثنائية الحضور والغياب تؤكد حضور المعنى في النص الشعري بوصفه معنىً شعرياً خاصاً، يختلف جذرياً عن مفهوم المعنى في النص النثري.



رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
TT

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير في العام المقبل بفضل معرض جديد في متحف «متروبوليتان» للفنون، يُنظَّم بالتعاون مع متحف «اللوفر»، وفقاً لما أعلنه متحف «متروبوليتان».

من اللوحات في المرعض (متحف المتروبوليتان)

سيضم المعرض - الذي يحمل عنوان «رامبرانت والعصور القديمة» (Rembrandt and the Ancients) ويُفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 - ثلاثة أعمال على الأقل لرامبرانت لم تُعرض من قبل في الولايات المتحدة، وهي: «بثشبع تحمل رسالة الملك داود»، و«قسم الباتافيين»، و«امرأة تستحم في جدول». وسينضم إليها أكثر من 120 لوحة ومطبوعة ورسماً، قادمة من أكثر من 40 جهة معيرة. ومن المقرر أن ينتقل المعرض بعد ذلك إلى متحف «اللوفر» في مارس 2028.

بين التقاليد والابتكار

وتتولى تنظيم المعرض جوانا شيرز سيدنشتاين، أمينة قسم الرسومات والمطبوعات الأوروبية في متحف «متروبوليتان»، بالتعاون مع بليز دوكوس، أمين قسم اللوحات الهولندية والفلمنكية في متحف «اللوفر». وفي مقابلة أجريت معها، أوضحت سيدنشتاين أن المعرض يستكشف شغف رامبرانت بالعصور القديمة، متتبعاً ما وصفته بـ«العلاقة بين التقاليد والابتكار، وفكرة النظر إلى الماضي كعدسة لفهم الحاضر».

وأضافت أن إحدى لوحات رامبرانت المفضلة لديها هي لوحة «بثشبع»، التي تجسد المعضلة الأخلاقية للشخصية الرئيسية وهي تتأمل استدعاءً تلقته من الملك. ووصفتها سايدنشتاين بأنها «تحفة فنية، وتُعد من أكثر أعمال الفنان تأثيراً في تصوير المشاعر والأبعاد النفسية الداخلية». كما استعار متحف المتروبوليتان من المتحف الروماني الوطني نقشاً بارزاً قديماً. وقد برز متحف اللوفر سريعاً كشريك طبيعي؛ إذ سبق أن أقيمت معارض مشتركة بين المؤسستين، مثل معرض «فالنتان دو بولوني: ما بعد كارافاجيو» ومعرض «مصبوب في البرونز: النحت الفرنسي من عصر النهضة إلى الثورة».

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

ويضم متحف المتروبوليتان في مجموعته 20 لوحة تُنسب إلى رامبرانت شخصياً، بالإضافة إلى 11 رسماً ومئات النسخ من أعماله المحفورة. وفي إطار معرض «رامبرانت والعصور القديمة»، سيشارك متحف المتروبوليتان بأربع لوحات وثلاثة رسومات و11 عملاً مطبوعاً، بينما سيقدم متحف اللوفر لوحتين ورسمين للفنان. ومن بين الأعمال التي سيشارك بها متحف المتروبوليتان لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي»، وهي لوحة لم تغادر المتحف منذ 56 عاماً. ورغم أن هذا المعرض يُعد الأكبر لأعمال رامبرانت في متحف المتروبوليتان منذ 20 عاماً، فإن الفن الهولندي ظل ركيزة أساسية في المتحف منذ تأسيسه عام 1870؛ تماماً كما ترتبط مدينة نيويورك — التي كانت في الأصل مستوطنة هولندية تُعرف باسم «أمستردام الجديدة» — بعلاقات عميقة مع هولندا. وهذا ما يجعل الحضور المستمر لهذا الفنان جزءاً من تاريخ ثقافي أوسع وأكثر امتداداً.

أعمال معاصرة

ستقدم أعمال فنانين معاصرين اثنين للجمهور الأميركي منظوراً جديداً في متحف المتروبوليتان للفنون (المت) العام المقبل، وذلك بالتزامن مع بدء العمل الفعلي في إنشاء «جناح تانغ» (Tang Wing) المخصص للفن الحديث والمعاصر. وقد أعلن المتحف يوم الخميس أن تكليف تصميم واجهته -وهو مشروع يدعو الفنانين لتحويل التجاويف الموجودة على طول الجادة الخامسة إلى مساحة عرض - قد أُسند إلى الفنان «دان فو»، وهو فنان من أصل فيتنامي يقيم ويعمل في برلين ومدينة مكسيكو. تعتمد أعمال «دان فو» على استخدام الأشياء للكشف عن التواريخ وهياكل القوة التي تحملها في طياتها. وفي عام 2018، أقام متحف «غوغنهايم» معرضاً شاملاً لأعماله بعنوان «دان فو: خذ أنفاسي» (Danh Vo: Take My Breath Away). يقول ديفيد بريسلين، أمين قسم الفن الحديث والمعاصر في متحف المتروبوليتان: «يُعدّ فو واحداً من أكثر المفكرين براعةً في تناول التاريخ وكيفية احتفاظ الأشياء بالتاريخ في داخلها، وهذا بالضبط ما يفعله متحف المتروبوليتان؛ فنحن نعيد وضع الأشياء والتواريخ في سياقات جديدة لجعلها ملموسة وحاضرة أمام جماهير جديدة».

تجلى هذا النهج في الممارسات النحتية للفنان «فو». ففي عمله «نحن الشعب» (We the People) عام 2014، أنشأ نسخة نحاسية من تمثال الحرية، مقسمة إلى 250 قطعة، ما يدعو المشاهدين إلى إعادة النظر في مُثُل الحرية. أما في عمله «القطعة رقم 20: كرسيان من غرفة اجتماعات مجلس وزراء إدارة كينيدي» (2013)، فقد نزع «فو» الغطاء الجلدي عن كرسيين أصليين كانا في غرفة اجتماعات مجلس وزراء جون إف كينيدي، كاشفاً عن المواد المكونة لهما في إطار نقدٍ لحرب فيتنام. ويشير بريسلين إلى أن متحف «المتروبوليتان» (The Met) - الذي يعرض حالياً أربعة أعمال نحتية للفنان المقيم في بكين «ليو وي» حتى 8 يونيو (حزيران) 2027 - يمنح الفنانين الذين يعملون على واجهته قدراً استثنائياً من الحرية الإبداعية؛ إذ يقول: «هناك نوع من الشجاعة في التخلي عن زمام الأمور وترك الخيار للفنان، قائلين له: الأمر متروك لك». وتُعد هذه الحرية جزءاً جوهرياً من إبداع «فو»؛ حيث صرح في إحدى المقابلات قائلاً: «كل ما يهمني هو أن أكون قادراً على فعل ما أريد». ولم يكشف «فو» بعد عن خططه لواجهة المتحف، التي من المقرر الكشف عنها في 16 سبتمبر (أيلول) 2027، حيث قال: «ليس لدي أي أفكار بعد؛ فالمساحة صعبة للغاية في التعامل معها». كما أعلن متحف «المتروبوليتان» أن الفنانة ساندرا موجينغا - التي وُلدت في غوما بالكونغو ونشأت في النرويج - ستكون هي صاحبة العمل الفني المخصص لـ«القاعة الكبرى» (Great Hall Commission) لعام 2027. وقد تنوعت أعمال «موجينغا» السابقة بين النحت، والنصوص، والأداء، والوسائط الرقمية، وغالباً ما تستكشف موضوعات سياسية. ومن المقرر عرض عملها الفني بدءاً من 4 نوفمبر 2027.

من خلال أعمال رامبرانت، وفو، وموجينغا، سيجمع موسم عام 2027 في متحف المتروبوليتان فنانين وأفكاراً من عصور وقارات متباعدة في حوارٍ متجدد، ما يدعو الجمهور إلى رؤية تواريخ مألوفة بطرق غير مألوفة. يقول بريسلين: «إذا بدأ جمهورنا يشعر بأنه يعرف ما سيحدث تالياً، فهذا يعني أنني - والمتحف أيضاً - لا نقوم بعملنا على الوجه المطلوب».

*خدمة «نيويورك تايمز»


المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».


أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
TT

أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)

باعت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي قصرها في لوس أنجليس مقابل 24.75 مليون دولار، في صفقة أعادت تسليط الضوء على خططها للعيش خارج الولايات المتحدة، وهي رغبة سبق أن عبّرت عنها، من دون أن تعلن حتى الآن موعداً محدداً للانتقال أو وجهتها النهائية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشترت جولي العقار عام 2017 مقابل 24.5 مليون دولار، قبل أن تعرضه للبيع في ربيع عام 2026 بسعر 29.85 مليون دولار. وانتهت الصفقة بسعر يقل بأكثر من 5 ملايين دولار عن السعر المطلوب، لكنه يزيد بنحو 250 ألف دولار على قيمة الشراء الأصلية.

ويمتد العقار على مساحة 2.1 فدان، وكان في السابق ملكاً للمخرج السينمائي سيسيل بي. ديميل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ هوليوود. ويتميز بمساحته الواسعة وموقعه في لوس أنجليس، المدينة التي شكّلت محطة أساسية في حياة جولي الشخصية والمهنية.

الممثلة أنجلينا جولي تظهر برفقة أطفالها في أثناء حضورها العرض الأول لفيلم «ماليفيسنت: سيدة الشر» في لندن عام 2019 (رويترز)

رغبة في العيش خارج الولايات المتحدة

ويأتي البيع وسط تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «رادار أونلاين»، عن رغبة جولي في الانتقال إلى الخارج، في ظل عدم رضاها عن المناخ السياسي الأميركي.

وكانت الممثلة قد تحدثت في وقت سابق عن تطلعها إلى العيش خارج الولايات المتحدة، لكنها أوضحت أن التزاماتها العائلية تفرض عليها البقاء في كاليفورنيا إلى حين بلوغ أصغر أبنائها سن الرشد.

وبلغ التوأمان نوكس وفيفيان الثامنة عشرة في يوليو (تموز) 2026؛ ما يزيل أحد القيود الزمنية التي سبق أن أشارت إليها جولي عند حديثها عن خططها. ومع ذلك، لم تعلن الممثلة تفاصيل نهائية بشأن موعد انتقالها أو البلد الذي قد تختاره للإقامة.

وبينما تمثل صفقة البيع تغييراً ملموساً في ممتلكاتها العقارية، لا تكفي وحدها للجزم بأنها تستعد لمغادرة الولايات المتحدة نهائياً. أما خطوتها المقبلة، فستتضح مع أي تصريحات أو قرارات تعلنها بنفسها في شأن مكان إقامتها.