تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تراشق حاد واتهامات متبادلة بين إردوغان والمعارضة.. والانتخابات المبكّرة ورقة للتجاذب

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023
TT

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تشهد تركيا صراعاً ساخناً مبكراً، يسبق بأكثر من سنتين الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، ومعه يتصاعد الحراك السيسي على جبهتي حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة وسط توترات وانشقاقات وضغوط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة.
في هذا الجو باشر إردوغان وحزبه مراجعة ملفات السياسة الخارجية التي تسببت في العديد من المشاكل لتركيا، ولا سيما، في ظل ما تعانيه من أزمة اقتصادية تلقي بظلالها على الواقع السياسي. وانعكس هذا في استدارة ملحوظة لتخفيف التوتر مع الاتحاد الأوروبي في ظل ترقب لنهج إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن تجاه أنقرة.
وفي المقابل ترتفع أصوات المعارضة مطالبة بانتخابات مبكرة بحجة انسداد الأفق وعجز حكومة إردوغان عن حل مشاكل البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي بدأت مع تطبيق النظام الرئاسي الذي منحه صلاحيات واسعة، والتي انعكست في انهيار الليرة التركية وتصاعد معدلات التضخّم والبطالة. وبينما ترى المعارضة في الانتخابات المبكرة فرصة للخلاص من حكم «العدالة والتنمية» المستمر منذ 19 سنة، يرفضها إردوغان، ولا يرى ما يبررها.

عمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال الأشهر الأخيرة على تصعيد التوتر مع المعارضة مركزا حملته، بصفة أساسية، على أكبر أحزابها، حزب «الشعب الجمهوري» ورئيسه كمال كليتشدار أوغلو، عبر جملة من الاتهامات بالفشل وتورط أعضاء بارزين في الحزب بفضائح تحرش، وصولاً إلى دعم الإرهاب والتقارب مع حزب «الشعوب الديمقراطية» المؤيد للأكراد، الذي يتهمه إردوغان بأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية.
في المقابل، يهاجم كليتشدار أوغلو، وباقي قادة أحزاب المعارضة، إردوغان ويتهمونه بالفساد والإسراف ويحملونه المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي حلّت بالبلاد نتيجة تسليمه ملف الاقتصاد إلى صهره برات ألبيراق، وزير الخزانة والمالية السابق الذي أجبر على الاستقالة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
كليتشدار أوغلو انتقد أخيراً «الانتقاد الوحشي» الذي يتعرض له حزبه من قبل «العدالة والتنمية» متهماً حزب إردوغان باستهداف «الشعب الجمهوري» طيلة السنوات الـ19 الأخيرة، وتسبب في تردي الأحوال الاقتصادية للشعب، لدرجة أنهم باتوا يجمعون الطعام من صناديق القمامة. وقال إن معارضته لسياسات إردوغان ليست من أجل تحقيق مكاسب شخصية، فـ«نحن لا نقاتل من أجل القصور، نحن نكافح من أجل بلادنا، وحل مشاكل الشعب، بينما يعمل إردوغان لصالح المرابين في الخارج».
وحقاً، اتّسع حراك أحزاب المعارضة التركية بهدف تشكيل تحالف واسع يواجه «تحالف الشعب» المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية» برئاسة دولت بهشلي. ودخل «الشعوب الديمقراطية»، الذي يعد ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، على الخط بطلب لقاءات مع قادة أحزاب المعارضة لبحث مشاكل تركيا الأساسية، بينما يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع «الحركة القومية». فقد طلب الرئيسان المُشاركان لحزب «الشعوب الديمقراطية» بروين بولدان ومدحت سنجار عقد لقاءات مع رؤساء أحزاب «الشعب الجمهوري»، و«الديمقراطية والتقدم» الذي يرأسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، و«السعادة» الذي يرأسه تمل كرم الله أوغلو، الذي بادر بتحديد موعد للقاء يعقد (الاثنين).

- حراك التحالفات
هذا، وأطلقت أحزاب المعارضة التركية منذ أشهر حركة زيارات متبادلة شملت بصفة أساسية أحزاب «الشعب الجمهوري» و«الجيد» (وهما الشريكان في «تحالف الأمة») و«الديمقراطية والتقدم» و«السعادة»، إلا أنها استثنت في البداية «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه اتهامات من جانب الرئيس إردوغان وحليفه «القومي» بهشلي، بدعم الإرهاب وبأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني المحظور. وأجريت هذه اللقاءات لتبادل وجهات النظر حول المشاكل الرئيسية للبلاد و«جسّ النبض» حول التعاون المستقبلي.
عملياً دعم «الشعوب الديمقراطية» تكتل «تحالف الأمة» (المناوئ لإردوغان) في الانتخابات المحلية خلال نهاية مارس (آذار) 2019 التي تكبد فيها «العدالة والتنمية» الحاكم خسائر ضخمة، وفقد فيها كبريات المدن التي سيطر عليها باستمرار، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة. ومن ثم، بعثت مختلف الأحزاب برسائل إيجابية على مدى الشهور الماضية بشأن الحوار والتنسيق مع حزب «الشعوب الديمقراطية»، بدأت من «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وامتدت إلى حليفه حزب «الجيد» المحسوب على التيار القومي والذي ترأسه السياسية المخضرمة ميرال أكشينار، مرورا بـ«الديمقراطية والتقدم» و«المستقبل» - أحدث حزبين خرجا من رحم «العدالة والتنمية» - ومن حزب «السعادة» ذي الجذور الإسلامية.
وقرّرت قيادة «الشعوب الديمقراطية»، الذي بات مستهدفاً بدعوات لإغلاقه كرّرها غير مرة بهشلي، حليف إردوغان، اتخاذ خطوات ومبادرات لتوسيع أرضية الحوار مع أحزاب المعارضة. وفي هذا السياق، طلب بولدان وسنجار، مواعيد من الأحزاب الأربعة (الشعب الجمهوري، الديمقراطية والتقدم، المستقبل، السعادة)، ولم يطلب الحزب لقاء مع أكشينار نظرا للحساسيات بين القوميين والأكراد، وإن كانت أكشينار قد أعلنت أخيراً استعدادها لاستقبال الرئيس المشارك السابق للحزب صلاح الدين دميرطاش رداً على رسالة بعث بها من داخل محبسه متسائلاً فيها «هل لو طرقتك بابك يوماً ذات صباح لتناول الشاي، هل ستسمحين» وردّت «بالطبع سأستقبلك».
في أي حال، يسود الاعتقاد في الأوساط السياسية التركية بأن هذه اللقاءات والزيارات هدفها التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، أو احتمالات التوجه إلى الانتخابات المبكرة، والخروج بتوافق بين أحزاب المعارضة وتشكيل تحالف واسع منها لمواجهة تحالف إردوغان - بهشلي. وفي الوقت نفسه، يسعى إردوغان بدوره لضم أحزاب أخرى له حيث عقد لقاءات مع قيادات من حزب «السعادة» ورؤساء أحزاب «الوحدة الكبرى» و«الديمقراطي» و«اليسار الديمقراطي» في محاولة لإقناعهم بالانضمام إلى تحالفه «تحالف الشعب» قبل الانتخابات المقبلة.
المراقبون يتوقّعون الآن أن يعلن حزبا «الشعب الجمهوري» و«الجيد الشريكان» في « تحالف الأمة»، خلال أيام، عن مقترحات بشأن حل المشاكل القائمة، والعودة إلى النظام البرلماني بعد تعزيزه، وذلك بسبب المشاكل التي نجمت عن النظام الرئاسي منذ تطبيقه عام 2018 وتأثيره السلبي على الاقتصاد وعلاقات تركيا بالخارج. وبالإضافة إلى خطة العمل مع الأحزاب، ستبحث احتمالات تشكيل تحالف واسع صدرت إشارات بشأنه عن كليتشدار أوغلو وأكشينار عدة مرات. وفي حين يدور حديث عن تشكيل تحالفات مختلفة يبدو أن هناك ميلا من أحزاب المعارضة إلى توسيع «تحالف الأمة» الحالي لأن هذا هو الطريق المضمون في حال رغبت المعارضة في إزاحة إردوغان وحزبه من السلطة.

- الانتخابات المبكرة
جدير بالذكر، أن المعارضة تعمدت «تسخين الأجواء» بمطالبتها بالانتخابات المبكرة، لرغبتها في انتهاز الأوضاع الراهنة التي يعاني فيها الاقتصاد التركي بشدة، ويواجه الأتراك أوضاعا اقتصادية تذكّرهم بالأزمة التي عاشوها عام 2001 قبل صعود «العدالة والتنمية» إلى سدة الحكم.
ولكن، كما سبقت الإشارة، رداً على مطالبات المعارضة المتصاعدة بالانتخابات المبكرة، أكد إردوغان أن هذا الأمر غير وارد، وأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستجرى في موعدها المقرر في يونيو 2023، وتابع أن «على من يطالبون بالانتخابات المبكرة الانتظار على الأبواب» حتى يونيو 2023، مضيفاً أن الانتخابات المبكرة حلم للمعارضة، وهي تخالف الديمقراطية.
ومما قاله إردوغان «لن نجري انتخابات مبكرة في أي حال من الأحوال... إجراء انتخابات مبكرة أمر غير وارد ولا نقاش فيه. الانتخابات المبكرة مطلب وحلم الأحزاب السياسية المعارضة، التي لم تستقر بعد، في إشارة إلى حزبي (الديمقراطية والتقدم) الذي أسسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان في مارس الماضي و(المستقبل) الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو في ديسمبر (كانون الأول) 2019 بعد انشقاقهما عن (العدالة والتنمية) الحاكم، ولن نحقق لهم هذا الحلم، فهم يخشون ما يمكننا تحقيقه... نحن لسنا في عجلة من أمرنا».
على هذا الكلام، رد «الشعب الجمهوري» لافتاً إلى «أن الشعب هو من ينتظر على الأبواب من أجل أن ينهي حكمه (أي إردوغان) الذي قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية لم تشهدها من قبل بسبب سياساته». وللتذكير، سبق أن لجأ إردوغان إلى الانتخابات المبكرة في أول نوفمبر 2015 بعد إخفاق حزبه في تحقيق الغالبية التي تمكّنه من الحكم منفردا في الانتخابات التي أجريت في 7 يونيو من العام ذاته. ثم أجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مبكرا عن موعدها أيضا في 24 يونيو 2018، لاستعجال تطبيق النظام الرئاسي الذي وسع من صلاحياته بشكل غير مسبوق.

- تراجع حزب إردوغان
استطلاعات الرأي، التي أجريت في تركيا على مدى الأشهر الأربعة الأخيرة، تظهر حالياً أن فرصة إردوغان في الفوز بالرئاسة تبدو ضعيفة جدا بعد ظهور الكثير من المنافسين الأقوياء له، في مقدمتهم منصور ياواش رئيس بلدية أنقرة وأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول المنتمين إلى حزب «الشعب الجمهوري»، وارتفاع شعبية أكشنار رئيسة حزب «الجيد»، فضلا عن دخول باباجان وداود أوغلو السباق كمنافسين لرفيقهما السابق. وتظهر الاستطلاعات أيضاً تراجع نسبة تأييد «العدالة والتنمية» الحاكم و«تحالف الشعب» الذي يضمه و«الحركة القومية». وأن نحو نصف الناخبين الأتراك باتوا يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة.
في هذه الأثناء، يعقد إردوغان منذ أسابيع لقاءات مع قادة الأحزاب المنتمية للتيار الإسلامي وتياري اليمين واليسار المعتدل، وهي في المجمل أحزاب صغيرة، لإقناعهم بالانضمام إلى «تحالف الشعب» بقيادته لتعزيز فرصته في الانتخابات المقبلة، كما استأنف إردوغان منذ أسبوعين عقد مؤتمرات فروع حزبه في أنحاء البلاد عبر «الفيديو كونفرنس» تمهيدا للمؤتمر العام في مايو (أيار) المقبل في مسعى لتقوية قواعد الحزب قبل المؤتمر العام. كما أعلن إردوغان مراراً عن حزمة إصلاحات قانونية واقتصادية جديدة يقول إنها ستنقل البلاد إلى مرحلة جديدة.

- تحول في السياسات
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد بدأت حكومة إردوغان التلويح بتغيير السياسة الخارجية لتصبح أكثر توافقية، عبر فتح صفحات جديدة وتسوية الأزمات مع بعض الدول التي قادت إلى عزلة تركيا في محيطها. وجرى رصد استدارة جديدة من إردوغان نحو الغرب عقب قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين بدأ يردد على مدى أسابيع رغبته في فتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، وإنهاء التوتر مع اليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. أما الحديث عن إصلاحات قانونية تفضي إلى تعزيز دولة القانون والحريات في تركيا، فهو تطور اعتبره المراقبون استباقاً من الرئيس التركي لضغوط منتظرة من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الذي لا يبدي ارتياحا لسجل حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية في تركيا تحت حكم إردوغان.
معلومٌ أن إردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو قادا حملة دبلوماسية مكثفة على مدى الأسابيع الماضية غايتها إقناع الاتحاد الأوروبي برغبة أنقرة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع التكتل تتجاوز ملفات التوتر الذي بلغ ذروته عام 2020، وكان الاتحاد الأوروبي قد اختار نهج الانتظار والترقب مع تركيا بعدما قرّر وزراء خارجيته، خلال اجتماعهم في بروكسل الاثنين الماضي، تأجيل إعلان العقوبات عليها بسبب أنشطة التنقيب «غير القانونية» عن النفط والغاز شرق البحر المتوسط. ولقد برروا هذا التأجيل بما قالوا إنه «تطوّرات إيجابية» في إشارة إلى استئناف المباحثات الاستكشافية بين تركيا واليونان، في اليوم ذاته. لكن مصادر دبلوماسية يونانية ترى استئناف التباحث بأن تركيا وسيلة تتخذها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن العقوبات المقرر إعادة تقييمها في القمة الأوروبية المقبلة خلال مارس المقبل.
المصادر المذكورة كشفت عن أن أثينا حددت خلال الجولة 61 من المباحثات الاستكشافية التي عقدت في إسطنبول، أول من أمس بعد حوالي 5 سنوات من التوقف، المجالات التي تريد أن ترى تقدما ملموسا فيها. وأبرزها، تحديداً، إنهاء الاستفزازات التركية في بحر إيجة، ووقف تهديد أنقرة بالحرب - خاصة، أنه سبق لأنقرة أن أعلنت أن توسيع اليونان مياهها الإقليمية في بحر إيجة سيكون «سببا للحرب» - والتزام تركيا بالقانون الدولي فيما يتعلق ببحر إيجة والجرف القاري والمناطق الاقتصادية في شرق البحر المتوسط. ووصفت المصادر، بحسب ما نقلت صحيفة «كاثيميريني» استئناف المباحثات بأنه «تطور حاسم». وأشارت إلى أن تركيا تولي أهمية كبيرة لهذه المباحثات التي ترى فيها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بإلغاء عقوباته عليها بسبب أنشطتها غير القانونية في شرق المتوسط أو إرجائها لأمد طويل.
هذا، واتفق الجانبان على إجراء جولة المباحثات المقبلة في العاصمة اليونانية أثينا من دون إعلان موعدها. إلا أن المصادر الدبلوماسية اليونانية قالت إن الاجتماع المقبل سيعقد في أثينا في نهاية فبراير (شباط) أو أوائل مارس، وأردفت «سيكون بالتأكيد قبل قمة الاتحاد الأوروبي لأنه يهدف إلى إيصال رسالة، لا سيما من جانب تركيا، مفادها أن البلدين يواصلان التقدم في تطوير العلاقات الجيدة».
ومن جهته، يرغب الاتحاد الأوروبي في أن يرى ترجمة أقوال تركيا إلى أفعال تدل على مصداقيتها في فتح صفحة جديدة في العلاقات، كما عبر عن ذلك مسؤولوه، وفي مقدمتهم المنسّق الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد جوزيب بوريل. وأميركياً، في أول مؤشر واضح على نهج الإدارة الأميركية الجديدة تجاه تركيا، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن أول تصريحاتها بشأن تركيا، الأسبوع الماضي. وركزت على قضايا الحريات وحقوق الإنسان، داعية حكومة إردوغان إلى احترام قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والإفراج عن معتقلين بارزين.
وعلقت وزارة الخارجية الأميركية على أوضاع الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لـ«الشعوب الديمقراطية»، ورجل الأعمال الناشط البارز عثمان كافالا، الذي أُلغي حكم براءته الصادر في فبراير الماضي، ومن ثم اعتُقل بتهمتي التجسس ودعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 فقال إن واشنطن تواصل «متابعة هذه القضايا من كثب. ما زلنا نشعر بقلق بالغ إزاء هذا، ونواصل حث تركيا على احترام هذه الحريات الأساسية وتقديم هذه القضية إلى حل سريع وعادل».

- خريطة جديدة للأحزاب في تركيا تغيّر تركيبتها السياسية
شهدت خريطة الأحزاب السياسية في تركيا تغييرا كبيرا خلال عام 2020 يتوقع أن يلقي بظلاله على انتخابات العام 2023، إذ أعلن عن تأسيس 27 حزبا سياسيا جديدا ليرتفع عدد الأحزاب السياسية إلى 107 أحزاب.
الأحزاب الجديدة خطفت الأضواء في الشارع التركي، وعلى رأسها حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسس في مارس 2020 و«المستقبل»، برئاسة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي الأسبق الذي أسس في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ولقد زاد «المستقبل»، الذي كان يضم 14 ألفا و986 عضوا في 11 نوفمبر 2020 عدد أعضائه بمقدار 3 آلاف و295 عضوا، ليبلغ إجمالي عدد أعضائه 18 ألفا و281 عضوا في نهاية العام 2020. وزاد حزب باباجان، الذي كان يضم 9531 عضوا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عدد أعضائه بمقدار 6331 إلى 15862 عضوا.
في المقابل، صار حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، مجبرا على توسيع تحالفه «تحالف الشعب» مع «الحركة القومية» في الانتخابات المقبلة والحصول أكثر من حزب، لأن الأحزاب الجديدة وخصوصا حزبي باباجان وداود أوغلو ستؤثر بالسلب على نسبة مؤيديه.
من جهته، يواجه حزب «الشعب الجمهوري»، أقدم أحزاب تركيا، تهديداً جدياً بسبب الانشقاقات التي حثت في صفوفه وخروج 3 أحزاب من عباءته هي «التجديد» الذي أسسه نائب رئيس الحزب السابق أوزتورك يلماظ، و«التغيير» الذي أسسه مصطفى صاري غل، و«وطن» الذي أعلن القيادي البارز مرشح الرئاسة السابق محرم إنجة عن إطلاقه قريباً. وسيكون هذا الأخير هو الأخطر تأثيراً على نسبة تأييد «الشعب الجمهوري» - الذي ينخرط في «تحالف الأمة» مع حزب «الجيد» برئاسة ميرال أكشنار – مع أن هذا التحالف قادر على تعويض ذلك بضم أحزاب معارضة قوية أخرى.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».