تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تراشق حاد واتهامات متبادلة بين إردوغان والمعارضة.. والانتخابات المبكّرة ورقة للتجاذب

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023
TT

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تشهد تركيا صراعاً ساخناً مبكراً، يسبق بأكثر من سنتين الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، ومعه يتصاعد الحراك السيسي على جبهتي حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة وسط توترات وانشقاقات وضغوط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة.
في هذا الجو باشر إردوغان وحزبه مراجعة ملفات السياسة الخارجية التي تسببت في العديد من المشاكل لتركيا، ولا سيما، في ظل ما تعانيه من أزمة اقتصادية تلقي بظلالها على الواقع السياسي. وانعكس هذا في استدارة ملحوظة لتخفيف التوتر مع الاتحاد الأوروبي في ظل ترقب لنهج إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن تجاه أنقرة.
وفي المقابل ترتفع أصوات المعارضة مطالبة بانتخابات مبكرة بحجة انسداد الأفق وعجز حكومة إردوغان عن حل مشاكل البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي بدأت مع تطبيق النظام الرئاسي الذي منحه صلاحيات واسعة، والتي انعكست في انهيار الليرة التركية وتصاعد معدلات التضخّم والبطالة. وبينما ترى المعارضة في الانتخابات المبكرة فرصة للخلاص من حكم «العدالة والتنمية» المستمر منذ 19 سنة، يرفضها إردوغان، ولا يرى ما يبررها.

عمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال الأشهر الأخيرة على تصعيد التوتر مع المعارضة مركزا حملته، بصفة أساسية، على أكبر أحزابها، حزب «الشعب الجمهوري» ورئيسه كمال كليتشدار أوغلو، عبر جملة من الاتهامات بالفشل وتورط أعضاء بارزين في الحزب بفضائح تحرش، وصولاً إلى دعم الإرهاب والتقارب مع حزب «الشعوب الديمقراطية» المؤيد للأكراد، الذي يتهمه إردوغان بأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية.
في المقابل، يهاجم كليتشدار أوغلو، وباقي قادة أحزاب المعارضة، إردوغان ويتهمونه بالفساد والإسراف ويحملونه المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي حلّت بالبلاد نتيجة تسليمه ملف الاقتصاد إلى صهره برات ألبيراق، وزير الخزانة والمالية السابق الذي أجبر على الاستقالة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
كليتشدار أوغلو انتقد أخيراً «الانتقاد الوحشي» الذي يتعرض له حزبه من قبل «العدالة والتنمية» متهماً حزب إردوغان باستهداف «الشعب الجمهوري» طيلة السنوات الـ19 الأخيرة، وتسبب في تردي الأحوال الاقتصادية للشعب، لدرجة أنهم باتوا يجمعون الطعام من صناديق القمامة. وقال إن معارضته لسياسات إردوغان ليست من أجل تحقيق مكاسب شخصية، فـ«نحن لا نقاتل من أجل القصور، نحن نكافح من أجل بلادنا، وحل مشاكل الشعب، بينما يعمل إردوغان لصالح المرابين في الخارج».
وحقاً، اتّسع حراك أحزاب المعارضة التركية بهدف تشكيل تحالف واسع يواجه «تحالف الشعب» المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية» برئاسة دولت بهشلي. ودخل «الشعوب الديمقراطية»، الذي يعد ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، على الخط بطلب لقاءات مع قادة أحزاب المعارضة لبحث مشاكل تركيا الأساسية، بينما يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع «الحركة القومية». فقد طلب الرئيسان المُشاركان لحزب «الشعوب الديمقراطية» بروين بولدان ومدحت سنجار عقد لقاءات مع رؤساء أحزاب «الشعب الجمهوري»، و«الديمقراطية والتقدم» الذي يرأسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، و«السعادة» الذي يرأسه تمل كرم الله أوغلو، الذي بادر بتحديد موعد للقاء يعقد (الاثنين).

- حراك التحالفات
هذا، وأطلقت أحزاب المعارضة التركية منذ أشهر حركة زيارات متبادلة شملت بصفة أساسية أحزاب «الشعب الجمهوري» و«الجيد» (وهما الشريكان في «تحالف الأمة») و«الديمقراطية والتقدم» و«السعادة»، إلا أنها استثنت في البداية «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه اتهامات من جانب الرئيس إردوغان وحليفه «القومي» بهشلي، بدعم الإرهاب وبأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني المحظور. وأجريت هذه اللقاءات لتبادل وجهات النظر حول المشاكل الرئيسية للبلاد و«جسّ النبض» حول التعاون المستقبلي.
عملياً دعم «الشعوب الديمقراطية» تكتل «تحالف الأمة» (المناوئ لإردوغان) في الانتخابات المحلية خلال نهاية مارس (آذار) 2019 التي تكبد فيها «العدالة والتنمية» الحاكم خسائر ضخمة، وفقد فيها كبريات المدن التي سيطر عليها باستمرار، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة. ومن ثم، بعثت مختلف الأحزاب برسائل إيجابية على مدى الشهور الماضية بشأن الحوار والتنسيق مع حزب «الشعوب الديمقراطية»، بدأت من «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وامتدت إلى حليفه حزب «الجيد» المحسوب على التيار القومي والذي ترأسه السياسية المخضرمة ميرال أكشينار، مرورا بـ«الديمقراطية والتقدم» و«المستقبل» - أحدث حزبين خرجا من رحم «العدالة والتنمية» - ومن حزب «السعادة» ذي الجذور الإسلامية.
وقرّرت قيادة «الشعوب الديمقراطية»، الذي بات مستهدفاً بدعوات لإغلاقه كرّرها غير مرة بهشلي، حليف إردوغان، اتخاذ خطوات ومبادرات لتوسيع أرضية الحوار مع أحزاب المعارضة. وفي هذا السياق، طلب بولدان وسنجار، مواعيد من الأحزاب الأربعة (الشعب الجمهوري، الديمقراطية والتقدم، المستقبل، السعادة)، ولم يطلب الحزب لقاء مع أكشينار نظرا للحساسيات بين القوميين والأكراد، وإن كانت أكشينار قد أعلنت أخيراً استعدادها لاستقبال الرئيس المشارك السابق للحزب صلاح الدين دميرطاش رداً على رسالة بعث بها من داخل محبسه متسائلاً فيها «هل لو طرقتك بابك يوماً ذات صباح لتناول الشاي، هل ستسمحين» وردّت «بالطبع سأستقبلك».
في أي حال، يسود الاعتقاد في الأوساط السياسية التركية بأن هذه اللقاءات والزيارات هدفها التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، أو احتمالات التوجه إلى الانتخابات المبكرة، والخروج بتوافق بين أحزاب المعارضة وتشكيل تحالف واسع منها لمواجهة تحالف إردوغان - بهشلي. وفي الوقت نفسه، يسعى إردوغان بدوره لضم أحزاب أخرى له حيث عقد لقاءات مع قيادات من حزب «السعادة» ورؤساء أحزاب «الوحدة الكبرى» و«الديمقراطي» و«اليسار الديمقراطي» في محاولة لإقناعهم بالانضمام إلى تحالفه «تحالف الشعب» قبل الانتخابات المقبلة.
المراقبون يتوقّعون الآن أن يعلن حزبا «الشعب الجمهوري» و«الجيد الشريكان» في « تحالف الأمة»، خلال أيام، عن مقترحات بشأن حل المشاكل القائمة، والعودة إلى النظام البرلماني بعد تعزيزه، وذلك بسبب المشاكل التي نجمت عن النظام الرئاسي منذ تطبيقه عام 2018 وتأثيره السلبي على الاقتصاد وعلاقات تركيا بالخارج. وبالإضافة إلى خطة العمل مع الأحزاب، ستبحث احتمالات تشكيل تحالف واسع صدرت إشارات بشأنه عن كليتشدار أوغلو وأكشينار عدة مرات. وفي حين يدور حديث عن تشكيل تحالفات مختلفة يبدو أن هناك ميلا من أحزاب المعارضة إلى توسيع «تحالف الأمة» الحالي لأن هذا هو الطريق المضمون في حال رغبت المعارضة في إزاحة إردوغان وحزبه من السلطة.

- الانتخابات المبكرة
جدير بالذكر، أن المعارضة تعمدت «تسخين الأجواء» بمطالبتها بالانتخابات المبكرة، لرغبتها في انتهاز الأوضاع الراهنة التي يعاني فيها الاقتصاد التركي بشدة، ويواجه الأتراك أوضاعا اقتصادية تذكّرهم بالأزمة التي عاشوها عام 2001 قبل صعود «العدالة والتنمية» إلى سدة الحكم.
ولكن، كما سبقت الإشارة، رداً على مطالبات المعارضة المتصاعدة بالانتخابات المبكرة، أكد إردوغان أن هذا الأمر غير وارد، وأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستجرى في موعدها المقرر في يونيو 2023، وتابع أن «على من يطالبون بالانتخابات المبكرة الانتظار على الأبواب» حتى يونيو 2023، مضيفاً أن الانتخابات المبكرة حلم للمعارضة، وهي تخالف الديمقراطية.
ومما قاله إردوغان «لن نجري انتخابات مبكرة في أي حال من الأحوال... إجراء انتخابات مبكرة أمر غير وارد ولا نقاش فيه. الانتخابات المبكرة مطلب وحلم الأحزاب السياسية المعارضة، التي لم تستقر بعد، في إشارة إلى حزبي (الديمقراطية والتقدم) الذي أسسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان في مارس الماضي و(المستقبل) الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو في ديسمبر (كانون الأول) 2019 بعد انشقاقهما عن (العدالة والتنمية) الحاكم، ولن نحقق لهم هذا الحلم، فهم يخشون ما يمكننا تحقيقه... نحن لسنا في عجلة من أمرنا».
على هذا الكلام، رد «الشعب الجمهوري» لافتاً إلى «أن الشعب هو من ينتظر على الأبواب من أجل أن ينهي حكمه (أي إردوغان) الذي قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية لم تشهدها من قبل بسبب سياساته». وللتذكير، سبق أن لجأ إردوغان إلى الانتخابات المبكرة في أول نوفمبر 2015 بعد إخفاق حزبه في تحقيق الغالبية التي تمكّنه من الحكم منفردا في الانتخابات التي أجريت في 7 يونيو من العام ذاته. ثم أجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مبكرا عن موعدها أيضا في 24 يونيو 2018، لاستعجال تطبيق النظام الرئاسي الذي وسع من صلاحياته بشكل غير مسبوق.

- تراجع حزب إردوغان
استطلاعات الرأي، التي أجريت في تركيا على مدى الأشهر الأربعة الأخيرة، تظهر حالياً أن فرصة إردوغان في الفوز بالرئاسة تبدو ضعيفة جدا بعد ظهور الكثير من المنافسين الأقوياء له، في مقدمتهم منصور ياواش رئيس بلدية أنقرة وأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول المنتمين إلى حزب «الشعب الجمهوري»، وارتفاع شعبية أكشنار رئيسة حزب «الجيد»، فضلا عن دخول باباجان وداود أوغلو السباق كمنافسين لرفيقهما السابق. وتظهر الاستطلاعات أيضاً تراجع نسبة تأييد «العدالة والتنمية» الحاكم و«تحالف الشعب» الذي يضمه و«الحركة القومية». وأن نحو نصف الناخبين الأتراك باتوا يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة.
في هذه الأثناء، يعقد إردوغان منذ أسابيع لقاءات مع قادة الأحزاب المنتمية للتيار الإسلامي وتياري اليمين واليسار المعتدل، وهي في المجمل أحزاب صغيرة، لإقناعهم بالانضمام إلى «تحالف الشعب» بقيادته لتعزيز فرصته في الانتخابات المقبلة، كما استأنف إردوغان منذ أسبوعين عقد مؤتمرات فروع حزبه في أنحاء البلاد عبر «الفيديو كونفرنس» تمهيدا للمؤتمر العام في مايو (أيار) المقبل في مسعى لتقوية قواعد الحزب قبل المؤتمر العام. كما أعلن إردوغان مراراً عن حزمة إصلاحات قانونية واقتصادية جديدة يقول إنها ستنقل البلاد إلى مرحلة جديدة.

- تحول في السياسات
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد بدأت حكومة إردوغان التلويح بتغيير السياسة الخارجية لتصبح أكثر توافقية، عبر فتح صفحات جديدة وتسوية الأزمات مع بعض الدول التي قادت إلى عزلة تركيا في محيطها. وجرى رصد استدارة جديدة من إردوغان نحو الغرب عقب قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين بدأ يردد على مدى أسابيع رغبته في فتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، وإنهاء التوتر مع اليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. أما الحديث عن إصلاحات قانونية تفضي إلى تعزيز دولة القانون والحريات في تركيا، فهو تطور اعتبره المراقبون استباقاً من الرئيس التركي لضغوط منتظرة من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الذي لا يبدي ارتياحا لسجل حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية في تركيا تحت حكم إردوغان.
معلومٌ أن إردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو قادا حملة دبلوماسية مكثفة على مدى الأسابيع الماضية غايتها إقناع الاتحاد الأوروبي برغبة أنقرة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع التكتل تتجاوز ملفات التوتر الذي بلغ ذروته عام 2020، وكان الاتحاد الأوروبي قد اختار نهج الانتظار والترقب مع تركيا بعدما قرّر وزراء خارجيته، خلال اجتماعهم في بروكسل الاثنين الماضي، تأجيل إعلان العقوبات عليها بسبب أنشطة التنقيب «غير القانونية» عن النفط والغاز شرق البحر المتوسط. ولقد برروا هذا التأجيل بما قالوا إنه «تطوّرات إيجابية» في إشارة إلى استئناف المباحثات الاستكشافية بين تركيا واليونان، في اليوم ذاته. لكن مصادر دبلوماسية يونانية ترى استئناف التباحث بأن تركيا وسيلة تتخذها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن العقوبات المقرر إعادة تقييمها في القمة الأوروبية المقبلة خلال مارس المقبل.
المصادر المذكورة كشفت عن أن أثينا حددت خلال الجولة 61 من المباحثات الاستكشافية التي عقدت في إسطنبول، أول من أمس بعد حوالي 5 سنوات من التوقف، المجالات التي تريد أن ترى تقدما ملموسا فيها. وأبرزها، تحديداً، إنهاء الاستفزازات التركية في بحر إيجة، ووقف تهديد أنقرة بالحرب - خاصة، أنه سبق لأنقرة أن أعلنت أن توسيع اليونان مياهها الإقليمية في بحر إيجة سيكون «سببا للحرب» - والتزام تركيا بالقانون الدولي فيما يتعلق ببحر إيجة والجرف القاري والمناطق الاقتصادية في شرق البحر المتوسط. ووصفت المصادر، بحسب ما نقلت صحيفة «كاثيميريني» استئناف المباحثات بأنه «تطور حاسم». وأشارت إلى أن تركيا تولي أهمية كبيرة لهذه المباحثات التي ترى فيها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بإلغاء عقوباته عليها بسبب أنشطتها غير القانونية في شرق المتوسط أو إرجائها لأمد طويل.
هذا، واتفق الجانبان على إجراء جولة المباحثات المقبلة في العاصمة اليونانية أثينا من دون إعلان موعدها. إلا أن المصادر الدبلوماسية اليونانية قالت إن الاجتماع المقبل سيعقد في أثينا في نهاية فبراير (شباط) أو أوائل مارس، وأردفت «سيكون بالتأكيد قبل قمة الاتحاد الأوروبي لأنه يهدف إلى إيصال رسالة، لا سيما من جانب تركيا، مفادها أن البلدين يواصلان التقدم في تطوير العلاقات الجيدة».
ومن جهته، يرغب الاتحاد الأوروبي في أن يرى ترجمة أقوال تركيا إلى أفعال تدل على مصداقيتها في فتح صفحة جديدة في العلاقات، كما عبر عن ذلك مسؤولوه، وفي مقدمتهم المنسّق الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد جوزيب بوريل. وأميركياً، في أول مؤشر واضح على نهج الإدارة الأميركية الجديدة تجاه تركيا، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن أول تصريحاتها بشأن تركيا، الأسبوع الماضي. وركزت على قضايا الحريات وحقوق الإنسان، داعية حكومة إردوغان إلى احترام قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والإفراج عن معتقلين بارزين.
وعلقت وزارة الخارجية الأميركية على أوضاع الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لـ«الشعوب الديمقراطية»، ورجل الأعمال الناشط البارز عثمان كافالا، الذي أُلغي حكم براءته الصادر في فبراير الماضي، ومن ثم اعتُقل بتهمتي التجسس ودعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 فقال إن واشنطن تواصل «متابعة هذه القضايا من كثب. ما زلنا نشعر بقلق بالغ إزاء هذا، ونواصل حث تركيا على احترام هذه الحريات الأساسية وتقديم هذه القضية إلى حل سريع وعادل».

- خريطة جديدة للأحزاب في تركيا تغيّر تركيبتها السياسية
شهدت خريطة الأحزاب السياسية في تركيا تغييرا كبيرا خلال عام 2020 يتوقع أن يلقي بظلاله على انتخابات العام 2023، إذ أعلن عن تأسيس 27 حزبا سياسيا جديدا ليرتفع عدد الأحزاب السياسية إلى 107 أحزاب.
الأحزاب الجديدة خطفت الأضواء في الشارع التركي، وعلى رأسها حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسس في مارس 2020 و«المستقبل»، برئاسة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي الأسبق الذي أسس في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ولقد زاد «المستقبل»، الذي كان يضم 14 ألفا و986 عضوا في 11 نوفمبر 2020 عدد أعضائه بمقدار 3 آلاف و295 عضوا، ليبلغ إجمالي عدد أعضائه 18 ألفا و281 عضوا في نهاية العام 2020. وزاد حزب باباجان، الذي كان يضم 9531 عضوا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عدد أعضائه بمقدار 6331 إلى 15862 عضوا.
في المقابل، صار حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، مجبرا على توسيع تحالفه «تحالف الشعب» مع «الحركة القومية» في الانتخابات المقبلة والحصول أكثر من حزب، لأن الأحزاب الجديدة وخصوصا حزبي باباجان وداود أوغلو ستؤثر بالسلب على نسبة مؤيديه.
من جهته، يواجه حزب «الشعب الجمهوري»، أقدم أحزاب تركيا، تهديداً جدياً بسبب الانشقاقات التي حثت في صفوفه وخروج 3 أحزاب من عباءته هي «التجديد» الذي أسسه نائب رئيس الحزب السابق أوزتورك يلماظ، و«التغيير» الذي أسسه مصطفى صاري غل، و«وطن» الذي أعلن القيادي البارز مرشح الرئاسة السابق محرم إنجة عن إطلاقه قريباً. وسيكون هذا الأخير هو الأخطر تأثيراً على نسبة تأييد «الشعب الجمهوري» - الذي ينخرط في «تحالف الأمة» مع حزب «الجيد» برئاسة ميرال أكشنار – مع أن هذا التحالف قادر على تعويض ذلك بضم أحزاب معارضة قوية أخرى.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.