تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تراشق حاد واتهامات متبادلة بين إردوغان والمعارضة.. والانتخابات المبكّرة ورقة للتجاذب

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023
TT

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تركيا على وقع «تسخين سياسي مبكر» قبل انتخابات 2023

تشهد تركيا صراعاً ساخناً مبكراً، يسبق بأكثر من سنتين الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، ومعه يتصاعد الحراك السيسي على جبهتي حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة وسط توترات وانشقاقات وضغوط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة.
في هذا الجو باشر إردوغان وحزبه مراجعة ملفات السياسة الخارجية التي تسببت في العديد من المشاكل لتركيا، ولا سيما، في ظل ما تعانيه من أزمة اقتصادية تلقي بظلالها على الواقع السياسي. وانعكس هذا في استدارة ملحوظة لتخفيف التوتر مع الاتحاد الأوروبي في ظل ترقب لنهج إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن تجاه أنقرة.
وفي المقابل ترتفع أصوات المعارضة مطالبة بانتخابات مبكرة بحجة انسداد الأفق وعجز حكومة إردوغان عن حل مشاكل البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية التي بدأت مع تطبيق النظام الرئاسي الذي منحه صلاحيات واسعة، والتي انعكست في انهيار الليرة التركية وتصاعد معدلات التضخّم والبطالة. وبينما ترى المعارضة في الانتخابات المبكرة فرصة للخلاص من حكم «العدالة والتنمية» المستمر منذ 19 سنة، يرفضها إردوغان، ولا يرى ما يبررها.

عمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال الأشهر الأخيرة على تصعيد التوتر مع المعارضة مركزا حملته، بصفة أساسية، على أكبر أحزابها، حزب «الشعب الجمهوري» ورئيسه كمال كليتشدار أوغلو، عبر جملة من الاتهامات بالفشل وتورط أعضاء بارزين في الحزب بفضائح تحرش، وصولاً إلى دعم الإرهاب والتقارب مع حزب «الشعوب الديمقراطية» المؤيد للأكراد، الذي يتهمه إردوغان بأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية.
في المقابل، يهاجم كليتشدار أوغلو، وباقي قادة أحزاب المعارضة، إردوغان ويتهمونه بالفساد والإسراف ويحملونه المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي حلّت بالبلاد نتيجة تسليمه ملف الاقتصاد إلى صهره برات ألبيراق، وزير الخزانة والمالية السابق الذي أجبر على الاستقالة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
كليتشدار أوغلو انتقد أخيراً «الانتقاد الوحشي» الذي يتعرض له حزبه من قبل «العدالة والتنمية» متهماً حزب إردوغان باستهداف «الشعب الجمهوري» طيلة السنوات الـ19 الأخيرة، وتسبب في تردي الأحوال الاقتصادية للشعب، لدرجة أنهم باتوا يجمعون الطعام من صناديق القمامة. وقال إن معارضته لسياسات إردوغان ليست من أجل تحقيق مكاسب شخصية، فـ«نحن لا نقاتل من أجل القصور، نحن نكافح من أجل بلادنا، وحل مشاكل الشعب، بينما يعمل إردوغان لصالح المرابين في الخارج».
وحقاً، اتّسع حراك أحزاب المعارضة التركية بهدف تشكيل تحالف واسع يواجه «تحالف الشعب» المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية» برئاسة دولت بهشلي. ودخل «الشعوب الديمقراطية»، الذي يعد ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، على الخط بطلب لقاءات مع قادة أحزاب المعارضة لبحث مشاكل تركيا الأساسية، بينما يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع «الحركة القومية». فقد طلب الرئيسان المُشاركان لحزب «الشعوب الديمقراطية» بروين بولدان ومدحت سنجار عقد لقاءات مع رؤساء أحزاب «الشعب الجمهوري»، و«الديمقراطية والتقدم» الذي يرأسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، و«السعادة» الذي يرأسه تمل كرم الله أوغلو، الذي بادر بتحديد موعد للقاء يعقد (الاثنين).

- حراك التحالفات
هذا، وأطلقت أحزاب المعارضة التركية منذ أشهر حركة زيارات متبادلة شملت بصفة أساسية أحزاب «الشعب الجمهوري» و«الجيد» (وهما الشريكان في «تحالف الأمة») و«الديمقراطية والتقدم» و«السعادة»، إلا أنها استثنت في البداية «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه اتهامات من جانب الرئيس إردوغان وحليفه «القومي» بهشلي، بدعم الإرهاب وبأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني المحظور. وأجريت هذه اللقاءات لتبادل وجهات النظر حول المشاكل الرئيسية للبلاد و«جسّ النبض» حول التعاون المستقبلي.
عملياً دعم «الشعوب الديمقراطية» تكتل «تحالف الأمة» (المناوئ لإردوغان) في الانتخابات المحلية خلال نهاية مارس (آذار) 2019 التي تكبد فيها «العدالة والتنمية» الحاكم خسائر ضخمة، وفقد فيها كبريات المدن التي سيطر عليها باستمرار، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة. ومن ثم، بعثت مختلف الأحزاب برسائل إيجابية على مدى الشهور الماضية بشأن الحوار والتنسيق مع حزب «الشعوب الديمقراطية»، بدأت من «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وامتدت إلى حليفه حزب «الجيد» المحسوب على التيار القومي والذي ترأسه السياسية المخضرمة ميرال أكشينار، مرورا بـ«الديمقراطية والتقدم» و«المستقبل» - أحدث حزبين خرجا من رحم «العدالة والتنمية» - ومن حزب «السعادة» ذي الجذور الإسلامية.
وقرّرت قيادة «الشعوب الديمقراطية»، الذي بات مستهدفاً بدعوات لإغلاقه كرّرها غير مرة بهشلي، حليف إردوغان، اتخاذ خطوات ومبادرات لتوسيع أرضية الحوار مع أحزاب المعارضة. وفي هذا السياق، طلب بولدان وسنجار، مواعيد من الأحزاب الأربعة (الشعب الجمهوري، الديمقراطية والتقدم، المستقبل، السعادة)، ولم يطلب الحزب لقاء مع أكشينار نظرا للحساسيات بين القوميين والأكراد، وإن كانت أكشينار قد أعلنت أخيراً استعدادها لاستقبال الرئيس المشارك السابق للحزب صلاح الدين دميرطاش رداً على رسالة بعث بها من داخل محبسه متسائلاً فيها «هل لو طرقتك بابك يوماً ذات صباح لتناول الشاي، هل ستسمحين» وردّت «بالطبع سأستقبلك».
في أي حال، يسود الاعتقاد في الأوساط السياسية التركية بأن هذه اللقاءات والزيارات هدفها التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، أو احتمالات التوجه إلى الانتخابات المبكرة، والخروج بتوافق بين أحزاب المعارضة وتشكيل تحالف واسع منها لمواجهة تحالف إردوغان - بهشلي. وفي الوقت نفسه، يسعى إردوغان بدوره لضم أحزاب أخرى له حيث عقد لقاءات مع قيادات من حزب «السعادة» ورؤساء أحزاب «الوحدة الكبرى» و«الديمقراطي» و«اليسار الديمقراطي» في محاولة لإقناعهم بالانضمام إلى تحالفه «تحالف الشعب» قبل الانتخابات المقبلة.
المراقبون يتوقّعون الآن أن يعلن حزبا «الشعب الجمهوري» و«الجيد الشريكان» في « تحالف الأمة»، خلال أيام، عن مقترحات بشأن حل المشاكل القائمة، والعودة إلى النظام البرلماني بعد تعزيزه، وذلك بسبب المشاكل التي نجمت عن النظام الرئاسي منذ تطبيقه عام 2018 وتأثيره السلبي على الاقتصاد وعلاقات تركيا بالخارج. وبالإضافة إلى خطة العمل مع الأحزاب، ستبحث احتمالات تشكيل تحالف واسع صدرت إشارات بشأنه عن كليتشدار أوغلو وأكشينار عدة مرات. وفي حين يدور حديث عن تشكيل تحالفات مختلفة يبدو أن هناك ميلا من أحزاب المعارضة إلى توسيع «تحالف الأمة» الحالي لأن هذا هو الطريق المضمون في حال رغبت المعارضة في إزاحة إردوغان وحزبه من السلطة.

- الانتخابات المبكرة
جدير بالذكر، أن المعارضة تعمدت «تسخين الأجواء» بمطالبتها بالانتخابات المبكرة، لرغبتها في انتهاز الأوضاع الراهنة التي يعاني فيها الاقتصاد التركي بشدة، ويواجه الأتراك أوضاعا اقتصادية تذكّرهم بالأزمة التي عاشوها عام 2001 قبل صعود «العدالة والتنمية» إلى سدة الحكم.
ولكن، كما سبقت الإشارة، رداً على مطالبات المعارضة المتصاعدة بالانتخابات المبكرة، أكد إردوغان أن هذا الأمر غير وارد، وأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستجرى في موعدها المقرر في يونيو 2023، وتابع أن «على من يطالبون بالانتخابات المبكرة الانتظار على الأبواب» حتى يونيو 2023، مضيفاً أن الانتخابات المبكرة حلم للمعارضة، وهي تخالف الديمقراطية.
ومما قاله إردوغان «لن نجري انتخابات مبكرة في أي حال من الأحوال... إجراء انتخابات مبكرة أمر غير وارد ولا نقاش فيه. الانتخابات المبكرة مطلب وحلم الأحزاب السياسية المعارضة، التي لم تستقر بعد، في إشارة إلى حزبي (الديمقراطية والتقدم) الذي أسسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان في مارس الماضي و(المستقبل) الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو في ديسمبر (كانون الأول) 2019 بعد انشقاقهما عن (العدالة والتنمية) الحاكم، ولن نحقق لهم هذا الحلم، فهم يخشون ما يمكننا تحقيقه... نحن لسنا في عجلة من أمرنا».
على هذا الكلام، رد «الشعب الجمهوري» لافتاً إلى «أن الشعب هو من ينتظر على الأبواب من أجل أن ينهي حكمه (أي إردوغان) الذي قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية لم تشهدها من قبل بسبب سياساته». وللتذكير، سبق أن لجأ إردوغان إلى الانتخابات المبكرة في أول نوفمبر 2015 بعد إخفاق حزبه في تحقيق الغالبية التي تمكّنه من الحكم منفردا في الانتخابات التي أجريت في 7 يونيو من العام ذاته. ثم أجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مبكرا عن موعدها أيضا في 24 يونيو 2018، لاستعجال تطبيق النظام الرئاسي الذي وسع من صلاحياته بشكل غير مسبوق.

- تراجع حزب إردوغان
استطلاعات الرأي، التي أجريت في تركيا على مدى الأشهر الأربعة الأخيرة، تظهر حالياً أن فرصة إردوغان في الفوز بالرئاسة تبدو ضعيفة جدا بعد ظهور الكثير من المنافسين الأقوياء له، في مقدمتهم منصور ياواش رئيس بلدية أنقرة وأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول المنتمين إلى حزب «الشعب الجمهوري»، وارتفاع شعبية أكشنار رئيسة حزب «الجيد»، فضلا عن دخول باباجان وداود أوغلو السباق كمنافسين لرفيقهما السابق. وتظهر الاستطلاعات أيضاً تراجع نسبة تأييد «العدالة والتنمية» الحاكم و«تحالف الشعب» الذي يضمه و«الحركة القومية». وأن نحو نصف الناخبين الأتراك باتوا يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة.
في هذه الأثناء، يعقد إردوغان منذ أسابيع لقاءات مع قادة الأحزاب المنتمية للتيار الإسلامي وتياري اليمين واليسار المعتدل، وهي في المجمل أحزاب صغيرة، لإقناعهم بالانضمام إلى «تحالف الشعب» بقيادته لتعزيز فرصته في الانتخابات المقبلة، كما استأنف إردوغان منذ أسبوعين عقد مؤتمرات فروع حزبه في أنحاء البلاد عبر «الفيديو كونفرنس» تمهيدا للمؤتمر العام في مايو (أيار) المقبل في مسعى لتقوية قواعد الحزب قبل المؤتمر العام. كما أعلن إردوغان مراراً عن حزمة إصلاحات قانونية واقتصادية جديدة يقول إنها ستنقل البلاد إلى مرحلة جديدة.

- تحول في السياسات
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد بدأت حكومة إردوغان التلويح بتغيير السياسة الخارجية لتصبح أكثر توافقية، عبر فتح صفحات جديدة وتسوية الأزمات مع بعض الدول التي قادت إلى عزلة تركيا في محيطها. وجرى رصد استدارة جديدة من إردوغان نحو الغرب عقب قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين بدأ يردد على مدى أسابيع رغبته في فتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، وإنهاء التوتر مع اليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. أما الحديث عن إصلاحات قانونية تفضي إلى تعزيز دولة القانون والحريات في تركيا، فهو تطور اعتبره المراقبون استباقاً من الرئيس التركي لضغوط منتظرة من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الذي لا يبدي ارتياحا لسجل حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية في تركيا تحت حكم إردوغان.
معلومٌ أن إردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو قادا حملة دبلوماسية مكثفة على مدى الأسابيع الماضية غايتها إقناع الاتحاد الأوروبي برغبة أنقرة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع التكتل تتجاوز ملفات التوتر الذي بلغ ذروته عام 2020، وكان الاتحاد الأوروبي قد اختار نهج الانتظار والترقب مع تركيا بعدما قرّر وزراء خارجيته، خلال اجتماعهم في بروكسل الاثنين الماضي، تأجيل إعلان العقوبات عليها بسبب أنشطة التنقيب «غير القانونية» عن النفط والغاز شرق البحر المتوسط. ولقد برروا هذا التأجيل بما قالوا إنه «تطوّرات إيجابية» في إشارة إلى استئناف المباحثات الاستكشافية بين تركيا واليونان، في اليوم ذاته. لكن مصادر دبلوماسية يونانية ترى استئناف التباحث بأن تركيا وسيلة تتخذها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن العقوبات المقرر إعادة تقييمها في القمة الأوروبية المقبلة خلال مارس المقبل.
المصادر المذكورة كشفت عن أن أثينا حددت خلال الجولة 61 من المباحثات الاستكشافية التي عقدت في إسطنبول، أول من أمس بعد حوالي 5 سنوات من التوقف، المجالات التي تريد أن ترى تقدما ملموسا فيها. وأبرزها، تحديداً، إنهاء الاستفزازات التركية في بحر إيجة، ووقف تهديد أنقرة بالحرب - خاصة، أنه سبق لأنقرة أن أعلنت أن توسيع اليونان مياهها الإقليمية في بحر إيجة سيكون «سببا للحرب» - والتزام تركيا بالقانون الدولي فيما يتعلق ببحر إيجة والجرف القاري والمناطق الاقتصادية في شرق البحر المتوسط. ووصفت المصادر، بحسب ما نقلت صحيفة «كاثيميريني» استئناف المباحثات بأنه «تطور حاسم». وأشارت إلى أن تركيا تولي أهمية كبيرة لهذه المباحثات التي ترى فيها وسيلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بإلغاء عقوباته عليها بسبب أنشطتها غير القانونية في شرق المتوسط أو إرجائها لأمد طويل.
هذا، واتفق الجانبان على إجراء جولة المباحثات المقبلة في العاصمة اليونانية أثينا من دون إعلان موعدها. إلا أن المصادر الدبلوماسية اليونانية قالت إن الاجتماع المقبل سيعقد في أثينا في نهاية فبراير (شباط) أو أوائل مارس، وأردفت «سيكون بالتأكيد قبل قمة الاتحاد الأوروبي لأنه يهدف إلى إيصال رسالة، لا سيما من جانب تركيا، مفادها أن البلدين يواصلان التقدم في تطوير العلاقات الجيدة».
ومن جهته، يرغب الاتحاد الأوروبي في أن يرى ترجمة أقوال تركيا إلى أفعال تدل على مصداقيتها في فتح صفحة جديدة في العلاقات، كما عبر عن ذلك مسؤولوه، وفي مقدمتهم المنسّق الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد جوزيب بوريل. وأميركياً، في أول مؤشر واضح على نهج الإدارة الأميركية الجديدة تجاه تركيا، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن أول تصريحاتها بشأن تركيا، الأسبوع الماضي. وركزت على قضايا الحريات وحقوق الإنسان، داعية حكومة إردوغان إلى احترام قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والإفراج عن معتقلين بارزين.
وعلقت وزارة الخارجية الأميركية على أوضاع الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لـ«الشعوب الديمقراطية»، ورجل الأعمال الناشط البارز عثمان كافالا، الذي أُلغي حكم براءته الصادر في فبراير الماضي، ومن ثم اعتُقل بتهمتي التجسس ودعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 فقال إن واشنطن تواصل «متابعة هذه القضايا من كثب. ما زلنا نشعر بقلق بالغ إزاء هذا، ونواصل حث تركيا على احترام هذه الحريات الأساسية وتقديم هذه القضية إلى حل سريع وعادل».

- خريطة جديدة للأحزاب في تركيا تغيّر تركيبتها السياسية
شهدت خريطة الأحزاب السياسية في تركيا تغييرا كبيرا خلال عام 2020 يتوقع أن يلقي بظلاله على انتخابات العام 2023، إذ أعلن عن تأسيس 27 حزبا سياسيا جديدا ليرتفع عدد الأحزاب السياسية إلى 107 أحزاب.
الأحزاب الجديدة خطفت الأضواء في الشارع التركي، وعلى رأسها حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسس في مارس 2020 و«المستقبل»، برئاسة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي الأسبق الذي أسس في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ولقد زاد «المستقبل»، الذي كان يضم 14 ألفا و986 عضوا في 11 نوفمبر 2020 عدد أعضائه بمقدار 3 آلاف و295 عضوا، ليبلغ إجمالي عدد أعضائه 18 ألفا و281 عضوا في نهاية العام 2020. وزاد حزب باباجان، الذي كان يضم 9531 عضوا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عدد أعضائه بمقدار 6331 إلى 15862 عضوا.
في المقابل، صار حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، مجبرا على توسيع تحالفه «تحالف الشعب» مع «الحركة القومية» في الانتخابات المقبلة والحصول أكثر من حزب، لأن الأحزاب الجديدة وخصوصا حزبي باباجان وداود أوغلو ستؤثر بالسلب على نسبة مؤيديه.
من جهته، يواجه حزب «الشعب الجمهوري»، أقدم أحزاب تركيا، تهديداً جدياً بسبب الانشقاقات التي حثت في صفوفه وخروج 3 أحزاب من عباءته هي «التجديد» الذي أسسه نائب رئيس الحزب السابق أوزتورك يلماظ، و«التغيير» الذي أسسه مصطفى صاري غل، و«وطن» الذي أعلن القيادي البارز مرشح الرئاسة السابق محرم إنجة عن إطلاقه قريباً. وسيكون هذا الأخير هو الأخطر تأثيراً على نسبة تأييد «الشعب الجمهوري» - الذي ينخرط في «تحالف الأمة» مع حزب «الجيد» برئاسة ميرال أكشنار – مع أن هذا التحالف قادر على تعويض ذلك بضم أحزاب معارضة قوية أخرى.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».