«مبادرة مستقبل الاستثمار» ترسم معطيات جديدة لنهضة الاقتصاد العالمي بعد الجائحة

مطالبات باعتماد الاستراتيجيات المتوازية وتبني الأصول الخضراء... والتضخم والفائدة التحديان الأكبر في المرحلة المقبلة

انطلاق فعاليات «مؤتمر مستقبل مبادرة الاستثمار» أكبر تجمع اقتصادي في الشرق الأوسط، في الرياض أمس... وفي الإطار يظهر وزير الطاقة السعودي خلال مشاركته بإحدى الجلسات (الشرق الأوسط)
انطلاق فعاليات «مؤتمر مستقبل مبادرة الاستثمار» أكبر تجمع اقتصادي في الشرق الأوسط، في الرياض أمس... وفي الإطار يظهر وزير الطاقة السعودي خلال مشاركته بإحدى الجلسات (الشرق الأوسط)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار» ترسم معطيات جديدة لنهضة الاقتصاد العالمي بعد الجائحة

انطلاق فعاليات «مؤتمر مستقبل مبادرة الاستثمار» أكبر تجمع اقتصادي في الشرق الأوسط، في الرياض أمس... وفي الإطار يظهر وزير الطاقة السعودي خلال مشاركته بإحدى الجلسات (الشرق الأوسط)
انطلاق فعاليات «مؤتمر مستقبل مبادرة الاستثمار» أكبر تجمع اقتصادي في الشرق الأوسط، في الرياض أمس... وفي الإطار يظهر وزير الطاقة السعودي خلال مشاركته بإحدى الجلسات (الشرق الأوسط)

أعطى مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي انطلق من العاصمة السعودية الرياض معطيات تفاؤلية بمستقبل الاقتصاد العالمي، مؤكداً على أهمية اعتماد التغيرات الجديدة التي يفرضها واقع ما بعد جائحة «كورونا المستجد» والتركيز على الاستراتيجيات المتوازنة في الاستثمار وتبني قطاعات المستقبل واعتماد الأصول الخضراء ومبادئ الاستدامة للعبور إلى نمو اقتصادي ونهضة منتظرة، ما بعد الجائحة.
وركزت جلسات «مبادرة مستقبل الاستثمار» في دورته الرابعة بمركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات بمدينة الرياض أمس، تحت عنوان «النهضة الاقتصادية الجديدة»، بمشاركة أكثر من 140 متحدثاً بارزاً، بينهم وزراء وصناع سياسة ومستثمرون دوليون، على ملف النمو الاقتصادي، المتوازي مع استراتيجية تعمل وفق أولوية تغير المناخ والاستدامة والاستثمار في البيئة، بيد أن المشاركين في المؤتمر يرون أن التضخم والفائدة يمثلان التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة.
وفي الوقت الذي يحتاج العالم إلى مزيد من الطاقة خلال السنوات المقبلة، أكدت جلسات مبادرة مستقبل الاستثمار على أهمية تقليل الانبعاثات الكربونية والدفع نحو التعامل مع مصادر الطاقة المختلفة، في وقت أكد فيه وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أن هناك مشروعات ضخمة في قطاع الطاقة تجري في بلاده.
- مشروعات كبرى
وأضاف الأمير عبد العزيز أن السعودية لديها مشروعات كبرى في قطاع الطاقة وتحويله بنسبة 50 في المائة إلى استخدام الغاز، بينما الباقي سيعتمد على مصادر الطاقة الأخرى، مستطرداً: «سنكون مثل ألمانيا حيث سنعتمد بنسبة 55 في المائة على الطاقة النظيفة، ونعمل على إعادة تدوير الانبعاثات وتحويلها إلى مواد مفيدة... عند التحول للطاقة المتجددة والغاز سيكون هناك تقليلاً بشكل كبير للانبعاثات».
وأكد وزير الطاقة السعودي أن بلاده حكومةً ودولةً ملتزمة بالعمل على تقليل الانبعاثات الكربونية، وأضاف: «نؤكد على أننا نتعامل مع الجائحة، وحاولنا الاستفادة منها، ودائماً نحن نعتبر أن قضية (كوفيد) قضية إنسانية»، مشيراً إلى وجود خطط للتعافي ولكن يجب أن يتفق عليها الجميع.
- اتفاقية باريس
وتابع الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته في الجلسة الحوارية الثانية من فعاليات اليوم الأول لمبادرة مستقبل الاستثمار في دورتها الرابعة: «نؤمن بشدة باتفاق باريس ونبذل قصارى جهدنا لدعم الحكومة والشركات لتحقيق مستهدفاتهم»، موضحاً أنه «عند مقارنة (أرامكو) و(سابك) بنظرائهما فسنجدهما حقّقا كثيراً من المستهدفات في مجال تقليل الانبعاثات».
وبيّن أن السعودية ودول مجموعة «أوبك+» تعاونت للتخفيف من آثار جائحة كورونا الاقتصادية، مضيفاً أن المملكة عملت مع شركائها في «أوبك» ومجموعة «أوبك+»، بالإضافة إلى دول مجموعة العشرين على نهج شامل للتخفيف من آثار جائحة كورونا.
- النهج المتعدد
وقال وزير الطاقة إن الموقف الذي شهده العالم ولا يزال يشهده حتى الآن يتطلب نهجاً متعدد الأطراف بانسجام وتماسك وجهود متسقة لمواجهة تداعياته، مضيفاً: «كانت لدينا يقظة حول التغير المناخي، ولدينا سجل حافل بتقليل الانبعاثات، وملتزمون بحياديتها». وأضاف: «سنحاول تحسين استخدام الكربون، بإضافته إلى الاقتصاد الدائري... سنعمل يداً بيد حيث سيمكننا من تحويل الهيدروكربون وتقليل الانبعاثات، بل استغلال تلك الانبعاثات بدلاً من هدرها حيث سنعيد تدويرها وتحويلها لمنتجات جديدة».
من ناحيته، أكد ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار خلال افتتاح نسخة مؤتمر مبادرة الاستثمار أمس، أن جائحة كورونا غيّرت مفهوم الاقتصاد في أنحاء العالم الذي يشهد فرصةً هائلةً وعهداً لنهضة اقتصادية جديدة، غير أنها أظهرت فرصاً استثمارية في مختلف القطاعات التكنولوجية.
وقال الرميان: «نراقب عن كثب تطورات قطاع التكنولوجيا، سواء في الأسواق الأولية أو الثانوية، والجائحة كشفت عن الفرص الاستثمارية في القطاعات التقنية ومعاناة غالبية القطاعات الأخرى»، مبيناً أن كثيراً من المشرعين دولياً أبدوا تخوفهم من الدور الهائل لشركات التكنولوجيا.
- استراتيجيات الاستثمار
وأضاف الرميان أنه حان الوقت للفت الانتباه إلى آثار القرار الاستثماري على مختلف مكونات المجتمع العالمي، إذ إن الجميع كان يطارد الأسواق المالية، مستطرداً: «اليوم يقع التفكير حول استراتيجيات الاستثمار المباشر، بالتوازي عبر استحداث قطاعات جديدة».
وكشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة عن إطلاق استراتيجية الصندوق مؤخراً، والتي تضمنت الإعلان عن المرحلة الثانية من برنامج تحقيق «رؤية السعودية 2030». مؤكداً أنه ستتبع ذلك خطوات أخرى لتسليط الضوء على مشروعات جديدة غير الأسواق المالية، وسيكون لها أثر في نمو الناتج المحلي الإجمالي بالمملكة، وخلق فرص الاستثمار مع توليد مزيد من الوظائف.
- الطاقة المتجددة
وحول مشروع «ذا لاين»، الذي أطلقه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في الآونة الأخيرة، قال الرميان: «إنه بمثابة فكرة ثورية في عالم التصميم الحضري للمدن؛ حيث سيعمل المشروع بالطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة، وكذلك سيعاد تشكيل تصميم المجتمع الحضري، إذ إن مستهدفات المشروع تعكس الرغبة في أن تستمتع الأجيال المستقبلية بالطبيعة من حولهم في هذه المدينة الذكية»، مشدداً على أهمية مشروعات الطاقة المتجددة.
من جهته، بيّن لورينس فينك الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، أن هناك تدفقات هائلة للأموال المتوجهة للاستثمار حول العالم، متوقعاً تحقيق مناعة القطيع لغالبية الدول الناشئة بحلول سبتمبر (أيلول)، مشدداً على ضرورة الانتباه للضغوط التضخمية التي سترافق النمو الاقتصادي، مشيراً إلى زيادة حجم الادخار أثناء فترة الجائحة، متوقعاً أن تقل مستقبلاً أهمية متابعة المؤشرات الأساسية، وأن الجائحة تسببت في تراجع الاستهلاك في العالم وزاد حجم التوفير، ما أثر على الاقتصاد بشكل عام.
- الأصول الخضراء
وقال الرئيس التنفيذي لبلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، إنه متفائل بشأن الاستثمارات المرتبطة بتغير المناخ في المدى الطويل. واستطرد: «بشكل عام، أعتقد أنه يسعني القول إن العوامل الأساسية مع المضي في 2021 وما بعدها مواتية جداً لمستثمري المدى الطويل نظراً للحاجة الكبيرة للاستثمار المتعلق بتغير المناخ وتوافر المدخرات، والحاجة الكبيرة إلى أصول معمرة».
- العملة الصينية
إلى ذلك، أوضح ديفيد سولمون الرئيس التنفيذي لبنك غولدمان ساكس، أن هناك اهتماماً كبيراً بالوظائف في القطاع المالي، في حين يرى راي داليو، مدير الاستثمار في «بريدج ووتر»، أن الصين تمر بمرحلة تطور تاريخية لتصبح مركزاً للتجارة العالمية، وأن هناك حركة واضحة لتحويل العملة الصينية لعملة عالمية.
وقال الدكتور توماس غوتستين الرئيس التنفيذي لمجموعة كريدي سويس: «إن ارتفاع التضخم والفائدة هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة، مع أن هناك دوراً كبيراً للاستثمارات المتوافقة مع البيئة والحوكمة عالمياً»، منوهاً بأن تقييم بعض الأصول عالمياً أصبح عند مستويات مرتفعة، وأن الأسواق ستكون بمستويات جيدة في 2021.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسلل بشكل أعمق إلى مفاصل الاقتصاد العالمي

أظهرت استطلاعات رأي رئيسة نُشرت يوم الخميس أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة الصدمة الطاقية الناجمة عن الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن، طوكيو )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتربع على قمة 10 أيام مع اشتعال أزمة «هرمز»

استقر الدولار الأميركي بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوع ونصف يوم الخميس، مدفوعاً بزيادة الطلب عليه كملاذ آمن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سبائك ذهبية موضوعة على طاولة في قبو لدى تاجر المعادن الثمينة «برو أوروم» (د.ب.إ)

الذهب يتراجع وسط مخاوف من التضخم الناجم عن ارتفاع النفط

انخفض سعر الذهب يوم الخميس مع ارتفاع أسعار النفط الذي غذّى المخاوف من التضخم واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مرافق تخزين النفط التابعة لشركة «يونيتانك» الألمانية للخدمات اللوجستية للنفط (إ.ب.أ)

النفط يواصل مكاسبه ويخترق حاجز 103 دولارات وسط تعثر محادثات السلام

واصلت أسعار النفط ارتفاعها يوم الخميس في أعقاب تعثر محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.