سرد السفر... انتماء متأخر لحقل الأدب

ولد على يد كاهن فرعوني طارده القراصنة أثناء رحلة إلى لبنان

رحلة ماجلان حسب تصور فنان مجهول من القرن التاسع عشر
رحلة ماجلان حسب تصور فنان مجهول من القرن التاسع عشر
TT

سرد السفر... انتماء متأخر لحقل الأدب

رحلة ماجلان حسب تصور فنان مجهول من القرن التاسع عشر
رحلة ماجلان حسب تصور فنان مجهول من القرن التاسع عشر

نظرة جديدة لمفهوم أدب الرحلات، ومقدرته على تعزيز الشوق الإنساني، وإشباع روح المغامرة والتعرف على ثقافات وحضارات وتقاليد وعادات شعوب، تطالعنا في كتاب «أدب الرحلات»، للكاتب البريطاني كارل طومسون، المحاضر في جامعة نوتنجهام وصاحب عدد من المؤلفات في هذا السياق منها «معاناة المسافر والخيال الرومانسي» و«غرق السفن في الفن والأدب».
الكتاب صدر حديثا عن المركز القومي بالقاهرة وترجمه محمد الجندي، أستاذ الأدب الإنجليزي بأكاديمية الفنون. ويشير المؤلف إلى أن هذا النوع من الأدب يعتبر في الوقت الحالي مزدهرا للغاية، ففي كل عام يخرج تيار من قصص الرحلات الجديدة من المطابع ويظهر كاتبوه مثل مايكل بالين وبيل بريسون وبول تيرو بانتظام في قوائم أصحاب الكتب الأكثر مبيعا في كل من أوروبا وأميركا. ودفع هذا الإقبال من جانب القراء الناشرين لإعادة إصدار عدد من قصص الرحلات القديمة في صورة سلاسل. وذلك على عكس معظم فترات القرن العشرين حين كان نقاد الأدب والمعلقون الثقافيون عادة ما يرفضون هذا النوع الأدبي باعتباره ينتمي إلى الأدب المتوسط.

جذور تاريخية
يستقصي المؤلف جذور أدب الرحلات، مشيرا إلى أنه في عام 1130 قبل الميلاد كان هناك كاهن فرعوني يسمى «وينامون» قام برحلة من «طيبة» إلى لبنان لشراء إرسالية من خشب الأرز لمعبده، ولكن الرحلة كانت كارثة فقد تعرض للسرقة وتعقبه بعض القراصنة، وكان على وشك الموت، ومع ذلك كانت لهذه الرحلة نتيجة مهمة، حيث كتب الكاهن الفرعوني سردا عن هذه المغامرة التعسة، وبقي هذا السرد عبر الزمن رغم حالته السيئة، وهو يشكل وفقا للمؤرخ ليونيل كاسون أول سرد أدبي تفصيلي عن رحلة بالشكل القريب مما نعرفه اليوم.
ويذكر أنه قبل ذلك التاريخ، هناك بدايات غير ناضجة لأدب الرحلات تكاد تشمل كل حكايات السفر التي تناقلها البشر عبر الزمن بصورة شفوية. لافتا إلى أن المعالجات الأولية لموضوع السفر تتضح كما في ملحمة جلجامش والأوديسة لهوميروس وسفري النشوء والخروج في الإنجيل. ورغم أن ذلك سرد خيالي لرحالة أسطوري، تفتتح الأوديسة التراث الغربي من أدب الرحلات بصفة خاصة ما يعني أنها من أوائل قصص الرحلات المكتوبة، ومن أوائل النصوص التي كان لها تأثير على أدب الرحلات اللاحق من القصص، لا سيما تركيزها الموضوعي على كوارث الرحلة والعودة المحفوفة بالمشاكل وتقديمها للبطل الرحالة كشخص.
إن العصور الوسطى، كما يقول طومسون، أنتجت مثلما أنتج العصر الكلاسيكي وفرة من نصوص السفر، ولكن القليل من تلك النصوص يتوافق مع مفهمونا الحديث لأدب الرحلات، فغالبا ما تكون تقارير الرحلة منسوجة داخل الجغرافيا والتاريخ الطبيعي وكتب الحيوانات والعجائب الخاصة بالعصور الوسطى، لافتا إلى أن قارتي آسيا وأفريقيا كانتا بصفة خاصة مصدر إبهار للقراء الأوروبيين، وأدت إلى ظهور أدب ثري وتأملي بشكل كبير في الغالب. ومع ذلك فالقليل جدا من تلك التقارير هي قصص عن السفر بصيغة المتكلم يحكي فيها المسافر تجربته الخاصة، ولذلك فهي بشكل نمطي مجموعات من المعلومات تندمج فيها ملاحظات المصادر الكلاسيكية مثل هيرودتس وبليني مع التقارير الأحدث التي تسربت إلى مراكز النشاط العقلي في أوروبا عبر سلسلة من الوسطاء في الغالب. ويبدو الكثير من نصوص السفر في العصور الوسطى مزيجا مثيرا للفضول من الواقعي والخرافي، حيث إنها تجمع بين وصف معقول للشعوب والأماكن مع حكايات عن كائنات متوحشة أو خارقة قد تمثل إسقاطا للمخاوف والخيالات الأوروبية كالحصان المجنح والرجال الذين لهم رؤوس كلاب والمرأة المسترجلة.
ويتحدث طومسون عن نوع آخر من «الرحلات». ففي أوروبا كان الرجال يسافرون كجواسيس ليكتبوا التقارير للجيوش قبل الغزو. ونقلت الحملة الصليبية الكثيرين من المسيحيين الأوروبيين إلى الشرق الأدنى والأقصى، وأصبح الكثيرون منهم على دراية بالمنطقة من خلال العديد من الأحداث اللاحقة هناك، كما كان أيضا يتم إرسال البعثات التبشيرية والسفارات من حين لآخر إلى مناطق الصين والهند وأفريقيا.
وكانت البعثة الدبلوماسية إلى بلاط الإمبراطور المغولي «قبلاي خان» وراء إنتاج أشهر تقارير السفر في تلك الفترة وهي رحلات «ماركو بولو» التي تم تداول نسخ مختلفة منها تحت عناوين مختلفة منذ نهاية القرن الثالث عشر وما تلاه وقد أبهر وصف بولو لثروات وثقافة الصين المعقدة أهل ذلك العصر.
وفي العالم الإسلامي بدأت كتابات الرحلة مع القاضي المغربي «ابن بطوطة» صاحب رحلة الحج الملحمية التي يبلغ طولها 75000 ميل حول شمال أفريقيا والهند والصين وجنوب شرقي آسيا.

الرحلة والاستعمار
ويستعرض المؤلف أزمة المصداقية التي يمكن أن تواجه هذا النوع من الأدب من خلال تأرجحه بين الحقيقة والخيال، حيث يتعين على القراء الصراع مع أسئلة تتعلق بصحة المعرفة التي يقدمها أدب الرحلات، وعلى سبيل المثال كيف يستطيع الشخص تحديد موثوقية أي سرد عن السفر، وكيف يستطيع انتقاء الملاحظات الدقيقة من الفهم الخاطئ الناتج عن السهو أو الخداع، وكيف يستطيع الفصل بين سردين مختلفين عن نفس الأماكن والشعوب، وما معايير الحكم على سرد بأنه أجدر بالثقة من آخر؟
ويجيب على ما طرحه من أسئلة، مؤكدا أن أدب الرحلات ظل لوقت من الأوقات يمثل شكلا ثقافيا منغمسا في المواقف والأخيلة الاستعمارية «الإمبريالية»، وهناك نص يوضح هذا الجانب بطريقة صارمة ومتطرفة بصفة خاصة عبر تقديم عمل هنري مورتون ستانلي في كتابه «عبر القارات» الذي حقق أفضل المبيعات، وهو سرد عن رحلة شاقة في قلب أفريقيا استمرت لمدة ثلاث سنوات باستخدام عربة تجرها الحيوانات قاد فيها ستانلي حوالي 350 حمالا ومرشدا من «زنزبار» في المحيط الهندي إلى بحيرة فكتوريا وتنجانيقا في شرق أفريقيا قبل تتبع مجرى نهر لولابا ونهر الكونغو للوصول لساحل أفريقيا على الأطلنطي. ولم تكن هذه الرحلة من أجل الغزو الاستعماري، فقد سافر الرجل كمستكشف يسعى لجمع المعلومات الجغرافية والعرقية، وأثبتت تلك البيانات بمرور الزمن أنها مفيدة بشكل هائل للمشروعات الاستعمارية الأوروبية في شرق ووسط أفريقيا، كما أثبتت رواية «عبر القارة المظلمة» أنها مفيدة آيديولوجيا من خلال رسم صورة سلبية نمطية لأفريقيا وسكانها، فبدا الأمر وكأنها تشجع وتبرر المشروع الاستعماري.

الإسهام النسائي
ويختتم كارل طومسون كتابه بالإشارة إلى إسهام النساء في أدب الرحلات، ويرى أنه في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين استمرت المرأة في تقديم إسهامات مهمة لأدب الرحلات تماما مثلما فعلن منذ بداية القرن التاسع عشر. ساعد على ذلك أنه على العكس من العصور السابقة، وجود القليل من القيود على الموضوعات التي تتناولها المرأة في قصص الرحلات، يعزز ذلك أن الفرص التعليمية والمهنية أصبحت متاحة للمرأة بشكل أكبر على الأقل في الغرب، فقد أصبح بإمكان المرأة أن تسافر وتنشر أعمالها. لكن سيكون من السذاجة، كما يستدرك، افتراض أن كاتبات أدب الرحلات لا يواجهن قيودا اليوم بالمرة، إذ يبقى الخوف من العنف وخاصة العنف الجنسي يشكل قلقا أكثر إلحاحا للمسافرات أكثر منه بالنسبة للرجال.
ونستشهد هنا بما تقوله ماري موريس: «يؤثر الخوف من الاغتصاب سواء أثناء عبور الصحراء الكبرى أو عبور شارع في مدينة ليلا بشكل هادئ على طريقة تحرك النساء في العالم»، كما أنه أحيانا تتطلب المجتمعات التي تزورها المرأة سلوكا وزيا مختلفين، كما قد يختلف استقبالها عند العودة لوطنها عن استقبال الرجال بشكل كبير، مشيراً إلى «روبين دافيسون» التي قطعت رحلتها المضنية لمسافة ألف ميل عبر المناطق النائية في أستراليا بركوب جمل، قد أصبحت تسمى في وسائل الإعلام بـ«سيدة الجمل» وهو ما كانت تستاء منه بمرارة.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.