بين عبد الله وسلمان: إرادة الإصلاح المتدرج

تمكين المرأة يمثل حيزا مهما في المشروع الإصلاحي لديهما

بين عبد الله وسلمان: إرادة الإصلاح المتدرج
TT

بين عبد الله وسلمان: إرادة الإصلاح المتدرج

بين عبد الله وسلمان: إرادة الإصلاح المتدرج

تمثل نظرية «الإصلاح المتدرج» حجر الزاوية في رؤية كل من الملك الراحل عبد الله، وخليفته الملك سلمان بن عبد العزيز، كلاهما يحملان رغبة حازمة في أحداث إصلاحات متدرجة تشمل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.
لم تكن الإصلاحات التي قادها الملك الراحل، بعيدة عن مشاركة الملك الحالي، فمنذ عام 2005 كانت هناك إرادة لتحقيق إصلاحات ضرورية تطال الجانب الاقتصادي في البلاد، تسمح باستقطاب الشركات العالمية للعمل والاستثمار في المملكة، هذا الجانب احتاج إلى ما يشبه «الثورة» في التشريعات خاصة فيما يتعلق بسن قوانين تسمح بالتأمين، وحرية تدفق الأموال، وتطوير مرفق القضاء ليشمل المحاكم المختصة، وتطوير آليات الحوكمة.
منذ عام 2005 لعب الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، دورا رئيسيا في تدعيم حركة الإصلاح الإداري والاقتصادي، وشملت في بعض جوانبها إحداث إصلاحات سياسية، وتوسيع هامش المشاركة، والعمل على تمكين المرأة في مختلف أجهزة الدولة، وخاصة من خلال عضويتها في مجلس الشورى.
وبالنسبة لأمير الرياض، كانت العاصمة مثالا أو نموذجا لتزاوج الأصالة مع الحداثة، فقد حرص وبمنظور إصلاحي أيضا أن تكون عاصمة السعودية رمزا للمدينة المنفتحة الأكثر تحديثا وعصرنة، وأيضا الأكثر تشبثا بالموروث الديني، وبالنمط الأخلاقي التقليدي، في الرياض لعب الملك سلمان دورا في كسر صرامة المدينة التي تنمو بسرعة، مما يفقدها روح القرية. وجعل منها «سعودية مصغرة» تضم في أرجائها وأحيائها كل المكونات السعودية التي قصدتها منذ الثمانينات باحثة عن فرص العمل والتجارة والتعليم والاستثمار.
رؤية الملك سلمان في التطوير والحداثة مع التزام صارم بالسلوك الديني، كان يجري تطبيقها في الرياض، فقد كانت العاصمة الأسرع نموا من بين مدن العالم تشق طريقها بين دفتي الأصالة والحداثة.
كما أن ظهور الصروح العلمية والثقافية في الرياض قام على أساس إيجاد قنوات للتعبير تشمل مختلف الاتجاهات الفكرية، أما الأسواق التجارية والتي أصبحت إحدى العلامات الفارقة للمدينة السعودية الأكبر، وتحفل بأشهر العلامات التجارية العالمية فهي تعطي مؤشرا للانفتاح الذي أرساه الملك سلمان.
وإذا كانت العلامات التجارية تمثل «ثقافة» ما، أو هي كاشفة عن نمط اقتصادي – ثقافي محدد، فإن الرياض يمكنها أن تمنح أي مراقب شعورا بانتمائها للمستقبل.
نعلم أن للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، خطوات رائدة في تعزيز التلاحم الداخلي بين أبناء شعبه، والعمل على صياغة الهوية السعودية الجامعة التي تربط وحدات البلاد وتعزز تماسكها. سواء عبر مشروعه الرائد في الحوار الوطني، أو عبر مختلف الفعاليات التي ساهمت في توحيد السعوديين خلف قيادتهم. وتكمن أهمية هذه الخطوة أنها حمت البلاد من محاولات الاختراق الخارجي، من جهة، وحافظت على قوتها وسط محيط مضطرب.
عمل الملك الراحل كذلك على استيعاب الحراك الداخلي نحو التطوير، وهو القائل عند تعيين عضوات مجلس الشورى من النساء في 2013 إن «التطور الذي نسعى إليه جميعا يقوم على التدرج بعيدا عن أي مؤثرات».
وبالنسبة للملك سلمان، فإن الأمر لا يبتعد كثيرا عن مسيرة ترفض «التوقف والجمود». وهو القائل: «إن من يدعو للجمود والتوقف ينسى أن الإسلام دين التطور»، ومن يدعو إلى نبذ أو استبعاد معطياتنا الحضارية يشترك مع دعاة الجمود في بوتقة واحدة، فـ«هناك شيئان مكروهان: الغلو والتزمت لما لم ينزل الله بهما من سلطان». وأن المغالين والمفرطين يشتركون في هدم ديننا وقيمنا، وأن ما يفعله البعض باسم الإسلام هو عدو للإسلام والمسلمين. (في كلمته في ملتقى للمثقفين السعوديين بالرياض. 25 مارس/ آذار 2004).
الحوار الداخلي كان جزءًا من العملية الإصلاحية التي تبنتها القيادة السعودية، منذ عام 2005، وما يجمع الملكين عبد الله وسلمان، أن كليهما يمتان بصلة عميقة للحوار، كمدخل لفك الاختناقات الاجتماعية، وكسر الجمود، وتقريب وجهات النظر، وشد اللحمة الوطنية، والسعي لإيجاد جوامع مشتركة يلتقي حولها السعوديون.
كما الملك عبد الله، فإن الملك سلمان احتضن هو الآخر تطلعات مواطنيه السعوديين وعمل على استيعاب همومهم وتابع مناقشاتهم وفتح الباب للتحاور معه. ومنذ عام 2003 شهدت السعودية مجموعة من الخطوات الإصلاحية تمثلت في إنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني الذي عقد أول ملتقى للحوار الوطني في منتصف يونيو (حزيران) 2003، ومثل المشاركون في جلساته عبر عدد من اللقاءات والمؤتمرات ولأول مرة مختلف الاتجاهات المذهبية في المملكة، وناقش المؤتمر على مدى 3 أيام قضايا الوحدة الوطنية ودور العلماء في ترسيخها.
وواصل الملك عبد الله سياسة فتح الأبواب لاستيعاب المناخات المتعددة، واتجه نحو خلق بيئة صالحة للحوار، فأسس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني الذي عقد حتى الآن 4 جولات للحوار شارك فيها أكثر من 220 من مختلف النخب الوطنية في جلسات حوار تموجت من داخل قاعات الفنادق إلى مختلف مفاصل المجتمع، يجد السعوديون أنفسهم أمام استحقاقات هذه التجربة واستيعاب متطلباتها.
في أغلب جلسات الحوار، كان هناك ممثلون لتيارات دينية ومذهبية، وسجلت حضورا للتيارات الفكرية التي تتقاسم المشهد السعودي، حتى كتلك الاتجاهات غير المحسوبة على التيارات الدينية والليبراليين وكذلك المرأة. واستطاعت تلك اللقاءات وبإرادة سياسية محسوبة تحريك الساكن وضخ الحياة في قيم الحوار على أساس التعايش داخل البيت السعودي. وفتحت اللقاءات الأبواب على مصراعيها لعرض التجاذبات الداخلية بين مختلف التيارات. واتسمت لغة الحوار بلغة نقدية وبالجرأة في طرح مختلف القضايا على بساط البحث واقتحام مناطق (التابو) التي لم تكن متاحة للتناول بين المثقفين.
الحوارات بين النخب الفكرية، تقابلها حوارات مفتوحة تشهدها إمارة الرياض، وديوان أميرها السابق، الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز، فكثيرا ما كانت الوفود من مختلف أرجاء البلاد تلقي رحلها هناك باحثة عن حلول لمعضلات تواجه العلاقات البينية أو تسعى لأمير العاصمة والرجل المؤثر في القرار من أجل حل المشكلات التي تواجهها، وكان الجميع لديه الثقة أنهم بإزاء رجل يحتضن همومهم ويتعامل معها بالصدق والإنصاف مهما تنوعت مشاربهم. وكانت العبارة المشهورة في السعودية «الأبواب المفتوحة» بالنسبة للملك سلمان تمثل جانبا مختلفا فهو غالبا ما كان يبادر بالدخول في حوارات عميقة وذات دلالة مع العديد من رجال الفكر والثقافة.
يقابل كل ذلك، العمل على تجنيب البلاد الهزات العنيفة التي واجهتها بلدان عربية كثيرة. فمنذ بداية الألفية الثالثة، شهدت المملكة بفعل اتساع الطبقة الوسطى، ومفاعيل التنمية والتعليم، حراكا سياسيا داخليا سعى لتعزيز المشاركة، والبحث عن فرص في عالم متغير، وتمثل هذا الحراك في إصدار المثقفين السعوديين لعدد غير مسبوق من البيانات والعرائض، أهم مطالب هذه البيانات العمل على تمتين الجبهة الداخلية السعودية وتشكيل (إنتلجنسيا) تعنى بالشأن السياسي، والسماح للنخب الثقافية بالمشاركة في الهم العام.
وما جمع معظم تلك العرائض الإيمان العميق بالوحدة الوطنية والاصطفاف خلف قيادة البلاد ورمزية الحكم ورفض التدخلات الخارجية، والعمل بشكل جماعي بين النخب التي كانت تمثل مختلف الأطياف الفكرية والثقافية على إحداث مجموعة من الإجراءات التطويرية في بنية الدولة والمجتمع، والإقرار بتعددية المجتمع السعودي، والتعامل وفق هذا المفهوم.
تعامل الملك الراحل، كما تعامل الملك سلمان، وحكومتهما مع هذا الحراك بقدر كبير من سعة الصدر وتم استيعاب هذه المطالب بإيجابية والعمل على تطبيق متدرج لعدد من الأفكار. وفي مرات متكررة استقبل الملك الراحل النخب الثقافية التي أصدرت البيانات وناقش معهم محتوياتها كما تبنى العديد من الأفكار التطويرية التي دعت لها. وكان الملك الراحل يقدم نموذجا رفيعا في التجاوب مع المبادرات الإصلاحية، ويثبت لأبناء شعبه أنه يقود حكومة منفتحة على شعبها وليست معزولة عنه.
ومن الخطوات الإصلاحية التي اتخذت، تحديث النظام الإداري في البلاد، وإجراء إصلاحات اقتصادية كانت ضرورية، وعلى الصعيد الاجتماعي أعلن عن قيام الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، في التاسع من مارس 2004 وجاء في بيان تأسيسها أنها تأتي بهدف العمل على حماية حقوق الإنسان وفقا للنظام الأساسي للحكم وما ورد في الإعلانات والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان الصادرة عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة بما لا يخالف الشريعة الإسلامية. وباشرت الجمعية منذ تأسيسها العمل وتصدر تقريرا سنويا، وقامت الجمعية العام الحالي بزيارات تفتيشية لعدد من السجون، وحرصت على تدعيم ثقافة احترام الإنسان.
وفي يونيو (حزيران) 2004 تم الانتهاء من انتخاب أول هيئة للصحافيين السعوديين، وكان اللافت أن الوزارة تخلت عن تعيين ثلث الأعضاء في مجلس الهيئة وطرح جميع المقاعد التسعة للتصويت. وتهدف هيئة الصحافيين السعوديين إلى تنظيم العلاقة بين العاملين في مهنة الصحافة. وجاء قرار وزير الإعلام على إنشاء هذه الهيئة لـ(تكون إطارا لتنظيم العلاقات والتعاون بين العاملين في مهنة الصحافة وكذلك لتنظيم العلاقات بين الصحافيين والمؤسسات الإعلامية التي يعملون بها). و(منح الصحافيين قدرا كبيرا من الثقة والاطمئنان وشعورا أكبر بالمسؤولية تجاه وطنهم ومجتمعهم). وتصدر في السعودية 8 صحف يومية باللغة العربية و3 صحف يومية باللغة الإنجليزية، كما تطبع في المملكة عدد من الصحف العربية اليومية.
وفي خطوة إصلاحية أخرى، أقر مجلس الوزراء في جلسته يوم 17 شعبان 1424هـ توسيع مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية عن طريق الانتخاب وذلك بتفعيل المجالس البلدية وفقا لنظام البلديات والقرى على أن يكون نصف أعضاء كل مجلس بلدي منتخبا.
وفي مجال تمكين المرأة، اتخذ في فبراير (شباط) 2013، اتخذ الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز قرارا إصلاحيا جديدا، حين قرر تعيين 30 سيدة عضوات في مجلس الشورى السعودي، وذلك للمرة الأولى في تاريخ المملكة. وقال الملك عبد الله للنساء المعينات في المجلس وهو يستقبلهن في قصره «مكانكن في مجلس الشورى ليس تشريفا بل تكليف وتمثيل لشرائح المجتمع السعودي». ويشكل النساء 20 في المائة من أعضاء مجلس الشورى الجديد المؤلف من 150 عضوا.
قرار تعيين المرأة كعضوة في المجلس كان معلنا منذ عام 2011، وعند تعيينهن في 2013 قال خادم الحرمين الشريفين إن «التطور الذي نسعى إليه جميعا يقوم على التدرج بعيدا عن أي مؤثرات».
من حيث العدد، فإن وجود 20 في المائة من أعضاء مجلس الشورى من النساء، يضع المملكة في مرتبة متقدمة على دول عديدة عريقة في الديمقراطية، بهذا العدد تتقدم المملكة على دول مثل الولايات المتحدة وأيرلندا وروسيا والهند والبرازيل في نسبة شغل المرأة للمقاعد في المجلس النيابي.
خطوة دخول المرأة إلى المجلس سبقه قرار آخر بتعزيز دورها في المجالس البلدية، وخلال الانتخابات البلدية المقبلة سيدخل حيز التنفيذ قرار الملك الراحل بالسماح للمرأة بدخول الانتخابات البلدية.
تمكين المرأة، يمثل حيزا هاما في المشروع الإصلاحي لخادم الحرمين، وللملك سلمان بن عبد العزيز، حتى لو تم ذلك بطريقة تدريجية، خلال العقد الماضي قطعت المملكة شوطا هاما في تدعيم دور المرأة وتعزيز مكانتها التعليمية، خاصة حين فتح الملك الراحل مشروعه الرائد في الابتعاث الذي أتاح الفرص لنحو 50 ألف طالبة سعودية للدراسة في أرقى جامعات العالم. إلى جانبه افتتح جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، وتعيين أول مديرة لجامعة سعودية هي الدكتورة الجوهرة بنت فهد آل سعود.
كذلك، أتاح مشروع توطين الوظائف في القطاع الخاص السعودي الفرصة لعشرات الآلاف من النساء السعوديات العمل في مشاريع صغيرة ومتوسطة، أو العمل في قطاعات الإنتاج المختلفة، من بينها تجارة التجزئة وبيع المستلزمات النسائية، وكان هذا المشروع الذي لقي ممانعة كبيرة أحد أهم ما وفره الملك الراحل للمرأة لضمان حصولها على عائد اقتصادي يحررها من الحاجة، ويوفر لها ملاذا آمنا ضد الاستغلال، كما يعطيها الفرصة للمشاركة في التنمية.



فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
TT

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

يرى الدكتور راشد بن عساكر الباحث السعودي أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية، لافتاً إلى أن هناك المئات من الوثائق والأحكام والفتاوى المتشددة ظهرت قبل وبعد قيام الدولة السعودية.

ويشير العساكر في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أقدم وثيقة محلية جرى الوقوف عليها، إذ كُتبت عام 747هـ، 1346م وتُبين شدة التدين والالتزام بالمعتقد والمنهج النبوي وصحابته والسلف الصالح، «ثم نجد ما بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر الهجري/الخامس عشر الميلادي، مئات الوثائق والأحكام والفتاوى والمسائل الشرعية المتبعة للكتاب والسنة النبوية منهجاً وتطبيقاً في المجتمع النجدي، وهى لعدد كبير من علماء نجد».

الباحث راشد بن عساكر

جمع بعضها الشيخ أحمد المنقور (ت 1125هـ / 1713م) في كتابه «الفواكه العديدة في المسائل المفيدة» في مجلدين كبيرين، ومن أبرز العلماء والمُفتين الشيخ أحمد بن عطوة التميمي (توفي 948 هـ / 1541م)، والشيخ العالم قاضى العارض إسماعيل بن رميح العريني (توفي بعد عام 969هـ / 1561م)، والشيخ سليمان بن علي بن مشرف (توفي 1079هـ / 1668م)، والعلامة الشيخ المحقق عثمان بن قائد الحنبلي (توفي عام 1685م) صاحب مؤلفات العقيدة والتوحيد والفقه كنجاة الخلف في اعتقاد السلف، وكتابه التوحيد، والذي اتجه إلى مصر وتولى ريادة المقام الحنبلي والإفتاء بها. ومنهم علماء الدرعية من أسرة الباهلي فقد خرج منهم عدة علماء؛ ومنهم أحمد بن موسى الباهلى، وسليمان الباهلي، وغيرهم، وعالم العارض الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (توفي 1099هـ / 1688م).

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

عشرات العلماء وطلاب العلم في المنطقة جُلّهم ركز على فقْد الأمن والاضطراب السياسي وليس على اندراس الدين ولغة التعميم، كما روّج له ابن غنام ومَن نقل عنه.

يقول شيخ مشايخ علماء نجد، السلفي الحنبلي أحمد بن عطوة التميمي (ت 948هـ / 1541م): «إن كبار نجد المُطاعين في قراهم الحاكمين عليهم، إذا اتفق كل واحد منهم وعدولَ قريته ووجوههم على بيع تركة وقضاء دَين على الوجه الشرعي، فإن الصادر منهم في ذلك أصح وأولى وألزم، وأثبت مما يصدر عن قضاتهم الذين عليهم وعلى تقليدهم دينهم وأموال المسلمين؛ ما يستحق خراب الشريعة، لا أكثر الله منهم, ولا مَن يمضى لأقوالهم وأسأل الله أن يطفئ شرهم عن مذهبنا وعن المسلمين» ( المنقور، الفواكه العديدة: 2/76).

وبنقل ابن عطوة مسائل عدة، ومنها مسائل شيخه أحمد العسكري عالم الشام (توفي عام 910 هـ / 1504م)، بعد سؤاله عن وضع أمراء البلدان النجدية وطريقة حكمهم بلدانهم بقوله: «وسألت شيخنا عن شيوخ بلدنا، بعد أن عرّفته حالهم، فأجاب: حكمهم كغيرهم من السلاطين في سائر الأوطان». (المنقور، الفواكه: 2/194). ثم ضرب مثالاً لواقعة حول جماعة أمَّروا أميراً عليهم من أهل نجد، فذكر أن ولايته صحيحة وحُكمه حُكم غيره من ولاة المسلمين. (الفواكه: 2/194). ويبين مفتي البلاد النجدية الشيخ عبد الله بن ذهلان كثرة قرى بلاد نجد وتعددها، وأن «كل نجد قرى»، وأن الخوف هو السائد في ذلك، بقوله: «إن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه. (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36، 90)».

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وسُئل عن فتوى منع خروج المرأة وامتناعها في حال السفر مع زوجها بسبب الخوف على النفس والمال، فهل تسقط نفقتها إذا رغبت بالمكوث، فأجاب: «فلو خافت إذا سافرت معه، فلها عليه النفقة مع عدم السفر للعذر، سواء كان الخوف على النفس، أو المال، أو هما. والظاهر أن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه» (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36). والجنب: أي الذى يحميك من قبيلتك أو بلدك، من قومك البعيد أو القريب، فقد كانت نجد بلاداً وقبائل في صراعات وخوف فلا ينتقل شخص إلا بوجود شخص يذهب معه لحماية، لكونه من القبيلة نفسها فيدفع له مقابل تلك الحماية.

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وقد عاب علماء نجد ووصفوا بعض الدجالين بأنهم يذكرون أن في بلاد نجد قبراً، كما ردوا على شبهتهم بقبر زيد بن الخطاب بأنه بُني مرتفعاً ووضع على جانب المقبرة، وقد جصّص بالنورة على ظاهره، إنما هو في حماية القبر من اختراق السيل الذى بجواره ضِمن مقبرة شعيب الدم.

وقد استعرض علماء نجد وحرصوا في فتاواهم على الالتزام بالدليل وتتبع السنة واتباع أقوال الأئمة، ومن يستعرض بعض فتاواهم مؤلفاتهم - وليس كلهما - يجد ذلك ظاهراً وبيناً، وأن من يدّعي وجود الشرك وانتشاره فإنما هو كذب ظاهر وتلبُّس بالزور. وردَّ عليه أحد العلماء بقوله: وكيف يكفر مَن يعمرون المساجد بذكر الله وطاعته ولهم جمعة وجماعة ويحرّمون ما حرَّم الله عليهم، ويستحلّون ما أحل الله لهم. وتبيّن لكل ذي عقل أن الذى نسبهم إلى الكفر والشرك كاذب وأنه رمامهم بشيء وهم بريئون».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ولي العهد السعودي يزور مسجد قباء في المدينة المنورة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
TT

ولي العهد السعودي يزور مسجد قباء في المدينة المنورة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)

زار الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مسجد قباء في المدينة المنورة، وأدى ركعتي تحية المسجد.
رافق ولي العهد، الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، والأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز نائب أمير منطقة الرياض، والأمير سعود بن نهار بن سعود بن عبد العزيز نائب أمير منطقة المدينة المنورة، والأمير سعود بن سلمان بن عبد العزيز، والوزراء.


إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

نددت دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك اليوم (الأحد)، بتصريحات أدلى بها سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي، واعتبر فيها أن التقاليد التوراتية تمنح إسرائيل الحق في أراض تمتد على جزء كبير من الشرق الأوسط.

وأجرى الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون مقابلة مع هاكابي، وهو قس معمداني سابق ومن أبرز مؤيدي الدولة العبرية، عيّنه الرئيس دونالد ترمب سفيراً عام 2025.

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

وجاء في بيان مشترك لدول عربية وإسلامية «تعرب وزارات خارجية كل من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية إندونيسيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، والجمهورية التركية، ، ومملكة البحرين، ودولة قطر، والجمهورية العربية السورية، ودولة فلسطين، ودولة الكويت، والجمهورية اللبنانية، وسلطنة عُمان، وأمانات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي عن إدانتها الشديدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، والتي أشار فيها بقبول ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد البيان «الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها».

وكانت السعودية اعتبرت أن تصريحات هاكابي «غير مسؤولة» و«سابقة خطيرة»، فيما رأى فيها الأردن «مساسا بسيادة دول المنطقة" فيما أكدت مصر أن «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية».

ونددت الكويت بالتصريحات التي «تشكل مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي»، فيما شددت سلطنة عمان على أنها تنطوي على «تقويض لفرص السلام وتهديد لأمن واستقرار المنطقة».

واعتبرت السلطة الفلسطينية أن تصريحات هاكابي «تتناقض مع موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

ونشر السفير الأميركي منشورين على منصة «إكس» السبت لتوضيح موقفه بشأن مواضيع أخرى نوقشت خلال المقابلة، من بينها تعريف الصهيونية، لكنه لم يتطرق مجدداً إلى تصريحاته المتعلقة بسيطرة إسرائيل على أراض في الشرق الأوسط.

وجاءت تصريحات هاكابي فيما تكثّف إسرائيل الإجراءات الرامية إلى زيادة سيطرتها على الضفة الغربية التي تحتلها منذ العام 1967.

وأعلنت إسرائيل قبل عقود ضم القدس الشرقية وجزء من مرتفعات الجولان السورية.