يبدو أن الدول التي تدخل عمليات إعادة البناء السياسي والاقتصادي عقب الحروب الأهلية، مكتوب عليها أن تشهد حروبا سياسية لا تقل ضراوة عن المعارك العسكرية التي خاضتها، والولايات المتحدة تعد من أهم هذه النماذج في التاريخ الحديث لمثل هذه الحقيقة، ولكنها بلا شك كانت فيها أكثر ضراوة من غيرها من الدول الغربية الأخرى التي كانت فيها المرحلة الانتقالية من الحرب إلى السلم سلسة بعض الشيء. فبمجرد أن صمتت المدافع وبدأت الأمة تلم شملها، فإن حربا من نوع جديد بدأت تطفو على السطح في العاصمة واشنطن، ولعل القدر رمى بالولايات المتحدة في هذه العاصفة السياسية بسبب مقتل الرئيس الأميركي لنكولن على يد أحد المتشددين في أبريل (نيسان) 1865، فآلت السلطة وفقا للدستور الأميركي إلى نائبه أندرو جونسون (Andrew Johnson)، ولكن هذا الرجل لم يملك المواهب السياسية نفسها التي كان يملكها لنكولن، فهو رجل متواضع الفكر من ولاية تينيسي الجنوبية، وكان السياسي الوحيد الذي انشق عن الجنوب، وأخذه الرئيس لنكولن نائبا له حتى يفتح المجال أمام التسوية السياسية في مرحلة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فالرجل لم يكن خالص النية تجاه أهداف الاتحاد الأميركي، فكانت له بعض الميول التي لم تكن على توافق مع عقيدة المنتصرين الشماليين، كما أنه كان يفتقر للبصيرة السياسية، حاد المزاج، عنيد الطبع، متوتر الأحوال، ناهيك بأنه لا يملك القدرة على المناورة، فهو لم يكن رجل الدولة المطلوب للمرحلة التالية التي تحتاج إلى تضميد جراح الأمة وفرض العقيدة السياسية للمنتصرين الشماليين، التي كانت تتركز في ضرورة إلغاء الرق بكل أشكاله ومنح السود حقوقهم الطبيعية. ولم تكن الولايات الشمالية على استعداد لأن تتفاوض على هذه المبادئ، فقد اعتقد سياسيوها أن انتصارهم العسكري قد حسم هذا الأمر، ومن هنا بدأ الصدام بين الكونغرس المنتخب والرئيس جونسون المعين بحكم الدستور حول سبل التعامل مع الولايات الجنوبية ومسألة حقوق السود ومسؤولية الحرب.
وعلى الرغم من أن جونسون اتبع بشكل عام سياسة لنكولن المتسامحة بعض الشيء، فإنه لم يكن مرنا بما فيه الكفاية لتجنب العواصف والوصول إلى حلول وسط، فلقد رأى أن الولايات الجنوبية جزء من الاتحاد الأميركي على الرغم من إعلانها الاستقلال وبدء الحرب الأهلية.. بالتالي لم تكن هناك حاجة لإعادة إدخالهم في الاتحاد لأنهم لم يخرجوا منه أساسا، من ثم بدأ مرحلة إعادة البناء من خلال عملية تسامح واسعة النطاق بإطلاق العفو العام بشكل أوسع بكثير من العفو الذي قدمه لنكولن، سبيلا للمناورة السياسية، فشمل الأمر القيادات الكونفدرالية، وحتى من لم يشملهم العفو، فقد وضع قراره الجمهوري من الوسائل ما يضمن لهم الحصول على هذا العفو بالتماس مباشر لرئيس الجمهورية.
وفي التقدير أن هذا الأمر على الرغم من أنه كان محمودا في مثل هذه الظروف، فإنه كان سابقا لأوانه، وتم تطبيقه بشكل واسع النطاق، خاصة أن صمت المدافع لم يكن معناه أن الولايات الجنوبية المهزومة قد أقرت المبادئ التي اندلعت بسببها الحرب الأهلية، فعلى الرغم من أن خطته ألغت الرق وانسحاب الولايات الجنوبية من الاتحاد الأميركي، ووضعت نظاما عاما لاختيار القيادات في الولايات الجنوبية، فإنها لم تعالج جذور المشكلات، فلقد ظلت الولايات الجنوبية على موقفها المتمترس خاصة بالنسبة لمسألة حقوق الرق المحرر، حيث أصدرت هذه الولايات ما هو معروف «بالقوانين السوداء (Black Codes)» التي بمقتضاها تم تحجيم الحقوق الأساسية للسود، ومنع الزواج المختلط، ومنعهم من ممارسة حقوقهم السياسية بصفتهم مواطنين متساوين مع ذوي البشرة البيضاء، كما أن بعض هذه القوانين أدى عمليا إلى السخرة في بعض المناطق في هذه الولايات، كذلك، فإن كثيرا من القيادات الجنوبية وجدت طريقها إلى الكونغرس الجديد الذي بدأ يمارس مهامه التشريعية في نهاية عام 1865 وهو ما أدى لرفض عضويتهم من قبل الأغلبية الجمهورية التي سيطرت على هذه المؤسسة، وهي الخطوات التي بدأت تعكس خطورة الوضع.
لقد ضم هذا الكونغرس في عضويته مجموعة من الجمهوريين المتشددين؛ على رأسهم شارلز سامنر، الذين رفضوا تماما أسلوب الرئيس بعد أشهر قليلة من بداية عمل الكونغرس بعدما فشلت كل محاولاتهم للوصول إلى حلول وسط، وقد زادوا من تطرفهم بسبب سوء أحوال السود في الجنوب وحالة العصيان التي بدأت بعض الولايات الجنوبية تعلنها بلا رادع، فلقد رأى هؤلاء أن الولايات الجنوبية ليس لها الحق المطلق في الدخول للاتحاد الأميركي تحت أي ظرف من الظروف، ولكنها في حاجة لتغيير أوضاعها لتقبل العقيدة الجديدة وأسس المساواة في هذه الدولة، وأن الأمر أصبح بحاجة لسياسة قوية لا تسمح بمثل هذا السلوك الضعيف للرئيس وإلا ضاعت كل المكاسب العسكرية للشمال. كما أنهم كانوا على قناعة تامة بضرورة القضاء على الطبقة السياسية التي كانت وراء الكونفدرالية والحرب الأهلية من الأساس.
جاء الصدام الأكبر بين الكونغرس والرئيس جونسون عندما رفض الأخير العمل على تجديد «مكتب المحرَّرين السود» الذي كان يعتني بالرقيق المحررين في الولايات الجنوبية، وهو ما أفقده نسبة كبيرة من تأييد المعتدلين في الكونغرس، فاندلعت الحرب بين البيت الأبيض والبرلمان الأميركي، وهنا قرر الكونغرس إصدار ما عرف بـ«وثيقة الحقوق المدنية» التي تضمنت منح السود ممن ولدوا في الولايات المتحدة كل الحقوق السياسية بما فيها الانتخاب، وذلك في محاولة للقضاء على «القوانين السوداء» في الولايات الجنوبية. وقد استخدم الرئيس الأميركي حق النقض لعرقلة صدور هذه الوثيقة في خطوة سياسية أعلن بها الحرب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة، وقد استخدم الرئيس الأميركي حق النقض مرارا لعرقلة جهود الكونغرس الأميركي، ولكن ليس في عصب السبب الذي اندلعت بسببه الحرب الأهلية الأميركية، مما اضطر الكونغرس لتقديم ما عرف بـ«التعديل الرابع عشر للدستور» الذي تضمن سحب حق الولايات في منح أو سحب الجنسيات عن السود، وفرض عليهم الالتزام بالمبادئ العامة للدستور بشأن الحقوق المدنية، وقد تم إقرار هذا الأمر بكل قوة ضد الرئيس ورغباته.
وقد احتدمت المعركة بين الرئيس جونسون والكونغرس؛ حيث قرر الأخير تولي مسؤولية إعادة البناء من خلال سلسة من القوانين التي بدأت تنظم الأمر بشكل بدأ يعزل الرئيس عن هذه العملية، إلى الحد الذي منح معه الكونغرس الجيش الأميركي حق تطبيق كل الحقوق السياسية بالقوة العسكرية. وهنا برز القرار الذي أعطى للحاكم العسكري صلاحيات عامة وقوية لتطبيق قوانين الكونغرس الأميركي وحماية الحقوق والملكية الفردية، بما في ذلك المحاكم العسكرية، كما حصن الكونغرس موقفه في هذه الحرب السياسية والقانونية بعدد من التشريعات التي كفلت له المنعة القانونية، وعلى رأسها حقه في إقرار تعيين القيادات العسكرية في البلاد، وعندما أراد جونسون أن يغير وزير الحربية ستانتون الذي كان رافضا لتوجهاته، تدخل الكونغرس وأعلن الحرب المفتوحة على الرئيس الأميركي مباشرة في أول محاولة لعزل (Impeachment) رئيس أميركي منتخب. وقد قدم الكونغرس في هذا الإطار عريضة تتضمن 11 تهمة للرئيس تتمحور حول عرقلته للكونغرس وعمله، ورفضه الانصياع للتشريعات الصادرة، والالتفاف حول هذه القرارات بإقرار التعيينات السياسية وعلى رأسها وزير الحربية. وقد شكل مجلس الشيوخ في الكونغرس أول محاكمة علنية لرئيس أميركي في التاريخ.
بدأت محاكمة الرئيس جونسون وسط جو مشحون من المشاهدين والصحافيين ورجال الأعمال، وقد رأى محامو الرئيس ضرورة عدم ظهوره في هذه المحاكمة بسبب سوء سلوكه وعصبيته الشديدة؛ حيث خشوا انفلات أعصابه وهجاءه العلني للكونغرس، بما سيحسم الأمر ضده، فيتم عزله على وجه السرعة. وحقيقة الأمر أن الجمهوريين لم يكونوا على يد رجل واحد، فلقد كان بعضهم متحفظا على هذه الصدمة السياسية التي ستصيب الوطن ونظامه السياسي بعد حرب أهلية ممتدة، بالتالي بدأ محامو الرئيس يركزون جهدهم على هؤلاء الجمهوريين، وبعد مداولات استمرت من مارس (آذار) وحتى نهاية مايو (أيار) 1867، فشل مجلس الشيوخ في إقرار اتهام الرئيس بأغلبية الثلثين بسبب صوتين لاثنين من الجمهوريين ذهبا لصالحه، فجاءت نتيجة التصويت 35 مقابل 17، وهو ما سمح للرئيس بالاستمرار في منصبه بفارق صوت واحد فقط بعدما تعهد سرا لعدد من الجمهوريين بأنه لن يعرقل جهود وتشريعات الكونغرس، ولكن المحاكمة نزعت صلاحيات الرئيس من الناحية العملية وكشفته سياسيا في الأوساط الأميركية، فلم يعد قادرا على مواجهة الكونغرس رغم نجاته من العزل.
وقد حاول جونسون الترشح لفترة رئاسة ثانية، ولكنه لم يستطع الفوز في التصفيات النهائية، ولكنه عاد فرشح نفسه لعضوية مجلس الشيوخ وفاز فيها ليصبح أول رئيس أميركي يصل للجهاز التشريعي بعدما كان رئيسا.
ومنذ ذلك التاريخ تولى الكونغرس مسؤولية لم الشمل بأساليبه السياسية والقسرية في الجنوب الذي بدأ يذعن للقوة العسكرية للجيش الاتحادي ولكن ليس بلا مقاومة، وهنا ظهرت لأول مرة عصابات «الكو كلاكس كلان» الشهيرة التي دأبت على محاربة حقوق السود وتعذيبهم بشكل مباشر، وهنا تدخل الجيش مرة أخرى بمنتهى القوة ضدهم، كما تولى الكونغرس مسؤولية إعادة الإعمار من خلال عمليات واسعة النطاق لبناء شبكة الطرق والمدارس خاصة للرق المحررين، كما تم شمول كثير منهم في العملية السياسية بقوة القانون، وبعد فوز بطل الحرب الأميركية الجنرال يوليسيس جرانت برئاسة الجمهورية، بدأ الرجل يظهر نوعا من التناغم مع الكونغرس ساعد في عملية إعادة بناء البيت الداخلي الأميركي بشكل أسرع، حتى وإن لم تكن رئاسته السياسية للولايات المتحدة على القدر نفسه لتاريخه العسكري.
تعكس هذه المعركة السياسية الأميركية بعد الحرب الأهلية حقيقة أساسية شهدتها أغلب الحروب الأهلية، وهي أن الطرف المنتصر عسكريا يقوم بفرض عقيدته ولو بقوة السلاح مرة أخرى، وهنا فرض الشمال على الجنوب تقبل العقيدة الحرة ليس فقط بمنع الرق، ولكن بمنح الرقيق المحرر حقوقه السياسية، وهي المعركة التي يرى البعض أن الولايات المتحدة لا تزال تحارب بقاياها إلى اليوم؛ ومن المتوقع في مثل هذه الحالات أن يستخدم المنتصر قوة السلاح والوسائل القسرية لتطبيق المبادئ التي انتصر من أجلها عسكريا، وهنا لم يخرج الجيش الأميركي الاتحادي من الحلبة السياسية بعد الحرب الأهلية، ولكنه ظل جزءا أساسيا لتنفيذ العقيدة الجديدة بفرض الحقوق المدنية للسود، وهو الخيار نفسه الذي استخدمه الرئيس كيندي بشكل محدود للغاية لفتح المدارس أمام السود في ولاية ميسيسيبي عام 1962، ويبدو أن الحروب الأهلية لا تنتهي بصمت الرصاص، ولكن بكسر عزيمة الفئة المغلوبة حتى لا تمد حربها بأشكال مختلفة وتهدد الكيان الجديد للدولة.
من التاريخ: الحرب الأهلية السياسية في الولايات المتحدة
من التاريخ: الحرب الأهلية السياسية في الولايات المتحدة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
