القطاع المنكوب

الغزاويون ودعوا الحرب على وعود وردية.. ووجدوا أنفسهم من حصار إلى حصار

القطاع المنكوب
TT

القطاع المنكوب

القطاع المنكوب

لا إخوة لك يا أخي..
لا أصدقاء يا صديقي..
لا الماء عندك.. لا الدواء.. ولا السماء..
ولا الدماء.. ولا الشراع..
ولا الأمام ولا الوراء..
من قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش.. تعبر عن حال الغزيين في القطاع «المنكوب» بالأزمات المتتالية، والذين عبر كثير منهم عن الواقع بقوله «حياة من قلة الموت». ويمكن وصف حياة الغزيين في هذه الأيام بالحياة «البدائية» وهم يجربون كل أنواع الحرمان، من الكهرباء والماء والوقود والغاز والرواتب وأشياء كثيرة أخرى.
كان صباح باسل سالم 29 عاما من سكان بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يوم الثلاثاء، مثل غيره من الصباحات. لكنه أفاق على خبر أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) أوقفت المساعدات للمتضررين.
لم يملك باسل سوى أن يضحك وهو لا يجد أيضا في منزله كهرباء أو ماء أو غازا ووقودا كافيا. ربما كان يضحك من فرط الخيبات المتتالية، ولأنه لا يجد أي أفق لحل كل هذه المشكلات.
وقال باسل لـ«الشرق الأوسط»، «ما أستطيع أن أقوله إن الحياة في غزة جهنمية ومأساوية وأزماتها تزيد مع كل يوم يطل علينا». وأضاف «حقيقة لا نعرف كيف وإلى متى سنتحمل كل هذا الأذى الذي يشل حياتنا». وتابع: «الأزمات كبيرة وتزداد، من جهة الكهرباء ومن جهة المياه وليس بأقل من ذلك أزمات الصحة والتعليم والمعابر والغاز وغيرها».
ويقول باسل «منذ أكثر من 7 أعوام ونحن نعيش بلا كهرباء فلا نراها في منازلنا سوى 6 ساعات وفي أحسن الأحوال 8 وفي أغلب الأحوال تصل إلى 4 ساعات فقط وكل ذلك يؤثر على وصول المياه لمنازلنا ما يضطرنا لشراء وقود لاستخدامه لتشغيل مولدات الكهرباء.. إنها معاناة مركبة».
ويعمل باسل في إحدى الدوائر الحكومية، وطبعا مثل غيره كثيرين لم يتلق راتبه منذ أشهر طويلة، وهو ما يجعل من حياته مأساوية بامتياز إذ لا يجد في معظم الوقت ما يسد به رمق عائلته. وقال باسل إنه «يشعر بأنه يسير في نفق مظلم كبير لا يرى نهايته». وأردف «حياتنا هنا تسير بالتصبير».
يحتاج قطاع غزة يوميا إلى أكثر من 600 كيلو وات من الكهرباء ولا يتم توفير أكثر من 250 كيلو فقط نتيجة نقص الوقود وقدرات الإنتاج، كما يحتاج إلى 500 طن من الغاز ويدخله من 200 طن أقصى حد، ويحتاج إلى 700 ألف لتر وقود، وتتأثر الكميات التي تدخله بالوضع السياسي والأمني إذ تتحكم إسرائيل بعمل المعابر.
وطبعا ليس هناك من يملك عصا سحرية أو عادية أو حتى يضع خطة قصيرة الأمد أو بعيدة لحل كل هذه الإشكاليات الحياتية والتي يضاف إليها مشكلات سيادية وأمنية.
تقول حكومة التوافق التي يفترض أنها تحكم قطاع غزة بعد اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، إن «الحلول تكمن في تمكينها من الحكم وإن حماس لا تسمح لها بذلك»، وتقول حماس إن «حكومة الوفاق تبتز القطاع ولا تعيره أي اهتمام».
وأعلنت حكومة الوفاق، بصراحة، أنها لن تكون قادرة على حل مشكلات قطاع غزة من دون تسلم مهامها وبسط سيطرتها عليه، فيما ردت حركة حماس باتهامها بـ«الانقلاب» على اتفاق المصالحة الفلسطينية.
وقالت الحكومة في بيان إنها «لن تتمكن من القيام بدورها كاملا في قطاع غزة بسبب استمرار وجود بعض العوائق أمام عملها»، وأضافت أنها «لن تستطيع القيام بدورها دون تمكينها من أداء مهامها كاملة في غزة، دونما عوائق وعراقيل يضعها أي فصيل».
وذكرت الحكومة أنها ستعمل، حال تمكينها من القيام بدورها ومهامها ومسؤولياتها في غزة، على معالجة كل المشكلات الناجمة عن الانقسام «وفقا لخطط الحكومة وإمكانياتها، بما في ذلك مشكلة الموظفين الذين عينتهم حكومة حماس المقالة بعد 14 يونيو (حزيران) عام 2007». مشيرة إلى أنه في حال تمكين الحكومة من تسلم المعابر دون منازع، فإنها ستتمكن من فرض حضورها وسيطرتها، وتحمل مسؤولياتها تجاه عملية إعادة الإعمار، وهو ما سيشجع الدول المانحة على الوفاء بالتزاماتها في مؤتمر القاهرة الخاص بإعادة الإعمار.
وأكدت الحكومة وجود «عوائق كثيرة» ما زالت تعترض عملها في غزة، وأهمها عدم قدرتها على تنفيذ قراراتها بسبب عدم وجود قوة أمنية مدنية تابعة لها، بالإضافة إلى مشكلات أخرى تخرج عن اختصاصات الحكومة، ومن أهمها قوى الأمن والقضاء والنيابة العامة. كما دعت الحكومة في بيانها إلى إيجاد الحلول الملائمة لها وفقا لاتفاق القاهرة، وحسب ما يتم الاتفاق بشأنه بين الفصائل في إطار استكمال عملية المصالحة وتوحيد المؤسسات غير الحكومية.
وردت حركة حماس على بيان الحكومة باتهامها بـ«الانقلاب» على اتفاق المصالحة الفلسطينية، مهددة بالبحث عن بدائل لهذه الحكومة.
وفيما تقول حماس إن «حكومة الوفاق هي المسؤولة عن القطاع، وإنها ستعطيها فرصة لتصويب الأوضاع فإنها تضع خططا لإدارة القطاع مستقبلا».
وتشكلت حكومة الوفاق مطلع يونيو الماضي بموجب تفاهمات بين حركتي فتح وحماس لإنهاء الانقسام الداخلي المستمر بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ منتصف عام 2007. غير أن الحكومة تواجه انتقادات مستمرة من قبل حركة حماس بدعوى أنها لم تعمل على توحيد المؤسسات مع القطاع، كما أنها لم تصرف موازنات تشغيلية ورواتب للموظفين بشكل منتظم.
وعقب الصحافي محمود أبو عواد قائلا: «بصراحة نحن لا نعرف من الذي يحكمنا الآن».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» «بشكل أدق إحنا مش فاهمين».
وثمة خلافات كبيرة بين حكومة الوفاق وحماس حول عمل رجال الأمن الوزارات وقرارات إدارية وقضائية ومالية.
وكثيرا ما يجد المواطن الغزي نفسه تائها بين تعليمات تصدر من رام الله وأخرى من غزة.
وقال أبو عواد «ما يعيشه الناس هنا أسوأ من الحصار».
وأضاف «لم يختبر الناس حياة أصعب على مدار عشرات السنوات الماضية».
ولا تتذكر ندى أبو شعبان (26 عاما) من سكان حي تل الهوى بمدينة غزة، أنها جربت أوضاعا أكثر قساوة مما تختبره الآن.
وقالت لـ«الشرق الأوسط» «أنا كسيدة بيت لا أستطيع تنفيذ كثير من الأعمال المنزلية بسبب أزمة الكهرباء ونواقص أخرى كثيرة».
وأضاف، «يسمح لنا بـ4 ساعات كهرباء ونصف جرة غاز كل شهر، ونصف راتب.. الحياة أصبحت لا تطاق ولا يمكن تحملها».
وتابعت، «زوجي موظف في السلطة الفلسطينية تقاضى هذا الشهر 60 في المائة من راتبه بمعدل 500 دولار فقط، دفعنا منها 250 دولارا إيجار بيت وبعض الفواتير وديون أخرى ولم يبق لنا إلا القليل ولا نعرف ماذا سيحدث بعد ذلك».
وأردفت «حقيقة لا نعرف أين نحن ذاهبون في هذه الحياة.. لهذه الأسباب كثير من أقربائنا حاولوا الهجرة وفقدنا بعضا منهم في عرض بحر المتوسط.. نحن هنا نعيش مخنوقين.. صاحب الوظيفة يشتكي وصاحب العمل الخاص يشتكي وصاحب بسطة الخضرة في السوق يشتكي، الكل يشتكي ولا أحد يحكم ويعالج».
وفيما تبدو السلطة من جهة وحماس من جهة ثانية عاجزتين عن حل مشكلات الناس، كان كثيرون من الذين تحولوا إلى لاجئين جدد بفعل الدمار الإسرائيلي في الحرب الأخيرة، يعيشون على مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا، ولكن يبدو أنهم مقبلون على معاناة أكبر.
وأعلنت الأونروا الثلاثاء أنها مضطرة لوقف تقديم المساعدات المالية للمدمرة بيوتهم أو بدل الإيجارات بسبب نقص التمويل.
وقالت الأونروا في بيان لها تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه «إنها توقف مضطرة تقديم المساعدات المالية للمتضررين من الحرب الأخيرة لإصلاح بيوتهم وأيضا بدل الإيجارات حيث إن أموالها نفدت تماما».
وأكدت الأونروا أنها حصلت على 135 مليون دولار فقط من أصل 724 مليون طلبتها أثناء مؤتمر الأعمار في القاهرة، موضحة أن التعهدات من مؤتمر الإعمار لم تصل حتى الآن في حين بلغ عدد البيوت المدمرة للاجئين الفلسطينيين 96 ألف بيت في غزة وأن الأونروا قدمت 77 مليون دولار لـ66 ألف أسرة حتى الآن لإصلاح منازلهم وكبدل للإيجارات.
وقال مدير عمليات الأونروا روبرت تيرنر: «إن المعاناة في غزة في هذا الشتاء مستمرة والناس لا تزال تنام بين الركام والأطفال يموتون من البرد»، مؤكدا أن تعهدات الدول المانحة في مؤتمر القاهرة لم تصل وهذا غير مقبول ومثير للإحباط.
وأضاف أنه «من غير الواضح لماذا لم تصل أموال الأعمار حتى الآن»، موضحا أن الأونروا التي تعتبر عامل استقرار في المنطقة في هذا الوقت الحرج تحذر من النتائج الخطيرة لهذا النقص الخطير في التمويل.
وتابع «المجتمع الدولي لا يستطيع توفير الحد الأدنى وعلى سبيل المثال إصلاح بيت في الشتاء أو رفع الحصار أو الوصول إلى الأسواق وحرية الحركة لسكان غزة».
وأردف «قلنا مسبقا إن الهدوء الحالي لن يستمر طويلا ونقول اليوم إن الهدوء في خطر».
وأكد تيرنر أن الأونروا بحاجة إلى 100 مليون دولار خلال الربع الحالي من هذا العام لإصلاح المنازل المدمرة ودفع بدل الإيجارات.
وعبر تيرنر عن القلق من أنه في حال عدم تمكنها من دفع تلك الأموال سيعود المهجرون إلى مراكز الإيواء التابعة لها مجددا.
ويفاقم قرار الأونروا من معاناة الغزيين ويزيد الضغط عليهم بشكل كبير.
ويعيش في مراكز الإيواء التابعة للأونرا حاليا عشرات آلاف من الفلسطينيين الذين تهدمت منازلهم بفعل العدوان الإسرائيلي الأخير، فيما تدفع الأونروا بدلات إيجار لعشرات آلاف آخرين فقدوا منازلهم.
وفورا عدت حماس قرار الأونروا بأنه صادم للغاية ومن شأنه مفاقمة معاناة غزة وتكريس لمأساة آلاف الأسر المشردة والمدمرة بيوتهم.
ودعا فوزي برهوم الناطق باسم حركة حماس في بيان، الأونروا أن تعي خطورة هذا القرار، وأن تستخدم كل صلاحياتها كمؤسسة دولية تعنى بشؤون اللاجئين في الضغط على الدول المانحة والمجتمع الدولي من أجل الوفاء بتعهداتهم من أجل إعمار القطاع.
واتهم برهوم «الرئيس محمود عباس أيضا يتحمل مسؤولية كبيرة عن هذه النتائج الخطيرة وعمل على منع وصول المساعدات وأموال الإعمار إلى مستحقيها».
وناشد برهوم كل الدول التي اجتمعت في شرم الشيخ بالعمل فورا على دفع جميع المستحقات المالية التي تعهدوا بها حتى يتم إنهاء معاناة سكان القطاع.
وعلميا لم تدفع الدول المانحة أي فلس بسبب عدم التوافق الفلسطيني الداخلي، ولأن الأموال كانت مرهونة باتفاق دائم مع إسرائيل وعودة السلطة إلى حكم القطاع. ولم يتحقق أي من هذين الشرطين. وفي هذا الوقت يستمر إغلاق معبر رفح مع مصر وهو بوابة الغزيين الوحيدة للعالم.
ويجد كثير من العائلات والطلبة والمرضى بأن حياتهم توقفت بسبب إغلاق المعبر.
كما تغلق إسرائيل معظم المعابر الأخرى وتتحكم في كل كبيرة وصغيرة، إضافة إلى سيطرتها على المياه الإقليمية.
ويمكن القول إن الغزيين يعيشون حصارين الآن، أحدهما خارجي والآخر داخلي.
وقال محمد الأطرش 33 عاما من سكان البريج وسط قطاع غزة «غزة من سيئ لأسوء، وفي كل يوم هناك أزمة جديدة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» «أزمة كهرباء، أزمة معابر أزمة مياه أزمة وقود أزمة غاز أزمة رواتب أزمة سكن أزمة إعادة إعمار وأزمة أكبر بين فتح وحماس».
ووصف الأطرش الحياة في غزة بالصعبة، وقال إنه لا يرى في الأفق المنظور أي حلول ممكنة.
وأردف «الأزمات تتوالى وترتبط كل واحدة بالثانية، الوضع في غزة مثل أحجار الدومينو بالضبط، أي حجر يقع تقع باقي الحجار وهكذا في حلقة متكررة».

لكن ما الخيارات؟
حماس تقول إن على الحكومة تحمل مسؤولياتها وإنها سلمت الإدارة لها. والحكومة تقول إن حماس لم تمكنها من السيطرة على غزة وما زالت تحكم هناك عبر رجالاتها.
وتبدو خيارات الطرفين ضيقة وصعبة ومحدودة. إلا أن حماس تهدد يوميا بانفجار جديد. لكن يعتقد كثير من المراقبين أن خياراتها معدومة، إذ إن عودتها للحكم في غزة يشبه الانتحار وتفجير مواجهة جديدة مع إسرائيل انتحار حقيقي.
اما الناس، فإنهم لا يعرفون وليس لديهم أي أمل حقيقي بالتغيير.
وأغلب الظن أن فقدان الأمل هو الذي قاد يوسف أبو جامع، (50 عاما)، من سكان مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، إلى محاولة إحراق نفسه قبل أيام قليلة.
وحاول أبو جامع إحراق نفسه داخل مركز أحد مراكز الإيواء، التي يعيش فيها منذ هدم الجيش الإسرائيلي منزله، خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
وقال شهود عيان إن أبو جامع سكب وقودا على جسده وصعد إلى أحد الأماكن العالية ليهم بإحراق نفسه ومن ثم يلقيها، لكن تدخل أفراد من الشرطة، والدفاع المدني حال دون ذلك إذ سيطروا عليه ونقلوه إلى المستشفى.
وكأن قطاع غزة لم يكتف بكل هذه المآسي حتى يضاف إليها مشكلة الفلتان الأمني.
وخلال الشهور القليلة الماضية شهد القطاع مجموعة من التفجيرات لمنازل ومكاتب وخلافات وتبادل للنار ومظاهرات وقطع رواتب جديدة وإرسال رسائل تهديد لعشرات المسؤولين والقادة والاعتداء على بعضهم، على خلفية خلافات فصائلية وخلافات داخلية.
لم يكن هذا مطلقا ما حلم به الناس بعد حرب دامية استمرت 50 يوما اختبروا خلالها كل أنواع الموت والحرمان والخوف والألم. لقد وعدوهم بالحرية كاملة وميناء بحري ومطار دولي ووحدة وطنية وحكومة واحدة ودولة فلسطينية كاملة عاصمتها القدس على مرمى حجر، لكن ظل كل ذلك بالنسبة للذين صدقوه مجرد أحلام معلقة، فيما الحقيقة أنهم انتقلوا من حصار إلى حصارين.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».