أوروبا تضغط على منتجي اللقاحات بالقضاء

بسبب التأخر في تسليم الجرعات

منتجو اللقاحات غير قادرين على تلبية الطلب الأوروبي (إ.ب.أ)
منتجو اللقاحات غير قادرين على تلبية الطلب الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

أوروبا تضغط على منتجي اللقاحات بالقضاء

منتجو اللقاحات غير قادرين على تلبية الطلب الأوروبي (إ.ب.أ)
منتجو اللقاحات غير قادرين على تلبية الطلب الأوروبي (إ.ب.أ)

مع العراقيل المتتالية التي تعترض سلسلة إمدادات اللقاحات في الاتحاد الأوروبي يوماً بعد يوم، تئنّ المنظومات الصحية في معظم البلدان الأوروبية تحت وطأة موجة وبائية جامحة تزداد تعقيداً وخطورة بسبب السلالة، أو الطفرة، الفيروسية سريعة السريان لـ«كورونا» التي ظهرت في بريطانيا، والتي ترجّح بيانات حديثة أنها ليست أسرع انتشاراً من السلالات الأولى فحسب، بل قد تكون أشد فتكاً منها بنسبة 30% بين المصابين الذين تجاوزوا الستين من العمر.
وفيما كانت المفوضية الأوروبية تحاول منذ أيام طمأنة الدول الأعضاء بأن التأخير الذي أعلنت عنه شركة «فايزر» لتسليم لقاحها في الأسابيع المقبلة سيتمّ تعويضه قبل نهاية الفصل الأول من هذا العام، استدعت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، كبار المسؤولين في شركة «أسترازينيكا» لاجتماع طارئ اليوم (الثلاثاء)، في بروكسل لمعرفة تفاصيل الأسباب التي حدت بها إلى الإعلان أول من أمس (السبت) عن عدم قدرتها على تسليم أكثر من 60% من الجرعات الموعودة حتى نهاية مارس (آذار) المقبل.
وتتعرّض المفوضية الأوروبية منذ أيام لضغوط من بعض الدول الأعضاء المتضررة من تأخير تسليم اللقاحات، لمقاضاة الشركات أمام المحاكم بتهمة عدم الوفاء بشروط العقود المبرمة معها، وإلحاق الضرر بالصحة العامة والاقتصاد الوطني نتيجة التأخير الحاصل في حملات التلقيح.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي قد عقد اجتماعاً طارئاً أمس (الأحد)، مع هيئة إدارة الأزمة الصحية بعد أن تأكدت الأنباء بتأخير وصول اللقاحات، وأعلن في نهايته أن الحكومة مضطرة لإعادة النظر في خطة التطعيم متوقعاً خفضها إلى النصف في الفصل الأول من هذا العام. وقال كونتي الذي تواجه حكومته أزمة أغلبية برلمانية قد تطيح به في غضون أيام: «إن التأخير في تسليم اللقاحات ليس مقبولاً بأي شكل من الأشكال، وهو انتهاك خطير لشروط العقد الموقّع من المفوضية، ويُلحق أضراراً صحية واقتصادية ضخمة بإيطاليا التي وضعت خطتها للتطعيم استناداً إلى التعهدات المقطوعة في العقود المبرمة بين الشركات والمفوضية الأوروبية بالنيابة عن الدول الأعضاء». وأضاف أن «الحكومة قررت رفع دعوى أمام المحاكم الإيطالية ضد شركتي (فايزر) و(أسترازينيكا) التي أعلنت عن خفض كمية الجرعات اللقاحية الموعودة في الفصل الأول من العام الجاري، علماً بأن لقاحها لم يحصل بعد على موافقة الوكالة الأوروبية للأدوية».
ولا يستبعد مسؤولون في المفوضية الأوروبية، تحدثّت إليهم «الشرق الأوسط» في اليومين الماضيين، صحة الشكوك التي ترجّح ألا يكون تأخير تسليم كميات اللقاح الموعودة عائداً لمقتضيات تعديل وسائل الإنتاج وتطويرها كما تزعم الشركتان، بل لأنها وقّعت في العقود على تسليم كميّات لا تملك القدرة على إنتاجها في المواقيت المحددة، أو ربما لأنها وقّعت لاحقاً عقوداً مع جهات أو دول أخرى لتسليمها جرعات لقاحية بأسعار أعلى.
الموقف الأوروبي الأكثر تشدداً حتى الآن هو الذي اتخذته إيطاليا التي تتصدّر بلدان الاتحاد في حملات التلقيح، والتي كانت قد أخفقت في إقناع المفوضية باعتماد معيار إضافي لتوزيع الجرعات على الدول الأعضاء يراعي القدرة على توزيعها إلى جانب عدد السكان.
ومن جهته، صرّح رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال أمس (الثلاثاء)، بأن الاتحاد سيلجأ إلى كل الوسائل القانونية المتاحة بهدف إلزام شركات الأدوية احترام الاتفاقات المبرمة لتسليم كميات اللقاحات في مواعيدها.
وفيما ترجّح مصادر دبلوماسية أوروبية في بروكسل أن تحذو فرنسا وألمانيا وإسبانيا حذو إيطاليا بإحالة الشركتين المذكورتين إلى القضاء، ولو من باب الضغط الاستباقي على الشركات الأخرى ومنعاً لحدوث مفاجآت مماثلة في الأشهر المقبلة، دعت المفوضية الدول الأعضاء إلى الحذر والتريّث قبل اللجوء إلى القضاء، لأن العقود الموقّعة مع الشركات المنتجة تنصّ على تسليم جرعات اللقاحات بكميّات فصليّة، وبالتالي لا بد من الانتظار حتى نهاية الفصل الأول من العام لتحديد الكميّات التي يتأخر تسليمها.
ويتوقع خبراء المفوضية الأوروبية في ضوء التأخير المعلن عن تسليم كميات اللقاحات الموعودة أن تضطر معظم الدول الأعضاء لخفض الأهداف التي وضعتها في حملات التطعيم التي يرجّحون أن تقتصر حتى نهاية الفصل الأول من العام الجاري على الأطباء وأفراد الطواقم الصحية والذين تجاوزوا الثمانين من العمر، وربما الذين تجاوزوا الخامسة والسبعين ويعانون من أمراض مزمنة. أما الذين تجاوزوا الستين والمدرّسين وأفراد قوى الأمن والسجناء فكان مقرراً تطعيمهم خلال الفصل الأول من العام، فلا بد أن ينتظروا إلى المرحلة الثانية.
من جهتها أفادت الوكالة الأوروبية للأدوية بأن اللجوء إلى المصانع الوطنية لتعويض التأخير في تسليم الجرعات الموعودة ممكن، لكنه يقتضي فترة لا تقلّ عن خمسة أشهر لتجهيز المصانع بالمعدات والأجهزة والمواد اللازمة لإنتاج هذه اللقاحات الجديدة.
وإلى جانب العراقيل والتعقيدات التي تؤدي إلى تعثّر حملات التطعيم في بلدان الاتحاد الأوروبي، من تأخير وصول اللقاحات إلى صعوبات حفظها وعدم توفّر المهارات الفنيّة الكافية لتوزيعها، يواجه بعض الدول مخالفات متزايدة لتجاوز المواقيت والمعايير المحددة لتوزيع اللقاحات وفقاً للأولويات الصحية المعتمدة.
وفي إيطاليا قدّر جهاز الشرطة المكلّف مراقبة حملات التطعيم أن 25% من اللقاحات التي تمّ توزيعها في بعض مناطق الجنوب، مثل مدينة باليرمو عاصمة جزيرة صقلية، أُعطيت لأشخاص ليسوا مدرجين على قوائم الفئة الأولى الأكثر تعرّضاً. وفي إسبانيا أُفيد يوم السبت بأن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الجنرال فيّارويا، قدّم استقالته من منصبه بعد أن كُشف أنه وعدداً من كبار الضبّاط تحت إمرته قد تناولوا اللقاح رغم أنهم ليسوا ضمن فئات الأولوية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended