عزيزة الطائي: الأدب الخليجي أصبح أكثر وعياً بالواقع وتفاعلاً مع القضايا الإنسانية

الناقدة العمانية تقول إن هناك كاتبات لم يكملن مسيرتهن بسبب الأعراف الاجتماعية

عزيزة الطائي
عزيزة الطائي
TT

عزيزة الطائي: الأدب الخليجي أصبح أكثر وعياً بالواقع وتفاعلاً مع القضايا الإنسانية

عزيزة الطائي
عزيزة الطائي

ترى الناقدة العمانية عزيزة الطائي، في هذا الحوار، أن وظيفة المثقف ليست الاعتراض والضدية بقدر ما هي تهدف إلى تشخيص الخلل في المنظومة الاجتماعية والثقافية، كما تحدثت عن القيود التي تعاني منها المرأة العربية، بخاصة الكاتبات، اللواتي لم يستطع كثير منهن مواصلة مسيرة الكتابة بسبب قيود الزواج والأعراف الاجتماعية.
هنا نص الحوار معها بمناسبة صدور كتابها «السرد في قصيدة النثر العمانية»:

> تؤكدين في كتابك الجديد أن قصيدة النثر استطاعت تحطيم الثوابت المستقرة... كيف ذلك؟
- بكل ثقة واطمئنان أقول ذلك من خلال تتبعي وقراءتي ودرسي لمجموعة من النصوص لعدد من الشعراء في هذه البقعة من الوطن العربي الكبير، فقد لاحظتُ من خلال تتبعي أن قصائد النثر في عُمان منذ بدايتها، حتى الآن، تشكل بحد ذاتها منظومة تستحق الدرس، إضافة إلى ما تميز به خطابها من أنساق ثقافية يلتقي في كثير منه مع السياق الثقافي الذي تشكلت فيه قصيدة النثر العربية. وقد اهتديت وأنا أحلل مضامينها إلى ضروبٍ من دواوين لشعراء تجسد قصائدهم هذا التفاعل بين الشعري والسردي في آن، وتبين لي قدرة الشاعر العُماني، وجرأته على الخوض في غمار التجريب والتحديث. فجاءت القصيدة مشحونة برؤى الحياة، وخلخلة القيم المتوارثة مع نسيج السياق الثقافي العربي. هكذا سعى شاعر قصيدة النثر في عمان واجتهد، فتجددت نصوصه مع عاصفة تغير بُنى القصيدة وإعادة بناء خصائصها الفنية، وإنتاج «ثيماتها الموضوعاتية» التي تتسق مع الحياة العصرية، بل إنها جاءت لتدمير هذه القوالب التقليدية بشكل يتماهى مع رغبة الشاعر في تدمير كل ما من شأنه أن يقف دون حياة الإنسان بلغة تستوعب الجروح المعاصرة والضياع الوجودي والفراغ المفضي إلى حدود العدمية لتتجلى المعاناة الإنسانية، كمنجز يخوض معاركه من أجل ترسيخ خطاب شعري لا يؤمن بالتجنيس المنغلق والأحادي الرؤية، بل على العكس بكتابة شعرية حداثية هجينة تستمد معطيات شاعريتها من القصة، والمسرحية في تداخل إيجابي يعصف ببنية الخطاب الشعري التقليدي.
> من خلال متابعتك للمشهد الإبداعي الخليجي، هل هناك اختراق لـ«المعوقات» التي تحد من حرية الإبداع بالنسبة للمرأة، والتي يسميها البعض «ثوابت المجتمع»؟
- بلا شك هناك العديد من المعوقات التي لا تزال الكاتبة تعاني منها، كما أن هذه الثوابت الاجتماعية أثرت في تشكلها، ليس على مستوى الحضور الإبداعي للمرأة الخليجية بشكل عام، بل على المضامين والموضوعات التي كتبت فيها من جهة، وانكفاء كاتبات كثيرات عن إخراج أعمالهن الإبداعية من جهة أخرى لأسباب عديدة أقلها رغبة الأهل وضغوط الزوج. والدليل على ذلك أن الكثير من التجارب النسائية توقفت عند أول إصدار لها إما بسبب الثورة على منجزها الذي أخرجته لأنه اخترق نسيج المجتمع، أو ارتباط الكاتبة في عمر مبكر، ما ساعد على توقف إبداعها. ومن جانب آخر نجد المبدعة صارت تنحت ذاتها شعراً وسرداً أكثر من التفاتها لقضايا اجتماعية أخرى، مما قادها إلى إهمال قضايا سياسية أبرز، واقتصادية أهم، لا يزال المجتمع الخليجي يعاني منها، إثر التحولات التي اخترقت نسيجه على مستويات عدة. عموماً الأمر بحاجة إلى تشخيص لواقع حال الكاتبة بشكل عام بالتعزيز من حضورها، وبالدعم والتشجيع وتوعية المجتمع بأهمية تمكين إبداع المرأة على كافة الأصعدة.
> إلى أي حد حملت روايتك «أصابع مريم» هذا الرفض للأفكار التقليدية التي تكبل المرأة العربية، وتفرض الوصاية عليها؟
- من الصعب الحديث عن رؤية الكاتب لمنجز إبداعي كتبه، ولكن سأضع نقاطاً موجزة لفتح قوس لبعض القضايا المثارة في متن الرواية. فرغم اكتظاظ «أصابع مريم» بصوت الأنثى الشرقية بصورة عامة. فالخطاب السردي الذي اتكأت عليه هو خطاب يحمل لقارئها سيلاً متدفقاً من أصوات النساء اللاتي يمثلن صورة ليست ببعيدة عن واقع المرأة العربية بشكل عام حتى لو انطلقت من البيئة العمانية، لذلك نجد اللغة مشحونة بالألم والوجع، الجرأة والعنف، السخرية والتهكم؛ وكأن الرواية جاءت للتعبير عن إشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع عربي ينتصر للرجل ويدين المرأة؛ بل تتجسد فكرتها حول صراع المرأة وتمردها على تقاليد المجتمع وأعرافه.
ويتجلى الصراع بين التمرد والاستسلام على مستويات عدة، منها التباين الثقافي بين الأب والأم في الأسرة الواحدة وصراع المجتمع وغليانه بكمية هائلة وخفية من التفاوت الطائفي والإثني والطبقي، فضلاً عن استسلام المرأة وخضوعها وخوفها من التمرد والطلاق. فالحكاية تصب في مجرى هموم الأنثى وتأزمها، وهناك محطات أخرى، يطرح من خلالها علاقات مأزومة حيناً ومبهجة حيناً آخر بين الذكر والأنثى، لكنها عندما تصطدم بما يدور في المجتمع تتشظى.
> تبدو الكثير من أفكارك المنبثة في نصوصك الإبداعية، وكأنها تحمل روح الرفض والتمرد دائماً، فهل تؤمنين بمقولة سارتر «وظيفة المثقف أن يعترض»؟
- أؤمن تماماً بأن المثقف جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية بأكملها، وعليه أن يعري المجتمع ويخلخله بكل ما يحمله سلباً وإيجاباً. وأؤمن أن وظيفة الكاتب ليست الضدية والمخالفة بقدر ما هي تصحيح المسار الاجتماعي، واختراق الظل، والمهمش، والمعظم، الصالح والطالح، المرغوب وغير المرغوب. وتأتي الإجابة على أهمية هذا السؤال متمثلة في وعي الكاتب، وقدرته على انتقاء الجنس الأدبي الذي يلائم فكرته. والإشكالية ليست مخالفة الرأي العام أو مسايرته، التمرد عليه أو الخضوع له؛ بل قدرة المبدع على اقتناص الموضوع الذي يشغل المجتمع وكينونة ناسه، ذلك الموضوع الذي يكتبه بفكره وإحساسه، ويستطيع التأثير من خلاله على أكثر شريحة في المجتمع وفئاته. هذا لا يتأتى إلا بوعي الكاتب وثقافته وموضوعيته وفهمه وقراءته للمحيط والمعيش من حوله. نحن نستل الموضوعات من المآسي والجروح والإحباطات والانكسارات، والمسألة تكمن في القضايا المجتمعية الكبرى كيف نستطيع اختراقها وتصحيحها، وخلخلة ثوابتها... لذلك مقولة سارتر، وإن اتفقت معها، لا أجعلها مثالاً لأي عمل أنوي كتابته، فثيمة العمل وواقع الحدث هما اللذان يفرضان نفسيهما على تجلي الفكر. نحن نصنع الرؤية التي نريد الحديث عنها، ونرسم الرسالة التي نريد توجيهها بالمخيال الذي نمتلكه، وبالحس الإنساني الذي نعيشه.
> إلى أي حد يملك المثقف الخليجي هامشاً للتعبير عن آراء قد تخالف التيار العام؟
- هذا سؤال في غاية الأهمية. علينا النظر إلى واقع المثقف ومعاناته في مجتمعاتنا العربية بموضوعية وتوازن، كون المثقف والمبدع الخليجي، بل المبدع العربي، محاصراً من السلطة والمجتمع معاً. ولكن هناك كثيرين كرسوا أقلامهم لتكون حرة أبية، لا تهادن جبروت السلطة، ولا تلين أمام ثوابت المجتمع، فنوعوا في كتاباتهم، وسبروا قضايا خلخلوا فيها كل القيود والسلاسل والثوابت بل المسكوت عنه، فبرز لنا أدب متنوع من جدران السجون، وقعر الهامش، وأصبح التفاعل مع القضايا العربية على مستويات عدة، وبرزت أعمال تناولت هموم العرب والقضايا الإنسانية والتحولات السياسية والاقتصادية التي اخترقت النسيج العربي العام.
> برأيك هل ثمة خصوصية ما تميز الشعر العماني عن نظيره في دول الخليج العربي؟
- أيضاً سؤال مهم جداً، كون الشعر العماني له جذور قديمة ممتدة في التاريخ، وخاض كل تحولات الشعر العربي وقضاياه في أزمنة متفاوتة. فقد عُرِف نظم الشاعر العماني منذ العصر الجاهلي كون عمان امتدت جغرافياً تفاعل من خلالها مع قضايا الأمة العربية منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، وتواصل مع رموز الشعر العربي كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي، وحمل قضاياه إنسانية أينما حل وارتحل لذلك تميز برصيد مهم من القصائد، واكبت وتزامنت مع التحولات التي طرأت مع تطور القصيدة العربية فكتب مبكراً شعر التفعيلة كعبد الله الطائي، وبدأ كتابة قصيدة النثر تزامناً مع القصيدة العربية كسماء عيسى وسيف الرحبي.
وهناك تجارب أدبية، شعراً أو سرداً، تمكنت من الاشتغال على نفسها، واستطاعت مناطحة التجارب الكبرى. وفي المقابل هناك تجارب لا تزال بحاجة إلى الدعم والتشجيع وهي كثيرة.
وللأسف الشديد كانت هناك نظرة دونية للمبدع والكاتب والنقد الخليجي؛ ولكن أرى أنها بدأت تتراجع نوعاً ما في الآونة الأخيرة وتخف وطأتها لعدة أسباب، منها ربما قنوات التواصل والاطلاع على منجز الكاتب، والتعرف عليه ما قد يشكل سبباً في دفع الناقد العربي أن يلتفت لبعض التجارب الجادة التي استطاعت أن تكتب بمراس وتحمل قضايا محلية وقومية وإنسانية جادة.
> في هذا السياق، كيف ترين إنكار البعض لعمق التجربة الإبداعية الخاصة بأدباء الخليج، بزعم أن المبدع الخليجي لا يمتلك أسباباً حقيقية للمعاناة بسبب حياة الرفاهية والدعة التي قد يعيشها؟
- هذه الفكرة انطلقت من دول المركز، ظناً منها أن الرفاهية لا تخلق إبداعاً؛ ربما نتفق معهم إلى حد ما كون المجتمع الخليجي تأخر قليلاً عن أشقائه بسبب ظروف الحياة المجتمعية التي عانى منها تعليمياً وثقافياً وسياسياً؛ ولكن مع ارتياد العلم وحضور الثقافة نجد أن الأدباء في الخليج تنوع نتاجهم وتطور فكرهم بما يتلاءم وواقع المجتمع العربي والعالمي الجديد، وأصبح هناك العديد من المثقفين والمفكرين الذين أسهموا بحراك المشهد الثقافي العربي، وأصبحت هناك مؤسسات ومراكز معنية بالثقافة وتنميتها. ولو تساءلنا بشفافية: ألا يوجد في هذه الدول التي غرقت بالنفط معاناة؟ ألا يوجد بها مهمشون على قارعة الطريق؟ ألا يعاني الإنسان فيها من أزمات وغبن وظلم؟ ثم ألم تتعلم شعوبها وتستطيع أن تدرك ما يحدث حولها وفي رحم أحشائها؟! وهل هناك شعب يخلو من معاناة؟
لعل هذه الأسئلة كلها كفيلة بالإجابة عندما نشهد إصدارات خليجية استطاعت قراءة الواقع بوعي وإدراك، كما أنها استطاعت التفاعل مع قضاياه العربية والإنسانية، وقدمت لنا نصوصاً شعرية ونثرية جديرة بالالتفات والنظر والدرس.
> على ضوء ما سبق، هل اختلف المشهد الأدبي العربي الذي كان يقوم في السابق على مراكز مثل القاهرة وبيروت وبغداد، فيما بقية العواصم هي الأطراف، كيف ترين ذلك حالياً؟
- لا شك أصبحت هناك نظرة أخرى لطبيعة حضور وتفاعلات المشهد الثقافي والأدبي على مستوى الوطن العربي. رغم أن هيمنة الحواضر لا تزال تأسرنا كشعوب خليجية وتعد مرجعية كبيرة لنا، مع حضور مركز آخر تمثل في المغرب العربي. لقد أصبح المشهد الخليجي يستقي من مركزية المشرق ممثلاً في المراكز الأدبية الأولى كمصر والشام والعراق، فضلاً عن المغرب بحداثته ورؤاه الفرنسية. وأصبحنا نثق بالباحث والناقد والمفكر العربي من المشرق أو المغرب أكثر من ثقتنا بالباحث والناقد والمفكر الخليجي، ونفرح فرحاً عظيماً إن درس أحدهم منتجاً لنا أو جاملنا في إصدار خرج للنور. وأرى أن هذه آفة كبيرة ستودي بالمبدع الخليجي إلى مأزق عدم الثقة بنفسه وبعمله وبحراك المشهد الثقافي الذي هو منه وإليه. لذلك تتفشى بيننا أمراض ثقافية بحاجة إلى نفض الغبار عنها بهدف إعادة الاعتبار إلى أنفسنا، كي يسير المشهد الثقافي بثبات ورسوخ علميين، والبعد عن «الشللية» التي تقود إلى التجريح أو الإحباط، والتحصن بالموضوعية والعلمية، ليبقى المشهد الثقافي العربي نقياً ملهماً راسخاً له حضوره ورؤيته محلياً وعربياً وعالمياً.



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.