مصادر تروى لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل هجوم «داعش» على فندق في العاصمة الليبية

المهاجمون 5 انتحاريين أجانب.. ومقتل 10 أشخاص.. ونجاة 12 رهينة من جنسيات مختلفة

عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
TT

مصادر تروى لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل هجوم «داعش» على فندق في العاصمة الليبية

عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)
عناصر من قوات الأمن التونسية يطوقون فندق كورينثيا في العاصمة بعد هجوم تنظيم داعش عليه أمس (أ ف ب)

في أول عملية إرهابية مزدوجة من نوعها في العاصمة الليبية طرابلس، قام 5 انتحاريين أجانب ينتمون لتنظيم داعش باقتحام فندق كورينثيا في المدينة وقتل 8 أشخاص، من بينهم 5 أجانب، في عملية مخططة سلفا تم الإعداد لها بإحكام، وتبناها تنظيم داعش واعتبرها محاولة انتقام لمقتل نزيه الرقيعي الشهير بـ«أبو أنس الليبي» الذي لقي حتفه خلال سجنه في الولايات المتحدة بعد خطفه من قلب طرابلس العام الماضي.
وتزامن الهجوم مع إعلان بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، أن جلسة الحوار الوطني التي عقدت أمس لليوم الثاني على التوالي بمدينة جنيف السويسرية في غياب البرلمان السابق، ناقشت المواضيع المطروحة على جدول الأعمال، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية المستقبلية، وتدابير بناء الثقة ومكان انعقاد جولات الحوار المقبلة.
وطبقا لما رواه مسؤول أمني رفيع المستوى في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط» فقد بدأت العملية الإرهابية الأولى من نوعها، في الساعة 8:30 من صباح أمس بالتوقيت المحلي، حيث دخلت سيارة «هيونداي توسان» وترجّل منها أشخاص باتجاه بوابة فندق كورينثيا أبرز فنادق طرابلس الذي كثيرا ما ينزل به مسؤولون حكوميون ووفود أجنبية.
وأضاف المسؤول الذي اشترط عدم تعريفه: «دخل المهاجمون الفندق وأطلقوا النار في كل صوب.. انشغل بهم فريق التأمين، وقتل اثنان من فريق تأمين الفندق، وصعدوا الأدوار العليا». وتابع: «في هذه الأثناء، بينما اشتبه الحراس في الخارج بالسيارة واستدعوا فريق تفكيك المتفجرات، فوجدها مملوءة بالمتفجرات، ولم يستطيعوا تفكيك شيء، لأن المجموعة كانت مطلعة على السيارة من فوق، فقاموا بتفجيرها.. السيارة تلاشت قطعا صغيرة وأحرقت مجموعه من السيارات حولها».
وقال المسؤول، إن «الفندق كان فيه أيضا بالطابق الـ22 عمر الحاسي»، رئيس ما يسمى حكومة الإنقاذ الوطني التي لا تحظى بأي اعتراف دولي، وموالية للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته.
وروى المسؤول الأمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الحاسي تمكن من الخروج عن طريق قوة الردع الخاصة، مشيرا إلى وجود أميركيين وجنسيات أخرى استطاع الأمن المركزي بقيادة النقيب هيثم التاجوري مساعد آمر القوة الخاصة الأولى إخراجهم وعددهم 12 شخصا من أميركا وبولندا وهاييتي والجزائر وتونس وجيبوتي.
وقال المسؤول الأمني لـ«الشرق الأوسط»، إن المجموعة كانت تريد الصعود للدور الـ26، ولكن القوة الخاصة سبقت إليه عن طريق سلم الخدمات والطوارئ، فبقيت المجموعة المهاجمة في الدور 21 محاصرة بين الأمن المركزي والقوة الخاصة الأولى وبين قوة الردع الخاصة التي كانت في الدور الـ19.
وتابع أنه «تم تضييق الخناق على المجموعة حتى وصلت للدور الـ25، وهناك فجروا أنفسهم كل اثنين التزموا بعض، وواحد فجر نفسه وبقي حيا حتى دخلت قوة الردع الخاصة».
وكشف النقاب عن أن المهاجمين على الأغلب غير ليبيين، مشيرا إلى أن أحدهم أسود البشرة، حيث سمع بعض للمهاجمين قبل تفجير أنفسهم يتحدثون إليه، وكان لا يتقن العربية ويصيح بأناشيد جهادية والتكبير فقط. وأضاف أن «الخامس الذي فجر نفسه وجد لا يزال حيا، لكن لا أظن يستفاد منه، فحالته خطيرة جدا».
وأوضح أن إجمالي عدد الجرحى يتجاوز 10 أشخاص، والقتلى اثنان من قوات التأمين والحماية، بالإضافة إلى اثنين أجنبيين، أحدهما أميركي واسمه ديفيد بيتر، واثنين من عاملات الفندق، مشيرا إلى أن من بين الجرحى اثنتين من العاملات من الفلبين وجراحهما خطيرة وجار نقلهما للعلاج في الخارج.
ولفت المسؤول إلى أن الرهائن الآن في ضيافة القوة الخاصة الأولى التابعة للأمن المركزي بعدما تم تحريرهم عن طريق القوة الخاصة الأولى التابعة للأمن المركزي. وقال: «على صوت إطلاق النار هربوا للأعلى، والمهاجمون كانوا يعتزمون اللحاق بهم، لكن النقيب هيثم هو من تدخل بقواته ونجح في إخراجهم لمكان آمن».
في المقابل، قال محمود حمزة من قوة أمن طرابلس لتلفزيون النبأ المحلية، إن 8 أشخاص قتلوا أثناء اقتحام الفندق، منهم 5 أجانب بينهم امرأتان، وأضاف أن رجل أمن واثنين من المهاجمين قتلوا أيضا.
من جهته، أوضح مدير الأمن المركزي عمر الخدراوي، أن سيارة من نوع «هيونداي سانتافي» بها 3 أشخاص داهمت باحة الفندق، وقاموا بمهاجمة أعضاء الحراسة المكلفين واقتحموا الفندق وفجروا السيارة عن بعد ما أدى إلى جرح 6 أشخاص تقريبا.
وزعم الخدراوي، أن التحقيقات الأولية تثبت تورط أحد عناصر اللجان الثورية الذي كان يشتغل في التصفية الجسدية في النظام السابق، مشيرا إلى أن «الصور الأولية لعملية اقتحام فندق كورينثيا موجودة لدينا، وأجهزة البحث والتحري التابعة للإدارة العامة للأمن المركزي، والأجهزة الأمنية الأخرى تقوم بعمليات التحري والبحث والتحقيق».
وأكد أن الدوافع وراء الهجوم هو تشويش ما وصفه بالحالة الأمنية التي تنعم بها العاصمة طرابلس، على حد زعمه. وقال الخدراوي لتلفزيون محلي، إنه تم إجلاء رئيس وزراء الحكومة المشكلة في طرابلس بالإضافة إلى 3 أجانب من الفندق.
من جهته، أكد الناطق الرسمي باسم غرفة العمليات الأمنية المشتركة بطرابلس عصام النعاس مقتل 3 من قوات الأمن المكلفة بحماية الفندق، بعدما فجر المهاجمون سيارة عن بعد ما أدي إلى إلحاق أضرار بالواجهة الأمامية واحتراق بعض المركبات التي كانت متوقفة بجوارها. وقال النعاس، إن بعض العاملين بالفندق أصيبوا بجروح طفيفة نتيجة تطاير زجاج الواجهة الأمامية للفندق من شدة الانفجار.
وسعت حكومة الحاسي لاستغلال الهجوم إعلاميا، وزعمت أنه تعرض أمس لما وصفته بمحاولة اغتيال. كما ادعت في بيان متلفز، أن «أصابع الاتهام تتجه إلى أعداء الثورة ومجرم الحرب خليفة حفتر ومن ورائه من أطراف خارجية».
وأوضح البيان، أن «رجال أمن الفندق اكتشفوا دخول سيارة مشتبه بها إلى موقف السيارات، وهي نفس السيارة التي استهدفت مبنى بعثة الأمم المتحدة وسفارة الجزائر منذ أسبوعين.. وسارع بعدها المجرمون بالدخول إلى الفندق مستخدمين مسدساتهم ورشاشاتهم وقنابلهم اليدوية، وتوجيه نيران أسلحتهم على كل من قابلهم من القاطنين والنزلاء». وأشار البيان إلى أن الهجوم أسفر عن استشهاد 4 من قوات الأمن وحرس الفندق وإصابة نزيلة فلبينية ومقتل 4 أجانب لم تتم التحقق من جنسياتهم بعد.
ووزع تنظيم داعش بيانا مقتضبا بصور فوتوغرافية يعلن فيه بشكل ضمني مسؤوليته عن الهجوم الذي وصفه بـ«الغزوة»، انتقاما لمقتل «أبو أنس الليبي» الذي توفي في مستشفى بمدينة نيويورك الأميركية هذا الشهر قبل موعد مثوله أمام المحكمة، حيث اختطفته قوات خاصة أميركية للاشتباه في أنه عضو في تنظيم القاعدة ساعد في التخطيط لتفجير سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا عام 1998.
لكن عائلة الرقيعي أصدرت أمس بيانا استهجنت فيه الزج باسمه في هذه العملية ونفت صلته بها بشكل كامل، حيث استنكرتها وفقا لما نقله صحافيون محليون لـ«الشرق الأوسط».
وفي أول تعليق لمسؤول في الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني على الحادث، قال مسؤول مقرب من الثني لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة تستهجن وتستنكر هذا العمل الإرهابي، وتبدي تعاطفها مع أهالي الضحايا الأبرياء، وستعمل على تقديم المسؤولين عن هذه الأعمال إلى العدالة.
وأضاف: «وتؤكد الحكومة موقفها الثابت والمعلن والقوي في محاربة التطرف، وهو الموقف الذي يضعها في مواجهة المجموعات المسلحة التي تسيطر على طرابلس والتي تتحالف مع المتطرفين الذين يستخدمون العنف لتحقيق أهداف سياسية»، مشيرا إلى أن هذا يؤكد تصاعد موجات العنف والإرهاب والتفجيرات بعد أن سيطرت المجموعات المسلحة على طرابلس. ولفت إلى أن الحكومة تطالب أيضا كعادتها في جميع بياناتها بتجنب العنف واللجوء إلى الحوار لحل الخلافات بين الليبيين، ودعم جهود الأمم المتحدة في هذا الاتجاه.
من جهتها، أدانت فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للسياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي، الهجوم ووصفته في بيان لها بعمل إرهابي آخر يهدد بتقويض الجهود الرامية للسلام والاستقرار في ليبيا.
وأعربت عن تضامن الاتحاد الأوروبي مع ضحايا الهجوم، وشددت على أن الاتحاد الأوروبي يدعم المحادثات التي تديرها الأمم المتحدة مع مختلف أطراف القوى السياسية بليبيا بهدف التوصل لحل سياسي للنزاع على أساس الاحترام والحوار.
بموازاة ذلك، قال الممثل الخاص للأمين العام في ليبيا، برناردينو ليون، بعد جلستين عقدتا في جنيف «إنني على ثقة بأن الليبيين المشاركين، ومن نأمل أن ينضموا للمحادثات، لديهم عزم واضح للتوصل إلى اتفاق، لتهدئة البلاد والتغلب على الأزمة»، مضيفا: «هناك روح بناءة وتوجد آراء جيدة على طاولة الحوار وكل شي إيجابي للغاية».
وأغلقت معظم الحكومات الأجنبية سفاراتها في طرابلس وسحبت العاملين بها بعد اندلاع قتال بين فصيلين متنافسين في المدينة الصيف الماضي. لكن بعض الدبلوماسيين ورجال الأعمال ووفود تجارية ما زالت تزور العاصمة.
وتشهد ليبيا صراعا بين حكومتين متنافستين إحداهما معترف بها دوليا ومقرها شرق ليبيا وأخرى منافسة شكلت في طرابلس بعدما سيطر فصيل يدعى «فجر ليبيا» على العاصمة.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.