كيف أعاد غوارديولا مانشستر سيتي للمنافسة على لقب الدوري؟

في ظل الظروف التي تتطلب بذل مجهود بدني أقل غيّر المدير الفني الإسباني طريقة لعب فريقه

TT

كيف أعاد غوارديولا مانشستر سيتي للمنافسة على لقب الدوري؟

حقق مانشستر سيتي انتصاره السادس على التوالي في الدوري الإنجليزي الممتاز عقب فوزه على ضيفه أستون فيلا. ورفع سيتي، الذي يملك مباراة مؤجلة، رصيده إلى 38 نقطة متفوقاً بفارق الأهداف على ليستر سيتي. لكن مانشستر يونايتد استعاد القمة بتغلبه على مضيفه فولهام ليرفع رصيده إلى 40 نقطة. وهذا الفوز التاسع على التوالي لسيتي في المسابقات كافة، ضمن مسيرة من دون خسارة امتدت 16 مباراة. وأبدى جوسيب غوارديولا، مدرب سيتي، سعادته بالانتصار السادس على التوالي لفريقه في الدوري. وقال المدرب الإسباني «لا يوجد فريق فاز بخمس أو ست مباريات على التوالي، لكننا ما زلنا في الدور الأول للدوري. تتبقى الكثير من المباريات، لكن الشيء المهم هو هذا الشعور الجيد. «قدمنا أداءً جيداً للغاية مرة أخرى، أمام فريق قوي. كان المنافس خطيراً، ويكفي أن تنظر لنتائجه هذا الموسم. هذا انتصار كبير».
الأمور بالنسبة لمانشستر سيتي تغيرت تماماً عن الأسابيع القليلة الماضية عندما كان سيتي يحتل مركزاً في وسط جدول الترتيب. وبالتالي، ينبغي الإشادة بالمدير الفني للسيتيزنز، غوارديولا، الذي أعاد فريقه إلى المنافسة بقوة على اللقب بعدما كان يبدو بعيداً قبل أسابيع عدة. كما يجب الإشارة أيضاً إلى أن التدعيمات التي ضمها مانشستر سيتي قد لعبت دوراً كبيراً في هذا الصدد، وخير مثال على ذلك التعاقد مع المدافع البرتغالي روبن دياش، الذي يقدم مستويات استثنائية وأعاد الصلابة والقوة إلى خط دفاع الفريق بالكامل وساعد باقي المدافعين، وخاصة جون ستونز، على العودة إلى مستواهم السابق، رغم أن دياش لا يلعب في المركز الذي تم التعاقد معه لكي يلعب فيه في الأساس (اللعب كقلب دفاع جهة اليسار وليس اليمين).
وعلى الرغم من ذلك، كانت التعاقدات الأخرى التي أبرمها الفريق في الآونة الأخيرة أقل فاعلية، ولا يزال الفريق في حاجة إلى التعاقد مع ظهير أيسر ومحور ارتكاز ومهاجم صريح، وربما جناح. ومع ذلك، لا يزال مانشستر سيتي فريقاً قوياً وجيداً للغاية، لكنه ليس جيداً وفقاً لمعايير الأندية العملاقة. وعندما تعادل مانشستر سيتي على ملعبه أمام وست بروميتش البيون قبل شهر تقريباً من الآن، كان من المنطقي أن نسأل عما إذا كان الفريق الحالي هو أسوأ فريق تولى غوارديولا تدريبه! لكن منذ ذلك الحين، استعاد الفريق عافتيه وحقق انتصارات متتالية، بما في ذلك الفوز على تشيلسي خارج ملعبه في الدوري، والفوز على مانشستر يونايتد في كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة، وهو ما يؤكد على أن الفريق قد عاد لتقديم أفضل مستوياته.
وتجب الإشارة إلى أن الموسم الحالي ليس موسماً عادياً بأي حال من الأحوال، وبالتالي لا يجب أن نطبق عليه القواعد المعتادة للحكم على الأمور. كما أن عدم حصول الأندية على الفترة اللازمة للاستعداد للموسم الجديد وضغط المباريات قد لعبا دوراً كبيراً في تحديد طرق اللعب التي تعتمد عليها الأندية، خاصة في ظل معاناة اللاعبين من الإرهاق وانتشار الإصابات. كما أن خوض مباراتين كل أسبوع قد جعل الأمر أكثر صعوبة على الأندية التي تعتمد على الضغط الشرس والمتواصل على المنافسين؛ نظراً لأن اللعب بهذه الطريقة يصيب اللاعبين بالإرهاق الشديد.
وكانت النتيجة قاسية في بداية الموسم، حيث تعرضت أندية مانشستر يونايتد وليفربول ومانشستر سيتي للخسارة بأكثر من خمسة أهداف في المباراة الواحدة. لكن بعد هذه الغزارة التهديفية الكبيرة في الشهر الأول من الموسم، عاد معدل الأهداف للانخفاض إلى 2.75 هدف في المباراة الواحدة – أكثر من معدل الموسم الماضي بـ0.03 هدف؛ وأقل من الموسم قبل الماضي بـ0.07 هدف في المباراة.
وحتى الأندية التي كانت تلعب بطريقة تعتمد على الضغط العالي على حامل الكرة بدأت تتخلى عن اللعب بهذه الطريقة. هذا لا يعني أن نقول إن عجلة التطور الخططي والتكتيكي قد تراجعت لعقد من الزمان، لكن ذلك يعني أن كل فريق بات يلعب في حدود إمكاناته ووفق الظروف الحالية. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن معدل الضغط في الدوري الإنجليزي الممتاز قد تراجع بنسبة 23 في المائة تقريباً في موسم 2018 - 2019. وكان ليفربول ومانشستر سيتي يلعبان بطريقة مكّنت كل منهما من حصد ما يقترب من 100 نقطة، وهي أرقام مذهلة تعكس قوة الفريقين وذكاء وفاعلية الطريقة التي يلعبان بها. وإذا استمر مانشستر يونايتد في جمع النقاط بالمعدل الحالي، فإنه سوف يحصد 80 نقطة بنهاية الموسم. ومن الناحية الواقعية، من المحتمل أن يتطلب الأمر حصد عدد من النقاط أكثر من ذلك بقليل لكي يتمكن الفريق من الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، خاصة أن الفريق الجيدة سوف تستعيد توازنها في النصف الثاني من الموسم، لكن يجب أن ندرك أن هذه أوقات غير عادية على الإطلاق، وهو الأمر الذي يجعل هذا الموسم بمثابة اختبار قوي لقدرة المديرين الفنيين على التكيف والبحث عن حلول غير تقليدية.
ومن الواضح أيضاً أن الحظوظ والتوقعات تتغير بسرعة كبيرة، وبالتالي لم يعد من المهم التخطيط على المدى الطوير والقدرة على غرس فلسفة معينة داخل اللاعبين. وفي هذا الصدد، يجب أن نشير، على سبيل المثال، إلى أن الطريقة التي لعب بها غوارديولا أمام ليون الفرنسي في الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي كانت تعكس مدى قلقه من ضعف مانشستر سيتي أمام الهجمات المرتدة السريعة.
وبالتالي، كان السؤال المهم هو: كيف يتمكن غوارديولا من تقوية المنطقة أمام المدافعين الأربعة من دون التأثير على شراسة طريقة الضغط العالي ومن دون تقييد حركة نجم الفريق كيفن دي بروين؟ من المؤكد أن مانشستر سيتي سيواجه اختبارات قوية للغاية – أمام ليفربول، ثم أمام توتنهام، ثم في مباريات دوري أبطال أوروبا - لكن الطريقة التي تفوق بها مانشستر سيتي على مانشستر يونايتد الذي سبق وأن تغلب عليه ثلاث مرات الموسم الماضي، تشير إلى حدوث تغيير طفيف في الدور الذي يلعبه إلكاي غوندوغان، الذي أصبح يلعب محور ارتكاز.
وهناك تغيير آخر، أشار إليه غوارديولا قبل مباراة فريقه أمام برايتون عندما قال «كنا نركض أكثر من اللازم. عندما لا تكون الكرة معك يتعين عليك أن تركض للحصول عليها، لكن عندما تكون مستحوذاً على الكرة فيتعين عليك المشي أو الركض بسرعة أقل، وأن تبقى متمركزاً في مكانك الصحيح وتدع الكرة هي التي تجري، وليس أنت”. وكان العامل الرئيسي في تبني منتخب ألمانيا الغربية لطريقته المثيرة للفضول من كرة القدم الشاملة في السبعينات من القرن الماضي يتمثل في المباريات التي خاضها في ليون خلال كأس العالم عام 1970. ففي ظل درجة الحرارة الشديدة، كان اللاعبون يحصلون على بعض الراحة من خلال الوقوف في ظل المدرجات، وقد تعلم اللاعبون كيف يلعبون وهم يقفون في الظل من خلال التمرير السريع والذكي. ومن الواضح أن بعض العوامل الخارجية يمكنها أن تشجع على التغيير.
وكان غوارديولا يعتمد في طريقة اللعب مع برشلونة على عاملين مهمين، هما الضغط والاستحواذ على الكرة، حيث كان الفريق يستعيد الكرة من المنافس من خلال الضغط المتواصل، ثم يحتفظ بها لأطول فترة ممكنة من خلال التمرير والتحركات الذكية داخل الملعب.
وعلى مدار العقد الماضي، ومع صعود المدرسة الألمانية في التدريب، تحوّل التركيز في كرة القدم الحديثة على مستوى النخبة إلى كيفية استعادة الكرة أكثر من الاستحواذ عليها. لكن خلال الشهر الماضي، وفي ظل الظروف التي تجبر الجميع على بذل مجهود بدني أقل، تراجع الأمر مرة أخرى ولم تعد الأندية تعتمد على الضغط العالي والمتواصل كما كان في السابق.
ولعل ما يساعد مانشستر سيتي هو أن وجود رحيم سترلينغ ناحية اليمين وفيل فودين ناحية اليسار – كما حدث في مباراتي مانشستر سيتي أمام تشيلسي ومانشستر يونايتد – يساعد الفريق على توسيع الملعب وفتح مساحات بين دفاعات الفرق المنافسة. إنها خطوة إلى الوراء إلى الطريقة الهولندية التقليدية، حيث يصبح التمرير أسهل وأكثر أولوية من أي شيء آخر. قد يبدو ترك الكرة هي التي تقوم بالعمل بمثابة حكمة تقليدية قديمة، لكن من الواضح أنها آتت ثمارها تماماً مع مانشستر سيتي، الذي أصبح أكثر فاعلية في الآونة الأخيرة.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.