بلينكن يستعد لإصلاح العلاقات مع الحلفاء ومواجهة تهديدات الخصوم

تسريب اسم روبرت مالي كمبعوث لإيران يثير اعتراضات

مرشح بايدن للخارجية أنتوني بلينكن (رويترز)
مرشح بايدن للخارجية أنتوني بلينكن (رويترز)
TT

بلينكن يستعد لإصلاح العلاقات مع الحلفاء ومواجهة تهديدات الخصوم

مرشح بايدن للخارجية أنتوني بلينكن (رويترز)
مرشح بايدن للخارجية أنتوني بلينكن (رويترز)

يستعد وزير الخارجية الأميركية الجديد أنتوني بلينكن لتسلم مهامه الأسبوع المقبل على الأرجح، ليباشر على الفور تنسيق الجهود في محاولة لتطبيق وعود الرئيس جو بايدن بإعادة الولايات المتحدة إلى مكانتها القيادية في العالم، عبر فريق سيعمل على جبهات دبلوماسية عديدة، ليس فقط لإصلاح الأضرار التي لحقت بالعلاقات مع بعض الحلفاء التقليديين، بل أيضاً لمواجهة التحديات والتهديدات الماثلة على جبهات عدة؛ ومنها التوترات التي تصاعدت خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترمب مع كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
ورغم أن المصادقة على تعيينه لا تواجه اعتراضات رئيسية من أعضاء مجلس الشيوخ، لم يتضح بعد موعد حصول ذلك.
وسيشرع بلينكن على الفور في تنفيذ خطة الإدارة الجديدة لاستعادة العلاقات المتوازنة مع الحلفاء القدامى للولايات المتحدة في محيطها، لا سيما كندا والمكسيك، وعبر الأطلسي وفي الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وسيكون ذلك بمثابة تطبيق لرسالة بايدن إلى الحلفاء، وكذلك ضمناً إلى الخصوم، إذ قال: «لمن هم خارج حدودنا: جرى إخضاع أميركا لاختبار، وعُدْنا أقوى من أجلها. سنصلح تحالفاتنا وننخرط مع العالم مرة أخرى».
لكن عملية الانخراط التي سيقودها وزير الخارجية الجديد لم تُكشف تفاصيلها على الفور. وبصرف النظر عما قاله بلينكن خلال جلسة الاستماع أمام أعضاء مجلس الشيوخ، حين كرر تعهد الولايات المتحدة صون تحالفها القديم مع السعودية، مشدداً على أن بلاده ستقوم «بما يجب للمساعدة في الدفاع عن السعودية ضد العدوان الموجه ضدها، بما في ذلك من اليمن»، سيواصل وزير الخارجية مساعي بدأت خلال عهد وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، ولكن يتوقّع أن تكون بمقاربة جديدة من أجل إنهاء الحرب بين الأطراف اليمنية ودعم الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الأمم المتحدة لإعادة الأطراف المعنية إلى طاولة الحوار السياسي بعد التخلي عن الحلول العسكرية.

المقاربة مع إيران
وربط بلينكن المقاربة الجديدة باحتمالات عودة الإدارة الأميركية، ولكن من دون استعجال، إلى خطة العمل المشتركة الشاملة، أي الاتفاق النووي، مع إيران. ولكن إذا عادت طهران إلى «الامتثال» لواجباتها، فضلاً عن «معالجة قضايا أخرى»، كما قالت الناطقة باسم البيت الأبيض جينيفر ساكي للصحافيين، في إشارة إلى أمرين ملحين بالنسبة إلى الإدارة الجديدة؛ وهما وقف إيران تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ووقف إمدادات الأسلحة للجماعات المتطرفة في كل من اليمن ولبنان وسوريا والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهذه واحدة من الأمور بالغة الأهمية أيضاً بالنسبة إلى إسرائيل، التي أعلن بلينكن أن الولايات المتحدة ستحافظ على حلفها الوثيق معها، مؤكداً في الوقت ذاته أن السفارة الأميركية ستبقى في القدس، ولكنه وعد بـ«إعادة ضبط» السياسة التقليدية لبلاده للضغط من أجل تنفيذ مبدأ «حل الدولتين»، معترفاً بأن «التحدي بالطبع هو كيفية المضي قدماً» في هذه العملية.
وكذلك ترفض إسرائيل «العودة التلقائية» للولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي. بينما بدأت الأصوات ترتفع رفضاً لتسريبات عن احتمال أن تقدم إدارة بايدن على تعيين روبرت مالي، الذي كان عضواً في مجلس الأمن القومي خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما وشارك في المحادثات التي أدت إلى خطة العمل المشتركة لعام 2015، كمبعوث جديد لإيران. وفي رد على التسريبات، وجهت مجموعة من الرهائن الأميركيين السابقين والسجناء السياسيين الإيرانيين وصحافيين وناشطين إيرانيين أميركيين، رسالة إلى المسؤولين في الإدارة الجديدة يرفضون فيها اختيار روبرت مالي مبعوثاً إلى إيران، مذكرين بأن «هذا الاختيار يتعارض مع تعهد بايدن إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان».

روسيا والصين
ومع دخوله الجديد إلى مبنى الوزارة، سيتعرف بلينكن على حجم المشاكل التي ورثها من العهد السابق. ومع ذلك بدت ملامح ما يواجهه تظهر في قضايا رئيسية آنية، إذ أكد على سبيل المثال أن الولايات المتحدة لن تبقى مكتوفة حيال الهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له على أيدي عملاء لجهاز المخابرات الخارجية في روسيا، وأنها سترد عليه في «التوقيت المناسب». وكذلك انتقد بلينكن قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد اعتقال زعيم المعارضة أليكسي نافالني، معتبراً أن التحدي الذي تمثله روسيا «ملح». ولم تحل الإجراءات المرتقبة دون إعلان المسؤولين في الإدارة الجديدة رغبتهم في التمديد خمس سنوات إضافية لمعاهدة «ستارت الجديدة» التي تنص على عدم نشر أكثر من 1550 من الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا، لأن ذلك «يصب في مصلحة الأمن القومي» الأميركي، علماً بأن مفعول المعاهدة ينتهي في 5 فبراير (شباط) المقبل.
وفي الوقت ذاته، تشكل الصين «أكبر تحدٍ» للولايات المتحدة باعتراف بلينكن الذي أشار إلى تصاعد التوترات معها بدرجة كبيرة خلال عهد ترمب الذي فرض في الأيام الأخيرة من ولايته سلسلة إجراءات عقابية ردت عليها الحكومة الصينية فوراً بمعاقبة مسؤولين أميركيين. وحتى بتوقيع بايدن قرار العودة إلى اتفاق باريس للمناخ، رأى بلينكن أن ذلك سيحشد الدعم الحيوي من الحلفاء، ما يوفر «مصدر قوة لنا في التعامل مع الصين».
وفي أفغانستان، حيث يستمر سحب القوات الأميركية، بناء على اتفاق الإدارة السابقة مع حركة «طالبان»، لم يجرِ إطلاع بلينكن مسبقاً على التفاصيل الكاملة المتعلقة بالاتفاق. بيد أنه قال إن «علينا أن ننظر بعناية فيما جرى التفاوض عليه بالفعل (...) لنفهم بشكل كامل ما الالتزامات التي تعهدتها طالبان أو التي لم تتعهدها» مع الإدارة السابقة، علماً بأن بعض الجمهوريين وكذلك الديمقراطيين يعارضون الصفقة بين الولايات المتحدة و«طالبان»، لأنها «تعرض الأفغان للخطر»، ويريدون من بايدن إنهاءها.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».