لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

وثائق أعدها أحمد أصفهاني تغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» عام 1958

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
TT

لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية

صدر عن «دار كتب للنشر» في بيروت قبل أيام كتاب: «لبنان وصيف الدم 1958 - وثائق التنصت على الهاتف» من إعداد وتقديم الزميل أحمد أصفهاني، مع مقدمة للدكتور سليم مجاعص. وهذا الكتاب هو الرابع باللغة العربية الذي يعتمد على أوراق وأرشيف الأمير فريد شهاب (1908 - 1985) المدير العام لمديرية الأمن العام في لبنان منذ 1948 حتى 1958. فقد ترك الأمير فريد بعد وفاته ثروة من الوثائق السرية والخاصة، حافظ عليها نجلاه السيدة يمنى شهاب عسيلي، والأمير حارس فريد شهاب. وبعد مرور عقدين من الزمن على رحيله، صُنفت آلاف الوثائق ورُتبت وأُعدّ قسم منها للنشر في كتاب موسوعي صدر سنة 2005 تحت عنوان: «في خدمة الوطن: مختارات من الوثائق الخاصة للأمير فريد شهاب». وبعد ذلك صدر كتاب: «أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب المدير العام للأمن العام اللبناني» (دار كتب للنشر - بيروت 2006)، ثم جاء كتاب: «التنصت على الهاتف في لبنان: أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً (1947 - 1958)» (دار كتب للنشر 2014).
«لبنان وصيف الدم» هو الثاني في سلسلة كتب تتضمن مختارات كاشفة من سجلات التنصت على الهاتف التي نفذتها المديرية العامة للأمن العام في لبنان على مدى عقود. والكتاب الجديد يغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» سنة 1958، وشهدت تدخلات إقليمية ودولية بلغت ذروتها بنزول القوات الأميركية على الشاطئ اللبناني بعد إطاحة النظام الملكي في العراق، وبروز تهديدات جدية للنظامين الأردني واللبناني المواليين للغرب.
إن وثائق التنصت الموجودة في الأرشيف لا تعطينا أي فكرة عن تاريخ التنصت على الهاتف في لبنان. وأول وثيقة من هذا النوع متوفرة بين أيدينا تعود إلى 24 يوليو (تموز) سنة 1946، والأخيرة إلى 1 سبتمبر (أيلول) سنة 1958، وهو تاريخ التغيير الجذري الذي حدث في قيادة الأمن العام بعد وصول فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. لكن توجد فراغات كبيرة بين هذين التاريخين، بحيث غابت سنوات كاملة تقريباً مثل 1951 و1952 و1953 و1954 و1957. وليست هناك معلومات مؤكدة توضح سبب هذا النقص، وإن كانت السيدة يمنى، ابنة الأمير فريد، سبق أن أوضحت أن أباها أقدم في مطلع ثمانينات القرن الماضي على إحراق كم هائل من الوثائق؛ من بينها طبعاً سجلات التنصت.
تمتاز المقدمة التي كتبها الدكتور مجاعص باعتمادها بصورة أساسية على وثائق وزارة الخارجية الأميركية التي كُشف عنها منذ مدة. وهي تُظهر لنا جوانب مختلفة من الصراع الإقليمي المخيّم على المنطقة آنذاك. ومع أن القيادات السياسية اللبنانية المتناحرة أدخلت البلد في أتون الحرب الأهلية تحت شعارات براقة (مخادعة في معظم الأحيان)، إلا إن مصير الكيان اللبناني كان يقرَّر في القاهرة وواشنطن. وتُعطينا الوثائق تفاصيل مذهلة عن لقاءات الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع السفير الأميركي في القاهرة، والمفاوضات الدائرة بينهما والتي أسفرت لاحقاً عن صفقة «الإجماع» على قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للبنان.
من ناحية أخرى، يقدّم مُعد الكتاب أحمد أصفهاني عرضاً زمنياً يبدأ من تولي كميل شمعون الرئاسة سنة 1952 بعد إسقاط الرئيس بشارة الخوري، وصولاً إلى قرار الانحياز للمعسكر الغربي وفق مشروع «آيزنهاور». وزاد الطين بلة مساعي شمعون لتعديل الدستور بهدف التمديد لفترة رئاسية ثانية، ثم إقدامه على تزوير الانتخابات النيابية سنة 1957 لضمان الحصول على مجلس نيابي يوافق على التعديل الدستوري. ويوضح المؤلف أن سجلات التنصت كانت تحمل مؤشرات على أن الاستقطاب الحاد على الساحة اللبنانية سيؤدي حكماً إلى الحرب الأهلية، خصوصاً أن القيادات المحلية كانت مرتبطة بمشاريع خارجية متضاربة.
قد لا تكشف سجلات التنصت على الهاتف عن أسرار خطيرة جديدة مغايرة لما بتنا نعرفه عن تلك المرحلة. ومع ذلك، فثمة تفاصيل دقيقة تضع النقاط على الحروف، وتقدم للباحثين والمؤرخين القطع المفقودة التي تمكنهم من الرؤية الواضحة للصورة المتكاملة في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه تعرّي قيادات سياسية اختبأت لسنوات وراء شعارات مضللة دفع الشعب (وما زال يدفع حتى اليوم) أثماناً باهظة لها!
يقول المؤلف: «سجلات التنصت التي نعتمد عليها تعطينا صورة داخلية فاضحة عمّا كان يُحاك في الغرف المظلمة آنذاك. لم نبدأ فوراً بما حدث في ذلك الصيف، بل عدنا سريعاً إلى أحداث أساسية في سنوات 1955 و1956 و1957 كونها تشكل السياق العام للتطورات التي أوصلت اللبنانيين إلى (صيف الدم)».
لكن يجب ألا نقع في خطأ اعتبار أن أزمات لبنان كلها هي نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط؛ فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية، تتكرر دورياً مع كل استحقاق انتخابي. وغالباً ما يحدث الدمج بين المحلي والخارجي عندما يستقوي طرف ما بالآخرين من أجل تحقيق الانتصار الداخلي. وهذا ما حدث في فترة الخمسينات بعد أن توضحت خطوط المواجهة بين الدولة اللبنانية ممثلة من جهة في كميل شمعون وسامي الصلح اللذين أيدتهما القوى الغربية و«حلف بغداد»، وفي المقابل معارضة متنوعة المذاهب ومتناقضة الاتجاهات تدعمها القاهرة ودمشق من جهة أخرى.
وفي ظل أجواء التوتر والاستقطاب وغياب الحد الأدنى من التوافق اللبناني الداخلي فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول المجاورة والموقف من الأحلاف الأجنبية، باتت كل مسألة محلية موضع شقاق ونزاع بين الحكومة والمعارضة. وقد سعى كل طرف منهما إلى توظيف القضايا الداخلية التي تهمه في المجال الأوسع للصراعات الإقليمية، كما ساهمت تلك الممارسات في زيادة الاحتقان السياسي والأمني، فتراكمت المواضيع الخلافية التي لم يعد من الممكن معالجتها ما دام التحدي والقطيعة والتحريض أصبحت من السمات الأساسية والوحيدة في التعامل بين رجال السياسة. وعندما تصل الأحوال إلى هذا المستوى بالذات، يكون التدخل الخارجي نتيجة حتمية لعجز الحكومة والمعارضة معاً.
وتكشف لنا وثائق التنصت لسنوات 1955 و1956 و1957 كيف أن الأطراف اللبنانية المتناحرة راحت تصعّد لهجتها مع كل حادثة جديدة، حتى ولو كانت أقل من عادية.

عينة من سجلات التنصت
13 مايو 1958:
> الساعة 12:05: قال مصباح سلام لعبد الله اليافي بمنزل العويني: ما بيصير نضل هيك والقيادة بتكون إما هون أو هونيك، صائب قاعد وحده ما بيقدر يدير الحركة وحده، وهوديك يللي راحوا مشوارهم ليش ما بيعطونا خبر لنعرف شو جد معهم؟ يطلعوا منها هالمناورات. يافي: من وين بدنا نروح لعندك؟ الرصاص مشتغل بين الجيش والأهالي على الطريق الجديدة. سلام: بتقدروا تجوا، الجماعة هون كلهم منتظرين وهلق وصل كامل بك الأسعد. وهلق وصل سليم من المطار. يافي: من وين مرقوا؟ سلام: بتجوا على سان سيمون ومنها على الأونيسكو، على كركون الدروز رأساً لهون. يافي: طيب.
> الساعة 14:25: قال عبد الحميد غالب لمحمود رياض في دمشق: اليوم الساعة 2 طلبني محمد علي حمادة من وزارة الخارجية وبلغني الحضور لوزارة الخارجية الساعة 5 لتسلم بلاغ رسمي. سألته هل هذا البلاغ عام أم خاص؟ قال لي عام. وأنا بعتت الخبر لمصر لكن حبيت قول لك حتى تتصل فيهم تلفونياً والبلاغ ما بعرف شو فيه. رياض: كيف الحالة في بيروت؟ غالب: الحالة عدم، والرصاص والانفجارات بكل مكان. رياض: إن شاء الله تنتهي بخير. أنا في المكتب لغاية الساعة 7. غالب: أنا بتصل فيك بهالوقت لحتى قول لك النتيجة.
> الساعة 15:45: قال رفيق نجا لعدنان الحكيم (منزل): شو عندك؟ عدنان: من الساعة 12 لهلق والرصاص بينزل على بيتي من القوميين. رفيق: وعندي كمان عم يقوصوا حوالي البيت. بلغني إنه الكتائب نازلين للسوق يفتحوا البلد. وأنا بعتت ناس يشوفوا إذا صحيح. بدي منك تبعت حدا من عندك. عدنان: نحن عم ندافع بلحمنا. إذا السلاح موجود عند صائب وعم يعطيهم لجماعته شو عم يجينا نحن؟ شبابنا لما علقوا مع القوميين أخذوا 6 – 7 فرودة ولحقوهم. بدي نجدة ما عندنا شي والسلاح كان لازم ينعطى منه قسم كبير لبيت النجاد. عبكره شبابنا علقوا معهم على الناصرة وإجوا العسكرية ضربوا واحد من جماعتنا بالحربة. نجا: قتل شاب عندنا هون على البوابة صار له ساعتين مشلوح ما حدا عم يتطلع فيه وما انعرف مين هو. عدنان: ريمون إده باعت لي خبر إنه بتستقيل الوزارة وبيجي الجنرال ومعه تقي الدين أو هنري فرعون والمعارضة بتسمي اثنين وبيطلب شو رأينا بالحل؟ قلت له نحن والهيئة الوطنية منعطي آخر رأي وما منقبل إلا ما ينزل الرئيس. مش هيك رأيك؟ نجا: ما في شك. عدنان: وهلق بدو يجي عند حسين العويني ويعطيهم هالحل. نجا: طيب. عدنان: وإنت إذا اتصلت بالجماعة قل لهم يبعتوا لنا سلاح. نجا: طيب.

2 يوليو 1958:
> الساعة 18:25: منير فتحة قال لعبد الله آليافي بمنزل حسين العويني: في بلبلة بالمحلة. عبد الله: شو القصة؟ منير: في معين حمود وابن يوسف الحكيم وابن درويش من شان فوزي الحص. عبد الله: يا أبو سعيد ما تحكي هالأشياء على التلفون. بدك تجي لعندي لهون لتقدر تحكيني هالأشياء. منير: راح ناس لعندك. عبد الله: إي طيب.
سيدي الرئيس: إن صائب سلام أقدم على خطف قواد طريق الجديدة أي معين حمود وصلاح درويش والسوري يوسف الحكيم وسجنهم، والقيامة قائمة بهذا السبب في طريق الجديدة. (ملاحظة من الأمن العام).
> الساعة 16:40: أحمد الحاج قال لخالد جارودي في بيت العويني: سيارتي رقمها 28515 «فيات» كانت واقفة قدام مكتبي على البور. سرقوها جماعة النجادة وأخذوها لعند عدنان الحكيم. راجعت صائب سلام وعبد الحميد سلام قالوا ما بيحطوا إيدهم فيها طالما النجادة سرقوها. حكيت عدنان الحكيم قال بدّه 500 ليرة ليتركها، وإذا ما دفعت لهم الليلة راح يحرقوها. شايلين لها نمرتها. لونها طحينة ورمادي. أنا قبلت إدفع لهم 200 ليرة ما كان يقبلوا لأن إلى شريك فيها إسمه موريس زريق يهودي. خالد: هلق بحاكيه لعدنان وبجاوبك. واتصل خالد بعدنان الحكيم فقال له عدنان: يدفع المطلوب منه. خالد: راح يدفع 200 ليرة. عدنان: 500 إلا قرش ما منقبل، وقفل الخط. واتصل خالد بأحمد الحاج وأخبره، فقال أحمد: إذا بده يعنّد راح تكلّفه حياته (...) لعدنان الحكيم الكذاب.



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».