لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

وثائق أعدها أحمد أصفهاني تغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» عام 1958

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
TT

لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية

صدر عن «دار كتب للنشر» في بيروت قبل أيام كتاب: «لبنان وصيف الدم 1958 - وثائق التنصت على الهاتف» من إعداد وتقديم الزميل أحمد أصفهاني، مع مقدمة للدكتور سليم مجاعص. وهذا الكتاب هو الرابع باللغة العربية الذي يعتمد على أوراق وأرشيف الأمير فريد شهاب (1908 - 1985) المدير العام لمديرية الأمن العام في لبنان منذ 1948 حتى 1958. فقد ترك الأمير فريد بعد وفاته ثروة من الوثائق السرية والخاصة، حافظ عليها نجلاه السيدة يمنى شهاب عسيلي، والأمير حارس فريد شهاب. وبعد مرور عقدين من الزمن على رحيله، صُنفت آلاف الوثائق ورُتبت وأُعدّ قسم منها للنشر في كتاب موسوعي صدر سنة 2005 تحت عنوان: «في خدمة الوطن: مختارات من الوثائق الخاصة للأمير فريد شهاب». وبعد ذلك صدر كتاب: «أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب المدير العام للأمن العام اللبناني» (دار كتب للنشر - بيروت 2006)، ثم جاء كتاب: «التنصت على الهاتف في لبنان: أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً (1947 - 1958)» (دار كتب للنشر 2014).
«لبنان وصيف الدم» هو الثاني في سلسلة كتب تتضمن مختارات كاشفة من سجلات التنصت على الهاتف التي نفذتها المديرية العامة للأمن العام في لبنان على مدى عقود. والكتاب الجديد يغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» سنة 1958، وشهدت تدخلات إقليمية ودولية بلغت ذروتها بنزول القوات الأميركية على الشاطئ اللبناني بعد إطاحة النظام الملكي في العراق، وبروز تهديدات جدية للنظامين الأردني واللبناني المواليين للغرب.
إن وثائق التنصت الموجودة في الأرشيف لا تعطينا أي فكرة عن تاريخ التنصت على الهاتف في لبنان. وأول وثيقة من هذا النوع متوفرة بين أيدينا تعود إلى 24 يوليو (تموز) سنة 1946، والأخيرة إلى 1 سبتمبر (أيلول) سنة 1958، وهو تاريخ التغيير الجذري الذي حدث في قيادة الأمن العام بعد وصول فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. لكن توجد فراغات كبيرة بين هذين التاريخين، بحيث غابت سنوات كاملة تقريباً مثل 1951 و1952 و1953 و1954 و1957. وليست هناك معلومات مؤكدة توضح سبب هذا النقص، وإن كانت السيدة يمنى، ابنة الأمير فريد، سبق أن أوضحت أن أباها أقدم في مطلع ثمانينات القرن الماضي على إحراق كم هائل من الوثائق؛ من بينها طبعاً سجلات التنصت.
تمتاز المقدمة التي كتبها الدكتور مجاعص باعتمادها بصورة أساسية على وثائق وزارة الخارجية الأميركية التي كُشف عنها منذ مدة. وهي تُظهر لنا جوانب مختلفة من الصراع الإقليمي المخيّم على المنطقة آنذاك. ومع أن القيادات السياسية اللبنانية المتناحرة أدخلت البلد في أتون الحرب الأهلية تحت شعارات براقة (مخادعة في معظم الأحيان)، إلا إن مصير الكيان اللبناني كان يقرَّر في القاهرة وواشنطن. وتُعطينا الوثائق تفاصيل مذهلة عن لقاءات الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع السفير الأميركي في القاهرة، والمفاوضات الدائرة بينهما والتي أسفرت لاحقاً عن صفقة «الإجماع» على قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للبنان.
من ناحية أخرى، يقدّم مُعد الكتاب أحمد أصفهاني عرضاً زمنياً يبدأ من تولي كميل شمعون الرئاسة سنة 1952 بعد إسقاط الرئيس بشارة الخوري، وصولاً إلى قرار الانحياز للمعسكر الغربي وفق مشروع «آيزنهاور». وزاد الطين بلة مساعي شمعون لتعديل الدستور بهدف التمديد لفترة رئاسية ثانية، ثم إقدامه على تزوير الانتخابات النيابية سنة 1957 لضمان الحصول على مجلس نيابي يوافق على التعديل الدستوري. ويوضح المؤلف أن سجلات التنصت كانت تحمل مؤشرات على أن الاستقطاب الحاد على الساحة اللبنانية سيؤدي حكماً إلى الحرب الأهلية، خصوصاً أن القيادات المحلية كانت مرتبطة بمشاريع خارجية متضاربة.
قد لا تكشف سجلات التنصت على الهاتف عن أسرار خطيرة جديدة مغايرة لما بتنا نعرفه عن تلك المرحلة. ومع ذلك، فثمة تفاصيل دقيقة تضع النقاط على الحروف، وتقدم للباحثين والمؤرخين القطع المفقودة التي تمكنهم من الرؤية الواضحة للصورة المتكاملة في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه تعرّي قيادات سياسية اختبأت لسنوات وراء شعارات مضللة دفع الشعب (وما زال يدفع حتى اليوم) أثماناً باهظة لها!
يقول المؤلف: «سجلات التنصت التي نعتمد عليها تعطينا صورة داخلية فاضحة عمّا كان يُحاك في الغرف المظلمة آنذاك. لم نبدأ فوراً بما حدث في ذلك الصيف، بل عدنا سريعاً إلى أحداث أساسية في سنوات 1955 و1956 و1957 كونها تشكل السياق العام للتطورات التي أوصلت اللبنانيين إلى (صيف الدم)».
لكن يجب ألا نقع في خطأ اعتبار أن أزمات لبنان كلها هي نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط؛ فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية، تتكرر دورياً مع كل استحقاق انتخابي. وغالباً ما يحدث الدمج بين المحلي والخارجي عندما يستقوي طرف ما بالآخرين من أجل تحقيق الانتصار الداخلي. وهذا ما حدث في فترة الخمسينات بعد أن توضحت خطوط المواجهة بين الدولة اللبنانية ممثلة من جهة في كميل شمعون وسامي الصلح اللذين أيدتهما القوى الغربية و«حلف بغداد»، وفي المقابل معارضة متنوعة المذاهب ومتناقضة الاتجاهات تدعمها القاهرة ودمشق من جهة أخرى.
وفي ظل أجواء التوتر والاستقطاب وغياب الحد الأدنى من التوافق اللبناني الداخلي فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول المجاورة والموقف من الأحلاف الأجنبية، باتت كل مسألة محلية موضع شقاق ونزاع بين الحكومة والمعارضة. وقد سعى كل طرف منهما إلى توظيف القضايا الداخلية التي تهمه في المجال الأوسع للصراعات الإقليمية، كما ساهمت تلك الممارسات في زيادة الاحتقان السياسي والأمني، فتراكمت المواضيع الخلافية التي لم يعد من الممكن معالجتها ما دام التحدي والقطيعة والتحريض أصبحت من السمات الأساسية والوحيدة في التعامل بين رجال السياسة. وعندما تصل الأحوال إلى هذا المستوى بالذات، يكون التدخل الخارجي نتيجة حتمية لعجز الحكومة والمعارضة معاً.
وتكشف لنا وثائق التنصت لسنوات 1955 و1956 و1957 كيف أن الأطراف اللبنانية المتناحرة راحت تصعّد لهجتها مع كل حادثة جديدة، حتى ولو كانت أقل من عادية.

عينة من سجلات التنصت
13 مايو 1958:
> الساعة 12:05: قال مصباح سلام لعبد الله اليافي بمنزل العويني: ما بيصير نضل هيك والقيادة بتكون إما هون أو هونيك، صائب قاعد وحده ما بيقدر يدير الحركة وحده، وهوديك يللي راحوا مشوارهم ليش ما بيعطونا خبر لنعرف شو جد معهم؟ يطلعوا منها هالمناورات. يافي: من وين بدنا نروح لعندك؟ الرصاص مشتغل بين الجيش والأهالي على الطريق الجديدة. سلام: بتقدروا تجوا، الجماعة هون كلهم منتظرين وهلق وصل كامل بك الأسعد. وهلق وصل سليم من المطار. يافي: من وين مرقوا؟ سلام: بتجوا على سان سيمون ومنها على الأونيسكو، على كركون الدروز رأساً لهون. يافي: طيب.
> الساعة 14:25: قال عبد الحميد غالب لمحمود رياض في دمشق: اليوم الساعة 2 طلبني محمد علي حمادة من وزارة الخارجية وبلغني الحضور لوزارة الخارجية الساعة 5 لتسلم بلاغ رسمي. سألته هل هذا البلاغ عام أم خاص؟ قال لي عام. وأنا بعتت الخبر لمصر لكن حبيت قول لك حتى تتصل فيهم تلفونياً والبلاغ ما بعرف شو فيه. رياض: كيف الحالة في بيروت؟ غالب: الحالة عدم، والرصاص والانفجارات بكل مكان. رياض: إن شاء الله تنتهي بخير. أنا في المكتب لغاية الساعة 7. غالب: أنا بتصل فيك بهالوقت لحتى قول لك النتيجة.
> الساعة 15:45: قال رفيق نجا لعدنان الحكيم (منزل): شو عندك؟ عدنان: من الساعة 12 لهلق والرصاص بينزل على بيتي من القوميين. رفيق: وعندي كمان عم يقوصوا حوالي البيت. بلغني إنه الكتائب نازلين للسوق يفتحوا البلد. وأنا بعتت ناس يشوفوا إذا صحيح. بدي منك تبعت حدا من عندك. عدنان: نحن عم ندافع بلحمنا. إذا السلاح موجود عند صائب وعم يعطيهم لجماعته شو عم يجينا نحن؟ شبابنا لما علقوا مع القوميين أخذوا 6 – 7 فرودة ولحقوهم. بدي نجدة ما عندنا شي والسلاح كان لازم ينعطى منه قسم كبير لبيت النجاد. عبكره شبابنا علقوا معهم على الناصرة وإجوا العسكرية ضربوا واحد من جماعتنا بالحربة. نجا: قتل شاب عندنا هون على البوابة صار له ساعتين مشلوح ما حدا عم يتطلع فيه وما انعرف مين هو. عدنان: ريمون إده باعت لي خبر إنه بتستقيل الوزارة وبيجي الجنرال ومعه تقي الدين أو هنري فرعون والمعارضة بتسمي اثنين وبيطلب شو رأينا بالحل؟ قلت له نحن والهيئة الوطنية منعطي آخر رأي وما منقبل إلا ما ينزل الرئيس. مش هيك رأيك؟ نجا: ما في شك. عدنان: وهلق بدو يجي عند حسين العويني ويعطيهم هالحل. نجا: طيب. عدنان: وإنت إذا اتصلت بالجماعة قل لهم يبعتوا لنا سلاح. نجا: طيب.

2 يوليو 1958:
> الساعة 18:25: منير فتحة قال لعبد الله آليافي بمنزل حسين العويني: في بلبلة بالمحلة. عبد الله: شو القصة؟ منير: في معين حمود وابن يوسف الحكيم وابن درويش من شان فوزي الحص. عبد الله: يا أبو سعيد ما تحكي هالأشياء على التلفون. بدك تجي لعندي لهون لتقدر تحكيني هالأشياء. منير: راح ناس لعندك. عبد الله: إي طيب.
سيدي الرئيس: إن صائب سلام أقدم على خطف قواد طريق الجديدة أي معين حمود وصلاح درويش والسوري يوسف الحكيم وسجنهم، والقيامة قائمة بهذا السبب في طريق الجديدة. (ملاحظة من الأمن العام).
> الساعة 16:40: أحمد الحاج قال لخالد جارودي في بيت العويني: سيارتي رقمها 28515 «فيات» كانت واقفة قدام مكتبي على البور. سرقوها جماعة النجادة وأخذوها لعند عدنان الحكيم. راجعت صائب سلام وعبد الحميد سلام قالوا ما بيحطوا إيدهم فيها طالما النجادة سرقوها. حكيت عدنان الحكيم قال بدّه 500 ليرة ليتركها، وإذا ما دفعت لهم الليلة راح يحرقوها. شايلين لها نمرتها. لونها طحينة ورمادي. أنا قبلت إدفع لهم 200 ليرة ما كان يقبلوا لأن إلى شريك فيها إسمه موريس زريق يهودي. خالد: هلق بحاكيه لعدنان وبجاوبك. واتصل خالد بعدنان الحكيم فقال له عدنان: يدفع المطلوب منه. خالد: راح يدفع 200 ليرة. عدنان: 500 إلا قرش ما منقبل، وقفل الخط. واتصل خالد بأحمد الحاج وأخبره، فقال أحمد: إذا بده يعنّد راح تكلّفه حياته (...) لعدنان الحكيم الكذاب.



من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.