بايدن يبدأ ولايته بسلسلة قرارات تنفيذية

تشمل إبطال حظر السفر من بلدان ذات غالبية مسلمة... والعودة إلى اتفاق باريس للمناخ

بايدن وهاريس خلال مؤتمر صحافي السبت (أ.ف.ب)
بايدن وهاريس خلال مؤتمر صحافي السبت (أ.ف.ب)
TT

بايدن يبدأ ولايته بسلسلة قرارات تنفيذية

بايدن وهاريس خلال مؤتمر صحافي السبت (أ.ف.ب)
بايدن وهاريس خلال مؤتمر صحافي السبت (أ.ف.ب)

وسط مؤشرات إيجابية في استطلاعات الرأي، يستعد الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن مع انتقاله بعد غد الأربعاء إلى البيت الأبيض، للشروع في توقيع عشرات القرارات التنفيذية لإلغاء بعض السياسات المثيرة للجدل التي اعتمدها سلفه المنتهية ولايته دونالد ترمب، وأبرزها يتعلق بالهجرة وتغيّر المناخ، بالإضافة إلى إجراءات مبكرة للتعامل مع الأزمة الناجمة عن فيروس «كورونا».
ولا تزال الاستعدادات جارية على قدم وساق لحفل تنصيب بايدن عند الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول وسط إجراءات أمنية بالغة الاستثنائية، للحد من المشاركة الشعبية المعهودة في مناسبة لطالما اتسمت بالأبهة وبالحضور الواسع للمواطنين الأميركيين، في محاولة للحد من أخطار تفشي جائحة «كوفيد - 19» التي فتكت بأرواح أكثر من 400 ألف من الأميركيين، وأصابت حتى الآن 20 مليوناً بينهم، ولكن أيضاً لمنع أي محاولة لتعكير الأمن بعد نحو أسبوعين من الهجوم الدامي الذي قاده متظاهرون عنيفون في المكان ذاته الذي يشهد مراسم تنصيب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة.
وفيما يبدو أنه محاولة عاجلة لإنقاذ البلاد من الوباء والاضطراب الاقتصادي وآثار اعتداء الكابيتول، كشفت مذكرة داخلية وجهها كبير الموظفين المقبل في البيت الأبيض رون كلاين إلى العاملين في دائرة بايدن، أنه بمجرد أن يؤدي الرئيس المنتخب اليمين الدستورية، سيوقع خلال اليوم الأول قرارات بإلغاء حظر السفر المفروض على العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة، والانضمام إلى اتفاق باريس لتغير المناخ، وتوسيع القيود التي فرضت بسبب تفشي جائحة «كوفيد - 19»، ومنها تعليق عمليات الإخلاء، ومدفوعات قروض الطلاب، وإصدار تفويض للسلطات الفيدرالية والمحلية بفرض ارتداء الكمامات أو الأقنعة في الممتلكات الفيدرالية وخلال السفر بين الولايات، فضلاً عن إصدار أوامر للوكالات الحكومية من أجل التعرف على كيفية لمّ شمل الأطفال الذين انفصلوا عن عائلاتهم بعد عبورهم الحدود. ويخطط لإرسال تشريعات تفتح الطريق أمام منح الجنسية الأميركية لـ11 مليون شخص موجودين بشكل غير قانوني في البلاد.
وفي اليوم الثاني، سيوقّع بايدن قرارات تنفيذية أخرى تركز على معالجة عواقب الجائحة، بما في ذلك عبر مساعدة المدارس والشركات على إعادة فتح أبوابها بأمان، وتوسيع نطاق الاختبارات، وحماية العمال، ووضع معايير أكثر وضوحاً للصحة العامة. وفي اليوم التالي، سيوجه بايدن حكومته للعمل على تقديم الإغاثة الاقتصادية للعائلات الأكثر تضرراً من الأزمة. ومن المتوقع أن يقوم بايدن في الأيام اللاحقة باتخاذ إجراءات لتعزيز «المساواة ودعم المجتمعات الملونة»، والبدء في إصلاح العدالة الجنائية، وتوسيع الوصول إلى الرعاية الصحية، والعمل على لمّ شمل العائلات المشتتة على الحدود.
ومع ذلك، لم تتضمن المذكرة العودة إلى منظمة الصحة العالمية، وهو أمر كان بايدن وعد بأنه سيفعله في اليوم الأول في منصبه كجزء من هدفه المتمثل في إعادة الانخراط مع المجتمع العالمي بشأن فيروس «كورونا» والتهديدات الصحية الأخرى. ورفض الفريق الانتقالي الكشف عما إذا كان بايدن سينضم فوراً إلى المنظمة التي انسحب منها ترمب بعد تفشي «كوفيد - 19».
ويأمل مستشارو بايدن في أن تؤدي فورة العمل هذه، من دون انتظار الكونغرس، إلى إعطاء انطباع إيجابي حول الزخم الجديد الذي يأتي مع الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، حتى في الوقت الذي يستعد فيه مجلس الشيوخ لمحاكمة سلفه بتهمة «التحريض على التمرد»، متمثلاً في اقتحام قاده أنصار لترمب ضد مبنى الكونغرس خلال عملية المصادقة على انتخاب بايدن في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وكتب كلاين في المذكرة: «ستغير هذه الإجراءات مسار (كوفيد - 19)، وتكافح تغير المناخ، وتعزز المساواة العرقية، وتدعم المجتمعات المحرومة الأخرى، وتعيد بناء اقتصادنا بطرق تقوي العمود الفقري لهذا البلد: الرجال والنساء الذين بنوا بلادنا»، مضيفاً أنه «فيما تعد أن الأهداف السياسية لهذه القرارات التنفيذية جريئة، إلا أنني أريد أن أكون واضحاً: النظرية القانونية التي تقف وراءها قائمة على أسس جيدة، وتمثل استعادة لدور دستوري مناسب للرئيس».
وجاء الكشف عن خطة العمل هذه بعدما أعلن بايدن أنه سيطلب من الكونغرس تمرير حزمة تحفيز اقتصادي جديدة بقيمة 1.9 تريليون دولار لتخفيف الأعباء الناتجة عن أزمة «كورونا»، ومنها تطعيم 100 مليون شخص ضد الفيروس القاتل في الأيام المائة الأولى من عهده في البيت الأبيض.
ومنذ انتخابه في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن بايدن أنه سيركز على القضايا الكبرى في الولايات المتحدة. ويمكن لعمله النشيط أن يكون حاسما لنقل البلاد من حقبة سلفه ترمب الذي كان يفاجئ الجميع بتغريدات تعلن سياسيات وتلغي أخرى، وتعيينات وإقالات وغير ذلك.
ولكن في الوقت ذاته، يعترف بعض الديمقراطيين والجمهوريين أن بعض السياسات التي خلفها ترمب فيها الكثير من الأعباء حتى بالنسبة إلى بايدن، باعتباره رئيساً متمرساً ومتمكناً خاض غمار العمل السياسي لنصف قرن. ويضاف إلى ذلك أن بايدن سيواجه انقسامات آيديولوجية عميقة حول سياساته في شأن الضرائب والإنفاق الحكومي والهجرة والرعاية الصحية وغيرها من القضايا في أجندته الطموحة، ومنها الكثير الذي يحتاج إلى مصادقات الكونغرس.
إلى ذلك، أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث أن بايدن سيبدأ رئاسته بأداء شعبي قوي نسبياً، إذ عبر 64 في المائة من الأميركيين عن رأي إيجابي حيال تصرف بايدن منذ فوزه في الانتخابات. ووافق 58 في المائة منهم على الطريقة التي اعتمدها لشرح خططه وسياساته، مقارنة بـ39 في المائة حصل عليها قبل تنصيبه عام 2017 و70 في المائة حصل عليها الرئيس السابق باراك أوباما في مطلع 2009.
وتدنى القبول الشعبي لترمب إلى 29 في المائة، وهذا الأدنى في رئاسته، وفي تاريخ الرؤساء الأميركيين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended