صعوبات «تطبيع» العلاقات التركية ـ الفرنسية رغم رسائل التهدئة

رد ماكرون على تحية الرئيس التركي بمثلها، ليخاطب إردوغان بالتركية، بعبارة: «عزيزي طيب» (إ.ب.أ)
رد ماكرون على تحية الرئيس التركي بمثلها، ليخاطب إردوغان بالتركية، بعبارة: «عزيزي طيب» (إ.ب.أ)
TT

صعوبات «تطبيع» العلاقات التركية ـ الفرنسية رغم رسائل التهدئة

رد ماكرون على تحية الرئيس التركي بمثلها، ليخاطب إردوغان بالتركية، بعبارة: «عزيزي طيب» (إ.ب.أ)
رد ماكرون على تحية الرئيس التركي بمثلها، ليخاطب إردوغان بالتركية، بعبارة: «عزيزي طيب» (إ.ب.أ)

يوماً بعد يوم، تتبدى أكثر فأكثر، رغبة تركيا في إعادة وصل خيوط الحوار مع فرنسا بعد أشهر من التصعيد الذي كاد أن يفضي إلى مواجهة بحرية في شهر يونيو (حزيران) الماضي بين قطع بحرية فرنسية وتركية في مياه المتوسط. اليوم انتهت المواجهة الكلامية والإهانات المتبادلة بين الرئيسين رجب طيب إردوغان وإيمانويل ماكرون، وعاد المسؤولان لتبادل الرسائل الدبلوماسية «الودية» أقله في الشكل. الأول، كتب للثاني ليتمنى له سنة سعيدة مع حلول العام الجديد ليرد ماكرون على التحية بمثلها وليخاطب إردوغان بالتركية، بعبارة: «عزيزي طيب»، وفق ما أفاد مولود شاووش أوغلو أول من أمس.
فبعد التصعيد والتهديد والابتزاز، عادت تركيا لتؤكد على لسان إردوغان وأوغلو على رغبتها في قلب صفحة الخلافات والتعاون وتوسيع أفقه وأطره. وتواصل إردوغان مع المستشارة الألمانية ثم مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين للتشديد على رغبات تركيا المتجددة في التقارب مع أوروبا التي «تنتمي إليها». وأرسل شاووش أوغلو إلى لشبونة التي تسلمت رئاسة الاتحاد الأوروبي من ألمانيا لتمهيد الطريق. وخلال اجتماعين مع سفراء الاتحاد الـ27 في أنقرة، الأول مع شاووش أوغلو والثاني مع إردوغان، وجه المسؤولان التركيان رسائل واضحة لبروكسل وباريس: فمن جهة، شدد إردوغان على رغبة بلاده في «إعادة العلاقات مع أوروبا إلى مسارها»، داعياً إلى أن «تتبوأ تركيا مكانتها داخل الأسرة الأوروبية». أما بخصوص فرنسا، فأكد أنه يريد «إنقاذ العلاقات معها من التوترات». وهذه الرسالة «بالواسطة» إلى باريس يبدو أن الرئيس التركي كررها «مباشرة» لـماكرون. ووفق شاووش أوغلو الذي سبق وتواصل مع نظيره جان إيف لو دريان بالهاتف واتفقا على «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات بين باريس وأنقرة، فإن رسالتي إردوغان وماكرون أكدتا على استئناف الحوار بين البلدين وأن الرئيسين سيتواصلان بالهاتف أو عبر تقنية الفيديو قبل لقاء محتمل وجهاً لوجه.
ووصف الوزير التركي رسالة ماكرون بأنها «إيجابية جداً»، وأنه عبر عن رغبته بلقاء إردوغان. وبانتظار حصول هذا التطور الرئيسي، فإن باريس وأنقره اتفقتا على تعميق المباحثات في بعض المجالات كمكافحة الإرهاب والملفين السوري والليبي. السؤال المطروح في باريس وبروكسل والعواصم الأوروبية الأخرى يدور حول الأسباب والعوامل التي تدفع الطرفين التركي للتقارب مجدداً. حقيقة الأمر أن أنقرة تبدو الأكثر استعجالاً. ووفق وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بون، فإن مرد الاستدارة التركية يعود للعقوبات التي فرضها الاتحاد على تركيا. وقال بون إن «حزم الاتحاد الأوروبي يؤتي ثماره» وإن «العقوبات على الأفراد والشركات التركية ستتواصل». لكن الطرف الفرنسي، رغم الرسائل وإعلانات النوايا، يبدو متشككاً بالنوايا والخطط التركية. فقد سبق للوزير لودريان، في حديثه عن تركيا، القول إن بلاده «تريد أفعالاً لا أقوالاً»، كما أن مصادر قصر الإليزيه أشارت إلى أن فرنسا «تحتاج الآن إلى خطوات ملموسة» من جانب أنقرة.
بيد أن مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس وإن أخذت بعين الاعتبار موضوع العقوبات وأثرها على تركيا، إلا أنها قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يتعين تضخيم أهميتها»، إذ إنها «عقوبات مخففة ولا تعني سوى عدد قليل جداً من الأشخاص والشركات». وسبق لأوروبا أن فرضت مثلها وفي السياق عينه، في عام 2019. وبرأي هذه المصادر أن رغبة التقارب التركية مع باريس سببها السعي لـ«تحييد» فرنسا حتى لا تكون عائقاً يحول دون تقارب أنقرة مع الاتحاد.
يضاف إلى ذلك سببان رئيسيان: الأول، حالة الاقتصاد التركي المتدهور من جهة وسعي أنقرة لاستباق تسلم إدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن زمام الأمور في الولايات المتحدة الأميركية ومخاوف السلطات التركية من تغير السياسة الأميركية تجاهها بحيث لن يحظى الرئيس إردوغان بـ«التفهم»، الذي حظي به لدى الرئيس ترمب إزاء سياساته في سوريا وليبيا وشرق المتوسط وحتى داخل الحلف الأطلسي. من هنا، حاجته لأوروبا الراغبة بدورها في قلب صفحة الجفاء مع أنقرة. والدليل على ذلك أن رئيسة المفوضية ورئيس المجلس الأوروبي سيزوران أنقرة قبل نهاية الشهر الحالي وسيسبقهما إلى بروكسل، من أجل محادثات تمهيدية، الوزير شاووش أوغلو. وكمؤشر لحسن نواياها، أعلن أن اجتماعاً «استكشافياً» بين وفدين تركي ويوناني سيجرى في إسطنبول في 25 الحالي بشأن الخلافات.
ولتركيا مطالب عديدة من أوروبا التي تتهمها بعدم الوفاء بالاتفاقية المبرمة معها بشأن اللاجئين وتحديث اتفاقية «الاتحاد الجمركي» وإلغاء التأشيرات للمواطنين الأتراك وأخيراً إعادة إطلاق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد وهي المتوقفة منذ سنوات علماً بأنها انطلقت قبل 16 عاماً.
يبقى أن لباريس «مصلحة» في إعادة الحياة لعلاقاتها مع تركيا. ذلك أن الكثيرين في باريس يعتبرون أن التصعيد مع تركيا «لم يكن مفيداً» وأن الأمور «ذهبت بعيداً» وأنها «لم تكن في صالح باريس» التي لم تنجح في وقف التمدد التركي.
يضاف إلى ذلك أن «عداوة» باريس لأنقرة لم تلق الدعم الذي كانت تسعى إليه باريس من شركائها في الاتحاد الأوروبي، لا بل إنها واجهت معارضة من دولتين رئيسيتين هما ألمانيا وإسبانيا.
وتعتبر الكثير من الدول الأوروبية أن تركيا عضو مهم في الحلف الأطلسي وأن من غير المفيد «إبعادها» عن أوروبا أو استدعاؤها إرضاء للرئيس الفرنسي، الأمر الذي فهمته أنقرة وسعت لاستغلال اختلاف الرؤى بين الأوروبيين لصالحها. لكن هذه الاعتبارات وإعلان النوايا لا تعني أبداً أن «تطبيع» العلاقات التركية مع فرنسا سيكون أمراً سهلاً، إذ إن مواضع الاحتكاك والاختلافات لن تزول بسحر ساحر فلا تركيا تخلت عن طموحاتها الغازية في شرق المتوسط ولا عن طموحاتها في ليبيا أو سوريا ولا باريس مستعدة لترك النفوذ التركي يتنامى بينما تلزم موقف المتفرج. لذا، فمن المبكر الحديث عن «تطبيع» بين بلدين عاشا في الأشهر الأخيرة دراما حقيقية وتبادل اتهامات ومواجهات غير مباشرة.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».