البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة
TT

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

«البيئة البحرية والصحة» عنوان الحلقة الرابعة من سلسلة المقالات عن الصحة والبيئة في البلدان العربية. يستند هذا المقال إلى الفصل الخاص بالموضوع في تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الذي صدر مؤخراً. والفصل من تأليف الدكتور عمرو السمّاك، أستاذ علوم البحار في جامعة الإسكندرية، والدكتورة أميرة حمدان، أستاذة الأحياء الدقيقة البحرية في قسم علم المحيطات بالجامعة.
أدى اتساع التنمية الحضرية وزيادة التصنيع إلى انتشار التلوث وتراجع نوعية الحياة في البيئة البحرية العربية. وأسهمت المنصرفات الملوثة والمخلّفات المتسربة إلى البحار والمحيطات، إلى جانب تكاثر الطحالب الضارة وانتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المياه، والمأكولات البحرية الملوثة، في زيادة المخاطر الصحية على المواطنين.
ويؤثر الاستغلال البشري على نحو سلبي في الخدمات البيئية التي توفرها النظم البحرية. فتربية الأحياء المائية والتنمية الحضرية ومصايد الأسماك والصناعات الساحلية والفعاليات الترفيهية تولد قدراً كبيراً من التلوث الكيميائي، كالمعادن والملوثات العضوية والجسيمات الدقيقة والمغذيات، وهي تسهم في تراجع البيئة الطبيعية.
تاريخياً، كانت الخسائر والأضرار التي تلحق بالمهن البحرية، مثل الصيد، في طليعة القضايا ذات الصلة بصحة الإنسان ورفاهيته. لكن العلاقة المتبادلة بين صحة الإنسان والبيئة البحرية والساحلية أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الشاطئ.
وكانت الأمم المتحدة لحظت العلاقة الوثيقة بين صحة الإنسان والبيئة البحرية في أهداف التنمية المستدامة حتى سنة 2030، لا سيما الهدف الرابع عشر «الحياة تحت الماء». وهو يدعو في أحد بنوده إلى منع التلوث البحري بجميع أنواعه والحد منه على نحو كبير، بما في ذلك الحطام البحري والتلوث بالمغذيات، بحلول سنة 2025.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة»، الذي صدر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية. وفي مجال البيئة البحرية، يتناول التقرير المخاطر الصحية المرتبطة بالتصريف المباشر لمياه الصرف الصحي غير المعالجة في المناطق الساحلية، والتنقيب عن النفط واستخراجه في البحر، والمواد البلاستيكية الدقيقة.
ويشير التقرير إلى أن تأثير البيئة البحرية على صحة الإنسان في المنطقة العربية لم يحظَ بالاهتمام المطلوب، رغم وجود مناطق ساحلية شاسعة تضم مراكز اقتصادية مكتظة بالسكان. ويبلغ طول الواجهة البحرية للدول العربية أكثر من 30 ألف كيلومتر، منها 18 ألفاً مأهولة بالسكان، حيث يتسبب التوسع الحضري والتحول الصناعي والنمو السكاني في زيادة التلوث، كما يؤدي في بعض الأحيان إلى آثار صحية سلبية وتراجع في نوعية الحياة.
ويواجه التوازن بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية من ناحية، والحفاظ على البيئة البحرية من ناحية أخرى، ضغوطاً كبيرة في المنطقة العربية بفعل التدفقات المستمرة للمدخلات البشرية على شكل مجموعة متنوعة من مصادر التلوث البرية والبحرية. وتشمل مصادر التلوث البرية الأنشطة الحضرية والصناعية، والتصريف المباشر لمياه الصرف الصحي، المعالجة جزئياً أو غير المعالجة، في المنطقة الساحلية مباشرةً. فيما تضم مصادر التلوث البحرية؛ التنقيب عن النفط واستخراجه، والشحن، والتجريف، وأنشطة صيد الأسماك والرحلات الترفيهية.
وتعد الهيدروكربونات البترولية من بين أكثر الملوثات العضوية انتشاراً في البيئة البحرية العربية، خصوصاً في المناطق التي توجد فيها أنشطة التنقيب وكذلك في المناطق الصناعية. ويرى كثيرون أن مياه الخليج العربي هي بين الأكثر عرضةً للمركبات الهيدروكربونية البترولية في العالم.
ورغم العدد الكبير للهيدروكربونات في المنتجات البترولية والطبيعة الواسعة لاستخدام البترول، فإن عدداً محدوداً من هذه المركّبات يتّصف بالسمّية. وتقع تراكيز معظم الهيدروكربونات التي جرى رصدها على السواحل العربية ضمن التراكيز المسموحة لإرشادات جودة الرواسب.
وعلى نحو مشابه، يشير رصد مستويات المعادن ضمن رواسب بعض المناطق الساخنة المنتقاة في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر المتوسط، إلى أن تراكيز معظم المعادن المسجلة، بما فيها تلك التي تشكل خطراً كبيراً على صحة الإنسان، كالزئبق والكادميوم والرصاص والزرنيخ، هي ضمن التراكيز المقبولة لإرشادات جودة الرواسب.
ويناقش تقرير «أفد» ظاهرة نمو الطحالب وانتشارها ومخاطرها على الأنواع الحية وصحة الإنسان، حيث تستنفد الطحالب الضارة الأكسجين المنحلّ في الماء وتحجب ضوء الشمس، وهما يمثّلان ما تحتاجه الكائنات الحية الأخرى لتستمر في الحياة. ويمكن أن يؤدي استهلاك المأكولات البحرية الملوثة بسموم الطحالب إلى مشاكل صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة، خصوصاً أن سموم الطحالب محايدة حرارياً وحمضياً ويصعب تحرّيها لأنها عديمة الطعم والرائحة.
وتتعرض مياه الخليج العربي للازدهار الطحلبي، خصوصاً في فصلي الخريف والشتاء، بسبب جغرافية المنطقة وحركة المرور الكثيفة وقيام السفن بتفريغ مياه التوازن غير النظيفة. ويحتضن الخليج 337 نوعاً من العوالق النباتية.
ويعاني جون الكويت ومصب نهر شط العرب من زيادة في تراكيز المغذيات، ما يؤدي إلى تسريع نمو الطحالب والنباتات البحرية، ويرتبط هذا بطرح مياه الصرف الصحي، التي تحتوي على المغذيات، حتى لو كانت معالجة. وكان الانفجار الطحلبي في مياه الخليج العربي خلال الفترة بين أغسطس (آب) 2008 ومايو (أيار) 2009 تسبب في نفوق الأسماك على نطاق واسع، وتلف الشعاب المرجانية، وتوقف عمليات تحلية المياه، وتراجع أنشطة الصيد والسياحة. لكن التدابير المتخذة خلال السنوات الأخيرة خففت من هذه الظاهرة.
ويرتبط الازدهار الطحلبي في البحر المتوسط بحركة التيارات، وهي ظاهرة محلية توجد في الخلجان والبحيرات والموانئ والشواطئ ومصبّات الأنهار. وتُعزى التوزيعات الخاصة بالطحالب الخضراء والصفراء في ساحل شمال أفريقيا إلى البنى الحضرية المقامة على خط الشاطئ، وزيادة تراكيز المغذيات، إلى جانب مياه المحيط الأطلسي التي تعدل ملوحة البحر المتوسط.
وتواجه موانئ الإسكندرية على نحو متكرر ظاهرة المد الأحمر منذ سنة 1966، وتنتج هذه الظاهرة عن ازدهار أحد أنواع الطحالب. ولا يتسبب المد الأحمر في موت الأسماك واللافقاريات، لكنه يؤدي إلى خسائر اقتصادية في السياحة المحلية. وتتكرر حوادث تكاثر الطحالب الضارة على مدار العام في مناطق مختلفة من البحر الأحمر، ولطالما اقترنت هذه الحوادث بنفوق أعداد كبيرة من الأسماك.
ويشير تقرير «أفد» إلى دور محطات تحلية مياه البحر في تعزيز فرص ازدهار الطحالب، لأن منصرفاتها ذات نسبة ملوحة ودرجة حرارة تحد من التنوع الحيوي وتزيد الكتلة الحيوية. ورغم تعرض محطات تحلية مياه البحر لحوادث الازدهار الطحلبي، تعد الآثار السمية المتبقية في مياه الشرب المعالجة منخفضة ولا تلحق ضرراً بصحة الإنسان.
ومن ناحية أخرى، يوفر النظام البيئي البحري موطناً طبيعياً لمجموعة من مسببات الأمراض الميكروبية التي تمثل تهديداً للإنسان بتلويث المأكولات البحرية ومياه الشرب ومناطق السباحة. وتوجد مصادر عدة للتلوث البكتيري في المياه الساحلية، كتسرب الصرف الصحي ومنصرفات السفن والجريان السطحي من اليابسة أثناء العواصف المطرية الغزيرة.
ويمكن تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات بناءً على ممارسات التخلص من مياه الصرف الصحي، حيث تضم المجموعة الأولى دول الخليج التي تعالج معظم مياه الصرف الصحي، وتعيد استخدامها لري الأراضي الزراعية والمسطحات الخضراء، ثم تضخ الفائض إلى البحر أو المناطق المفتوحة بعد المعالجة المتقدمة. وينصح التقرير بإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة بالكامل، وعدم تصريف أي كمية منها في البحر.
أما المجموعة الثانية فتشمل مصر والمغرب والأردن والعراق وسوريا، وهي مجموعة معتدلة في التخلص من مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، ولا تراعي إجراءاتها جميع المعايير الوطنية أو الدولية. أما فلسطين واليمن ولبنان فتقع في المجموعة الثالثة التي تضخ معظم مياه الصرف الصحي في البحر والمناطق المفتوحة من دون معالجة أو بمعالجة جزئية.
في لبنان، على سبيل المثال، يجري تصريف مياه الصرف الصحي إلى البيئة البحرية من دون معالجة أولية، ولذلك فإن عدداً من الشواطئ، خصوصاً في مناطق بيروت وطرابلس، غير آمنة للسباحة. وإلى جانب الصرف الصحي، تتعرض سواحل لبنان إلى عدد من عوامل إجهاد بشرية المنشأ، بما فيها المنصرفات الصناعية غير المعالجة، ما يؤدي إلى مستويات عالية من الملوثات العضوية ومسببات الأمراض في كثير من المواقع.
ويعدّ البحر المتوسط أحد أكثر البحار تلوثاً بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة (ميكروبلاستيك) بسبب التدفق السطحي للمياه من المحيط الأطلسي، ما يعيق الأجسام العائمة من الانجراف خارجه. وتوجد تقارير محدودة عن وضع النفايات البحرية في منطقة الخليج، بينها دراسة قديمة نشرت في 1989 تشير إلى وجود الميكروبلاستيك على طوال سواحل الكويت، وإن كان التعداد في حينه يقل عن القيم المنشورة للمناطق المجاورة.
وفي المقابل، تشير الدراسات إلى أن كمية المواد البلاستيكية في البحر الأحمر أقل مما هي عليه في بعض البحار الإقليمية الأخرى. وفي دراسة أجريت سنة 2018، تم العثور على جسيمات بلاستيكية دقيقة في نحو 15 في المائة من عيّنات الأسماك على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر. وتعدّ المخاطر البيئية والصحية للميكروبلاستيك البحري مجال بحث جديد نسبياً، وتوجد حالياً درجة من عدم اليقين بأبعاد هذه المشكلة، حيث يشكل فهم مصير وسمّية المواد البلاستيكية فجوة معرفية كبيرة تستحق اهتماماً خاصاً.
ويخلُص تقرير «أفد» إلى أهمية دعم الأبحاث حول البيئة البحرية في المنطقة العربية وتوجيهها نحو استكشاف الروابط بين البيئة البحرية وصحة الإنسان. ويدعو التقرير إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تغطي الحياة تحت الماء، من خلال تحسين الإدارة الوطنية للبحار وتعزيز التعاون الإقليمي الذي يضمن استدامة الموارد البحرية المشتركة.


مقالات ذات صلة

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا أحياء غارقة بكاملها في مدينة نها ترانغ الساحلية بفيتنام جراء الفيضانات (أ.ف.ب)

ارتفاع حصيلة الوفيات من الفيضانات والانهيارات الأرضية في فيتنام إلى 43

أعلنت السلطات الفيتنامية، الجمعة، أن الأمطار الموسمية والانهيارات الأرضية الناجمة عنها أسفرت عن وفاة 43 شخصاً في فيتنام منذ مطلع الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هانوي)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».