البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة
TT

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

البِحار والصحة البيئية في العالم العربي... تلوث متعدد المظاهر ودراسات محدودة

«البيئة البحرية والصحة» عنوان الحلقة الرابعة من سلسلة المقالات عن الصحة والبيئة في البلدان العربية. يستند هذا المقال إلى الفصل الخاص بالموضوع في تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الذي صدر مؤخراً. والفصل من تأليف الدكتور عمرو السمّاك، أستاذ علوم البحار في جامعة الإسكندرية، والدكتورة أميرة حمدان، أستاذة الأحياء الدقيقة البحرية في قسم علم المحيطات بالجامعة.
أدى اتساع التنمية الحضرية وزيادة التصنيع إلى انتشار التلوث وتراجع نوعية الحياة في البيئة البحرية العربية. وأسهمت المنصرفات الملوثة والمخلّفات المتسربة إلى البحار والمحيطات، إلى جانب تكاثر الطحالب الضارة وانتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المياه، والمأكولات البحرية الملوثة، في زيادة المخاطر الصحية على المواطنين.
ويؤثر الاستغلال البشري على نحو سلبي في الخدمات البيئية التي توفرها النظم البحرية. فتربية الأحياء المائية والتنمية الحضرية ومصايد الأسماك والصناعات الساحلية والفعاليات الترفيهية تولد قدراً كبيراً من التلوث الكيميائي، كالمعادن والملوثات العضوية والجسيمات الدقيقة والمغذيات، وهي تسهم في تراجع البيئة الطبيعية.
تاريخياً، كانت الخسائر والأضرار التي تلحق بالمهن البحرية، مثل الصيد، في طليعة القضايا ذات الصلة بصحة الإنسان ورفاهيته. لكن العلاقة المتبادلة بين صحة الإنسان والبيئة البحرية والساحلية أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الشاطئ.
وكانت الأمم المتحدة لحظت العلاقة الوثيقة بين صحة الإنسان والبيئة البحرية في أهداف التنمية المستدامة حتى سنة 2030، لا سيما الهدف الرابع عشر «الحياة تحت الماء». وهو يدعو في أحد بنوده إلى منع التلوث البحري بجميع أنواعه والحد منه على نحو كبير، بما في ذلك الحطام البحري والتلوث بالمغذيات، بحلول سنة 2025.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة»، الذي صدر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية. وفي مجال البيئة البحرية، يتناول التقرير المخاطر الصحية المرتبطة بالتصريف المباشر لمياه الصرف الصحي غير المعالجة في المناطق الساحلية، والتنقيب عن النفط واستخراجه في البحر، والمواد البلاستيكية الدقيقة.
ويشير التقرير إلى أن تأثير البيئة البحرية على صحة الإنسان في المنطقة العربية لم يحظَ بالاهتمام المطلوب، رغم وجود مناطق ساحلية شاسعة تضم مراكز اقتصادية مكتظة بالسكان. ويبلغ طول الواجهة البحرية للدول العربية أكثر من 30 ألف كيلومتر، منها 18 ألفاً مأهولة بالسكان، حيث يتسبب التوسع الحضري والتحول الصناعي والنمو السكاني في زيادة التلوث، كما يؤدي في بعض الأحيان إلى آثار صحية سلبية وتراجع في نوعية الحياة.
ويواجه التوازن بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية من ناحية، والحفاظ على البيئة البحرية من ناحية أخرى، ضغوطاً كبيرة في المنطقة العربية بفعل التدفقات المستمرة للمدخلات البشرية على شكل مجموعة متنوعة من مصادر التلوث البرية والبحرية. وتشمل مصادر التلوث البرية الأنشطة الحضرية والصناعية، والتصريف المباشر لمياه الصرف الصحي، المعالجة جزئياً أو غير المعالجة، في المنطقة الساحلية مباشرةً. فيما تضم مصادر التلوث البحرية؛ التنقيب عن النفط واستخراجه، والشحن، والتجريف، وأنشطة صيد الأسماك والرحلات الترفيهية.
وتعد الهيدروكربونات البترولية من بين أكثر الملوثات العضوية انتشاراً في البيئة البحرية العربية، خصوصاً في المناطق التي توجد فيها أنشطة التنقيب وكذلك في المناطق الصناعية. ويرى كثيرون أن مياه الخليج العربي هي بين الأكثر عرضةً للمركبات الهيدروكربونية البترولية في العالم.
ورغم العدد الكبير للهيدروكربونات في المنتجات البترولية والطبيعة الواسعة لاستخدام البترول، فإن عدداً محدوداً من هذه المركّبات يتّصف بالسمّية. وتقع تراكيز معظم الهيدروكربونات التي جرى رصدها على السواحل العربية ضمن التراكيز المسموحة لإرشادات جودة الرواسب.
وعلى نحو مشابه، يشير رصد مستويات المعادن ضمن رواسب بعض المناطق الساخنة المنتقاة في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر المتوسط، إلى أن تراكيز معظم المعادن المسجلة، بما فيها تلك التي تشكل خطراً كبيراً على صحة الإنسان، كالزئبق والكادميوم والرصاص والزرنيخ، هي ضمن التراكيز المقبولة لإرشادات جودة الرواسب.
ويناقش تقرير «أفد» ظاهرة نمو الطحالب وانتشارها ومخاطرها على الأنواع الحية وصحة الإنسان، حيث تستنفد الطحالب الضارة الأكسجين المنحلّ في الماء وتحجب ضوء الشمس، وهما يمثّلان ما تحتاجه الكائنات الحية الأخرى لتستمر في الحياة. ويمكن أن يؤدي استهلاك المأكولات البحرية الملوثة بسموم الطحالب إلى مشاكل صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة، خصوصاً أن سموم الطحالب محايدة حرارياً وحمضياً ويصعب تحرّيها لأنها عديمة الطعم والرائحة.
وتتعرض مياه الخليج العربي للازدهار الطحلبي، خصوصاً في فصلي الخريف والشتاء، بسبب جغرافية المنطقة وحركة المرور الكثيفة وقيام السفن بتفريغ مياه التوازن غير النظيفة. ويحتضن الخليج 337 نوعاً من العوالق النباتية.
ويعاني جون الكويت ومصب نهر شط العرب من زيادة في تراكيز المغذيات، ما يؤدي إلى تسريع نمو الطحالب والنباتات البحرية، ويرتبط هذا بطرح مياه الصرف الصحي، التي تحتوي على المغذيات، حتى لو كانت معالجة. وكان الانفجار الطحلبي في مياه الخليج العربي خلال الفترة بين أغسطس (آب) 2008 ومايو (أيار) 2009 تسبب في نفوق الأسماك على نطاق واسع، وتلف الشعاب المرجانية، وتوقف عمليات تحلية المياه، وتراجع أنشطة الصيد والسياحة. لكن التدابير المتخذة خلال السنوات الأخيرة خففت من هذه الظاهرة.
ويرتبط الازدهار الطحلبي في البحر المتوسط بحركة التيارات، وهي ظاهرة محلية توجد في الخلجان والبحيرات والموانئ والشواطئ ومصبّات الأنهار. وتُعزى التوزيعات الخاصة بالطحالب الخضراء والصفراء في ساحل شمال أفريقيا إلى البنى الحضرية المقامة على خط الشاطئ، وزيادة تراكيز المغذيات، إلى جانب مياه المحيط الأطلسي التي تعدل ملوحة البحر المتوسط.
وتواجه موانئ الإسكندرية على نحو متكرر ظاهرة المد الأحمر منذ سنة 1966، وتنتج هذه الظاهرة عن ازدهار أحد أنواع الطحالب. ولا يتسبب المد الأحمر في موت الأسماك واللافقاريات، لكنه يؤدي إلى خسائر اقتصادية في السياحة المحلية. وتتكرر حوادث تكاثر الطحالب الضارة على مدار العام في مناطق مختلفة من البحر الأحمر، ولطالما اقترنت هذه الحوادث بنفوق أعداد كبيرة من الأسماك.
ويشير تقرير «أفد» إلى دور محطات تحلية مياه البحر في تعزيز فرص ازدهار الطحالب، لأن منصرفاتها ذات نسبة ملوحة ودرجة حرارة تحد من التنوع الحيوي وتزيد الكتلة الحيوية. ورغم تعرض محطات تحلية مياه البحر لحوادث الازدهار الطحلبي، تعد الآثار السمية المتبقية في مياه الشرب المعالجة منخفضة ولا تلحق ضرراً بصحة الإنسان.
ومن ناحية أخرى، يوفر النظام البيئي البحري موطناً طبيعياً لمجموعة من مسببات الأمراض الميكروبية التي تمثل تهديداً للإنسان بتلويث المأكولات البحرية ومياه الشرب ومناطق السباحة. وتوجد مصادر عدة للتلوث البكتيري في المياه الساحلية، كتسرب الصرف الصحي ومنصرفات السفن والجريان السطحي من اليابسة أثناء العواصف المطرية الغزيرة.
ويمكن تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات بناءً على ممارسات التخلص من مياه الصرف الصحي، حيث تضم المجموعة الأولى دول الخليج التي تعالج معظم مياه الصرف الصحي، وتعيد استخدامها لري الأراضي الزراعية والمسطحات الخضراء، ثم تضخ الفائض إلى البحر أو المناطق المفتوحة بعد المعالجة المتقدمة. وينصح التقرير بإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة بالكامل، وعدم تصريف أي كمية منها في البحر.
أما المجموعة الثانية فتشمل مصر والمغرب والأردن والعراق وسوريا، وهي مجموعة معتدلة في التخلص من مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، ولا تراعي إجراءاتها جميع المعايير الوطنية أو الدولية. أما فلسطين واليمن ولبنان فتقع في المجموعة الثالثة التي تضخ معظم مياه الصرف الصحي في البحر والمناطق المفتوحة من دون معالجة أو بمعالجة جزئية.
في لبنان، على سبيل المثال، يجري تصريف مياه الصرف الصحي إلى البيئة البحرية من دون معالجة أولية، ولذلك فإن عدداً من الشواطئ، خصوصاً في مناطق بيروت وطرابلس، غير آمنة للسباحة. وإلى جانب الصرف الصحي، تتعرض سواحل لبنان إلى عدد من عوامل إجهاد بشرية المنشأ، بما فيها المنصرفات الصناعية غير المعالجة، ما يؤدي إلى مستويات عالية من الملوثات العضوية ومسببات الأمراض في كثير من المواقع.
ويعدّ البحر المتوسط أحد أكثر البحار تلوثاً بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة (ميكروبلاستيك) بسبب التدفق السطحي للمياه من المحيط الأطلسي، ما يعيق الأجسام العائمة من الانجراف خارجه. وتوجد تقارير محدودة عن وضع النفايات البحرية في منطقة الخليج، بينها دراسة قديمة نشرت في 1989 تشير إلى وجود الميكروبلاستيك على طوال سواحل الكويت، وإن كان التعداد في حينه يقل عن القيم المنشورة للمناطق المجاورة.
وفي المقابل، تشير الدراسات إلى أن كمية المواد البلاستيكية في البحر الأحمر أقل مما هي عليه في بعض البحار الإقليمية الأخرى. وفي دراسة أجريت سنة 2018، تم العثور على جسيمات بلاستيكية دقيقة في نحو 15 في المائة من عيّنات الأسماك على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر. وتعدّ المخاطر البيئية والصحية للميكروبلاستيك البحري مجال بحث جديد نسبياً، وتوجد حالياً درجة من عدم اليقين بأبعاد هذه المشكلة، حيث يشكل فهم مصير وسمّية المواد البلاستيكية فجوة معرفية كبيرة تستحق اهتماماً خاصاً.
ويخلُص تقرير «أفد» إلى أهمية دعم الأبحاث حول البيئة البحرية في المنطقة العربية وتوجيهها نحو استكشاف الروابط بين البيئة البحرية وصحة الإنسان. ويدعو التقرير إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تغطي الحياة تحت الماء، من خلال تحسين الإدارة الوطنية للبحار وتعزيز التعاون الإقليمي الذي يضمن استدامة الموارد البحرية المشتركة.


مقالات ذات صلة

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».