تراث فيلليني السينمائي وعلاقته الملتبسة بالكنيسة والفاشية

أمير العمري يرصد أبعاده في كتابه «جنون السينما»

مشهد من فيلم «8 ونصف»
مشهد من فيلم «8 ونصف»
TT

تراث فيلليني السينمائي وعلاقته الملتبسة بالكنيسة والفاشية

مشهد من فيلم «8 ونصف»
مشهد من فيلم «8 ونصف»

يتوقف الناقد السينمائي أمير العمري، في كتابه «جنون السينما»، أمام العناصر المميزة لسينما المخرج الإيطالي الشهير فيديريكو فيلليني، وعلاقتها بالأحلام والتحليل النفسي وذكريات الطفولة، وتاريخه في رسم الوجوه والصور الكاريكاتورية، وكذلك نظرته إلى الدين والعلاقة الملتبسة مع الكنيسة والفاشية، فضلاً عن علاقته بالمرأة.
ويدور الكتاب الذي صدر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر اللبنانية حول الأفلام الروائية الطويلة والتسجيلية والقصيرة التي قدمها فيلليني، ويسعى خلال فصوله إلى تقديم تحليل تفصيلي شامل لكل أفلام السينمائي الإيطالي الذي احتفل العالم بمئويته في 2020.
ويتضمن الكتاب مقدمة، و19 فصلاً، و3 ملاحق، وفيلموغرفيا كاملة تفصيلية لأفلام فيلليني التي أخرجها لتصبح ضمن أفلام طويلة اشترك فيها أكثر من مخرج، على نحو ما كان سائداً خلال مرحلة الخمسينيات والستينيات في السينما الأوروبية.
في الفصل الأول، يسلط العمري الأضواء على حياة وتكوين فيلليني، وعلاقته الوثيقة بعالم الرسم والكاريكاتير، وأهم المحطات في مسيرته الفنية، والمراحل المختلفة التي صنعت منه أحد أساطير السينما في العالم. وتناول في الفصل الثاني ثلاثية فيلليني الأولى، بما فيها مشاركته مع مخرج آخر في إخراج أول أفلامه، وهو «أضواء المنوعات» (1950) الذي عده فيلليني «نصف فيلم»، وقد استمد منه اسم فيلمه الشهير «8 ونصف» الذي يعد أحد أهم أفلام سينما الحداثة الأوروبية، وأحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما. فعندما أقبل على إخراجه، لم يجد له اسماً، ففضل أن يمنحه عدد الأفلام التي كان قد أخرجها حتى ذلك الحين (1963)، بما فيها «نصف الفيلم» أو فيلمه المشترك مع المخرج ألبرتو لاتوادا.
وتضمن الفصل الثالث تحليلاً لما عده المؤلف ثلاثية فللينية ثانية تختلف نوعياً عن ثلاثيته الأولى. أما باقي الفصول، فقد جاء كل منها يحمل اسم فيلم من الأفلام التالية، ويشتمل على قراءة خصصها لكل واحد منها على حدة، باستثناء الفصل السابع الذي خصصه لتحليل أفلامه الثلاثة القصيرة التي أخرجها فلليني على فترات متباعدة.
وفي مقدمته للكتاب، قال العمري إنه لم يشأ أن يشتت انتباه القارئ بقطع سياق الفصول، والاستعانة بهوامش أسفل الصفحات أو في نهاية كل فصل، كما جرت العادة، خاصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية، بل فضل تسهيلاً على القراء، وحرصاً على انسجام القراءة، أن يضع إشارات داخل النص نفسه للمصادر أو المراجع التي استند إليها، أو استعان منها بفكرة أو رأي أو معلومة من المعلومات التي تدعم تحليله للأفلام التي تناولها تفصيلاً.
وقد حرص مؤلف الكتاب على وضع الإشارات باللغة العربية في نهاية كل فصل، ثم عاد في نهاية الكتاب فخصص قسماً للمراجع التي استند إليها، وأثبتها بلغاتها الأصلية حتى يمكن للقارئ الراغب في الاستزادة العودة لها.
ويذكر العمري في كتابه أن رحلته مع فيلليني وأفلامه لم تكن سهلة، خاصة عند مراجعة تصريحاته وما نقل عنه، وهو كثير، بسبب ميله المستمر إلى تغيير أقواله، وهو ما يعترف به، بل إنه يعد نفسه راوياً لقصص تنطلق من الخيال، ويقول إنه يرويها من وجهة نظره، لا كما وقعت، ولذلك يقول فيلليني عن نفسه إنه «أسوأ شاهد يمكن أن يمثل أمام المحكمة» لأنه لن يستطيع أن يروي أبداً أي حادث كما وقع، بل كما يستعيده من وحي خياله. والخيال عند فيلليني كان دائماً أهم من الواقع، بل من الحقيقة.
ولفت العمري إلى أن تجربة فيلليني الخاصة في التصوير في الاستديو، باستخدام الديكورات الهائلة، بديلاً عن المواقع الطبيعية، وإعادة تشكيل الطبيعة وتسخيرها، وطريقته الخاصة في توجيه الممثلين، وغير ذلك من تراث عصر سينما الفن، ما زالت تصلح دروساً تتعلم منها الأجيال الجديدة من عشاق الفن السينمائي ودارسيه بوجه عام، وقد كان نموذجاً للدقة والاهتمام بكل تفاصيل العمل السينمائي، والكفاح المرير من أجل الحصول على التمويل اللازم لإنتاج الفيلم، وتحقيق الأحلام وتحويلها إلى مادة بصرية صوتية تقاوم الزمن.
وتحدث الكتاب عن فيلليني بصفته من أكثر السينمائيين الأوروبيين قرباً من أبناء الثقافة العربية وعشاق السينما والمهتمين بها. فقد كان بمزاجه المتوسطي يحب الألوان الصريحة القوية، والصور التي تزخر بالحركة والحيوية والحياة، ويؤمن بالسحر والروحانيات والوجود اللامرئي للأشياء، كما كان لديه شعور راسخ بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، ويرى أن لقوانين الصدفة منطقها الخاص، من دون أن ينحو نحو الفوضوية.
وأشار العمري إلى أن فيلليني كان يرى أن السينما يمكن أن تكون بديلاً للعالم الواقعي، لكنه لم يعتقد أن الفيلم يجب أن يكون امتداداً للواقع، ولم يكن ينطلق في عمله من خطة صارمة دقيقة أو سيناريو تفصيلي محكم يحدد خطواته، بل كان يميل إلى ترك مساحة ما للارتجال، إلا أنه ليس في الحقيقة ارتجالاً فوضوياً، بل كان استلهاماً فنياً من الحالة الذهنية والشعورية التي يجد الفنان نفسه يعيشها مع نفسه ومع المكان ومع الممثلين.
كان فيلليني يصنع أفلاماً لمتعته الشخصية، ورغبته في إمتاع المشاهدين، ولكنها لم تكن أفلاماً للتسلية، على غرار أفلام هوليوود التقليدية، بل كانت مركبة تعكس كثيراً من أفكاره الفلسفية ورؤيته الخاصة للعالم، وكان نموذجاً مثالياً للمخرج المؤلف الذي يعبر عن أفكاره الخاصة من فيلم لآخر، وقد جاءت انطلاقته من «الواقعية الجديدة»؛ أي من عمله كاتب سيناريو لعدد من أهم أفلام تلك الحركة في الأربعينيات الماضية، أشهرها «روما مدينة مفتوحة» لعميد الواقعية الإيطالية روبرتو روسيلليني، لكنه سرعان ما ابتعد عنها في أفلامه الأولى، مفضلاً التركيز على الشخصيات، وفحص «الفردية الذاتية»، وعلاقة الفرد بالعالم، في عذابه وبحثه عن «الخلاص»، غالباً بمفهوم ديني مرتبط بنشأة فيلليني الكاثوليكية.
وتحدث الكتاب عن علاقة فيلليني بالمؤسسات الدينية في أوروبا، وقال إنه كان متمرداً عظيماً على الكاثوليكية، مناهضاً لسلطة رجال الدين، وقد أفصح عن ذلك في معظم أفلامه. وكان ذلك التمرد ليس فقط على سلطة الكنيسة التي كثيراً ما وضعت العراقيل في وجهه، واعترضت على أفلامه، بل كان موقفه متمرداً على «المؤسسة» بشكل عام. ورغم أنه كان دائماً ينأى بنفسه عن الخوض في السياسة، ويجد نفسه في ذلك وحيداً بين الغالبية العظمى من المخرجين الإيطاليين في عصره، فإنه كان يسبب الإزعاج لكل من اليمين واليسار. فاليمين أزعجته جرأة فيلليني في تصوير الجسد البشري، والتدهور الأخلاقي لدى الشريحة العليا من البورجوازية، إلى جانب هجومه المستمر على الفاتيكان، وطبقة الكهنة بوجه عام. أما اليسار، فقد أغضبه عدم التزام فيلليني بقضايا الطبقة العاملة، وهو ما عدوه عجزاً عن التماهي مع شخصيات أفلامه من تلك الطبقة، مفضلاً الوقوف على مسافة منهم، يراقبهم ويرصد ردود أفعالهم، دون أن يتخذهم رموزاً لطبقتهم الاجتماعية، كذلك اتُهم من قبل بعض نقاد اليسار بالإغراق في «الشكلانية»، والتلاعب بالوسيط السينمائي، والميل في كثير من أفلامه للغموض.
ورغم ذلك، وكما يذكر العمري، فإن فيلليني ظل أشهر وأهم أبناء جيله من المخرجين الإيطاليين جميعاً، داخل بلاده وخارجها، بسبب نجاحه في خلق أسلوب خلاب ساحر، يعتمد على التداعي الحر، وذكريات الطفولة التي كان يربطها بالحاضر، وقد عده النقاد أهم مخرج «حداثي» في السينما الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان يخلق لغة سينمائية جديدة موازية للأدب الجديد والشعر الحر، متخلياً تماماً عن السرد الخطي التقليدي، والبناء المحكم الذي يتصاعد إلى الذروة، ثم يختتم بحل العقدة، بل يميل إلى تفكيك الفكرة، وإعادة تركيبها بطريقة لا تخضع للمنطق البسيط المباشر التقليدي، بل لما يشعر به الفنان الذي يقوم بعمليتي التفكيك والتركيب.
وفي نهاية الكتاب، وضع العمري بعض الملاحق المكملة التي قام بترجمتها، ومنها ما كتبه فيلليني ورواه بنفسه عن بدايات علاقته بالسينما، وقد حكى بالتحديد، في قصة مثيرة جديرة بالتوقف أمامها، كيف ولد فيلمه «روما مدينة مفتوحة»، بما يعكس شخصية فيلليني وطريقة تفكيره.
وتأتي من بين الكتابات التي ترجمها العمري، ووضعها في نهاية كتابه من أجل إضاءة عالم فلليني السينمائي، تلك الرسالة التي بعث بها رداً على ناقد ماركسي كان قد هاجم فيلم «الطريق» هجوماً عنيفاً بدعوى خيانته الواقعية، ثم المقابلة التاريخية بين الكاتب ألبرتو مورافيا وفيلليني خلال تصوير فيلم «ساتيريكون»، وهي عبارة عن حوار فكري في التاريخ والفلسفة، بين عملاقين في الأدب والسينما.



طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
TT

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري طارق الدسوقي إنه شعر بالرهبة في أول يوم تصوير بمسلسل «علي كلاي»، الذي عُرض في موسم رمضان الماضي، بعد غيابه عن الساحة الفنية 14 عاماً.

وأكد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنه شعر بالخوف من المشاركة في عمل ينتمي إلى الدراما الشعبية، التي باتت تتعرض للهجوم في المواسم الماضية، لافتاً إلى افتقاده كبار الكُتّاب والنجوم الذين عمل معهم.

في البداية، قال الدسوقي إن شخصية «منصور الجوهري»، التي جسدها في مسلسل «علي كلاي» بموسم دراما رمضان الماضي، تُعد من أصعب أدوار المسلسل؛ لأن بقية الشخصيات واضحة، أما شخصيته فمركبة بصراعاتها النفسية؛ فبعد أن كان صاحب سطوة ونفوذ في سوق «التوفيقية»، من خلال عمله في تجارة قطع غيار السيارات، تعرض لمواقف كثيرة كسرته، وجعلته يقدم تنازلات إنسانية، أهمها عدم الاعتراف بابنته.

موضحاً أنه «عبَّر عن هذا الصراع من خلال ملامح وجهه، وحركة جسده، ونبرة صوته». وعن الشكل الخارجي للشخصية، أكد أن المخرج كان صاحب الرؤية فيها، من حيث الشعر الأبيض، واللحية، والنظارة.

ورغم تأكيد الدسوقي تراجع سمعة المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، بسبب حصرها في أعمال العنف و«البلطجة»، فإنه قرر عدم إصدار حكم مسبق على العمل إلا بعد قراءة نصف عدد الحلقات، ليتيقن أن العمل خالٍ تماماً من تلك المفردات السلبية، وأنه يحمل قيماً إنسانية واجتماعية مهمة.

الدسوقي وجد اختلافاً كبيراً في الأسلوب الفني بعد عودته من الغياب (حسابه على فيسبوك)

وبسبب غيابه عن أجواء تصوير الدراما التلفزيونية لنحو 14 عاماً، شعر الدسوقي بالرهبة في أول يوم تصوير «علي كلاي»، حتى إنه أحس كأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، بعدما وجد كل شيء مختلفاً تماماً، سواء في أسلوب التصوير أو نظام العمل.

وأشار طارق إلى أنه تم بناء ديكور «سوق التوفيقية» في «مدينة الإنتاج الإعلامي»، وهو ما منح العمل مصداقية، وأسهم في معايشة جميع الفنانين لأدوارهم.

وبسؤاله عن التحول في ذوق الجمهور، الذي استبدل بالبطل المثقف أو المثالي البطل الشعبي، أجاب قائلاً: «هذه النوعية من الأعمال لها قطاع عريض من الجمهور، وقد سألت نفسي: هل لو كانت عودتي من خلال مسلسل آخر يحقق رغباتي والشكل الذي أطمح إليه، كان سيجد الصدى نفسه؟ ووجدت أن الإجابة لا، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققه المسلسل، والمردود الإيجابي لشخصيتي في العمل».

وعن أبرز مشاهد «الماستر سين» له، قال: «هناك مشاهد كثيرة، منها مشهد الصفعة على وجه أحمد العوضي، وهو المشهد الذي فكرت فيه كثيراً قبل تنفيذه، خوفاً من ردة فعل جمهور العوضي».

وأشار الدسوقي إلى أن العوضي هو من اتصل به هاتفياً للعمل معه، حيث أبلغه أنه كان يتمنى التعاون مع اثنين: أولهما الفنان أحمد عبد العزيز، الذي عمل معه في مسلسل «فهد البطل» بموسم رمضان الماضي، والثاني هو الفنان طارق الدسوقي.

وكشف طارق أنه ليس ضد الأعمال الدرامية الطويلة، ما دام العمل يحتمل، في بنائه الدرامي، أحداثاً يمكن عرضها في 30 أو 40 حلقة، وفي الوقت نفسه يتميز بالإيقاع السريع والتشويق، من دون أن يشعر المشاهد بالملل.

الدسوقي خلال مشاركته في مسرحية «الملك لير» (حسابه على فيسبوك)

ويفتقد طارق أسلوب العمل مع كبار المخرجين، أمثال نور الدمرداش، ومحمد فاضل، وإنعام محمد علي، وإسماعيل عبد الحافظ، حيث كان الهدوء والإتقان السمة الرئيسية في العمل، وهو ما يختلف تماماً عما يحدث الآن. كان المؤلف يطرح فكرته أولاً، ثم يُختار لها المخرج الأنسب، لتبدأ بعدها كتابة الحلقات كاملة. يلي ذلك ترشيح الأدوار، ثم تنطلق بروفات «الترابيزة» لمناقشة أدق تفاصيل العمل، قبل الانتقال إلى بروفات التنفيذ.

ويؤكد أن هذا النظام لم يعد موجوداً للأسف في الوقت الحالي، في ظل انتشار ورش الكتابة التي تتعدد فيها وجهات النظر، وعدم اكتمال عدد الحلقات قبل بدء التصوير، فضلاً عن كتابة بعض المشاهد في أثناء التصوير.

«الملك لير»

وكشف الدسوقي عن سعادته بالوقوف على خشبة «المسرح القومي» المصري، أحد أقدم وأعرق مسارح مصر، لتجسيد شخصية «غلوستر» في مسرحية «الملك لير» مع النجم يحيى الفخراني. وتُعد هذه هي المرة الثالثة التي تُقدم فيها المسرحية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2001، والثانية عام 2019.

وأضاف أن «الدور صعب ومركب، وتزداد صعوبته على المسرح مع المواجهة المباشرة مع الجمهور»، موضحاً أنه «قدم حتى الآن أكثر من 130 ليلة عرض، إضافة إلى تقديم المسرحية في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، على خشبة أوبرا تونس التي تتَّسع لألفي مقعد».

وأعرب عن سعادته بالعمل مع الفخراني للمرة الأولى، لا سيما بعد تعاونه مع عدد كبير من النجوم، مثل نور الشريف، وحسين فهمي، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، وكمال الشناوي.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن الشخصية التي يتمنى تجسيدها هي «عمر بن عبد العزيز»، والتي سبق أن قدمها نور الشريف، ومحمود ياسين، مؤكداً أنها شخصية ثرية تحمل كل مقومات البطل التراجيدي.


مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
TT

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

تبدو الموسيقى في حديث الفنانة اللبنانية مايا واكد أقرب إلى فعل إنساني مُركّب يتجاوز فكرة الشفاء السريعة ويذهب نحو المنطقة التي يلتقي الألم مع الفهم، والفنّ مع حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأنه ليس وحيداً.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، تتأمَّل واكد علاقتها بالموسيقى في الأزمات، وتعيد تعريف دور الفنان بعيداً عن الصور النمطية، كاشفةً عن مسار داخلي يجعل من الغناء محاولة لفَهْم الجرح وتضميده.

ترى أنّ الموسيقى لا تُعنَى بالشفاء وحده، وتقول: «مثل جميع الفنون، هي للتعبير ومحاولة فَهْم الألم. أحياناً يمرُّ الفَهْم عبر القبول قبل أن يصل إلى الراحة». وفق هذا الفَهْم، يصبح التناقض جزءاً من التجربة. فالفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل. وتضيف: «غالباً نحتاج إلى فَتْحه قبل المعالجة، والموسيقى هي الأصبع أو اليد التي نضعها عليه بهدف تنظيفه ورفض تسليمه للنزيف».

في أداء مايا واكد يتحوّل الحزن إلى مادة قابلة للحياة (صور الفنانة)

هذا الاقتراب الحميم من الألم ينعكس على أدائها، فلا تسعى إلى محو الحزن إنما إلى ترويضه. «حين أغنّي وأنا حزينة، أو خلال ظروف صعبة يمرّ فيها وطني، لا أعالج الألم بقدر ما أجعله أليفاً وأقلّ حدّة»، تقول، قبل أن تختصر تجربتها بهذه المعادلة: «الغناء هو 20 في المائة أداء و80 في المائة إحساس». بذلك، يتحوّل الصوت إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور الذي ينتظر هذا الإحساس كي يجد طريقه الخاص إلى التعافي.

تتّسع المساحة حين يدخل المستمع في عمق التجربة، خصوصاً في ظلّ الحرب والنزوح. تدرك واكد أنّ الأغنية تتحوَّل إلى شيء أكثر قرباً من الحياة اليومية للناس، فتقول: «الأغنية لم تعد لحناً فقط. تصبح حضناً لشخص خائف أو ذاكرة لبيت لم يعد موجوداً، أو لحظة هدوء وسط القلق». وهنا تتولّد مسؤولية تنبع من إدراك داخلي لطبيعة العلاقة بين الفنّ والمتلقي.

الموسيقى تُرمّم الداخل كأنها تعمل بعيداً عن أعيننا (صور الفنانة)

مع ذلك، تحرص على وضع حدّ لا يلتبس بين التعبير واستغلال الألم، مؤكدةً أنّ دور الفنان لا يقوم على تحويل معاناة الناس إلى مادة جاذبة، وإنما على خلق مساحة آمنة تُعيد وصلهم بالحياة. تستعيد في هذا السياق تجربتها مع أغنية «بي بيروت»، التي وُلدت في الأصل على هيئة عمل مبهج، قبل أن تعود إليها لاحقاً بنسخة أكثر هدوءاً تحمل شجناً أقرب إلى وجدان الناس في أوقات يُثقلها القلق. هذا التحوّل كان تغييراً في الشكل، ولكن أيضاً محاولة لصياغة إحساس مختلف ينقل الحزن إلى دفء يمنح الذاكرة حيّزاً للاطمئنان.

وسط هذا كلّه، تقف الموسيقى الكلاسيكية بما تحمله من نظام وانضباط في مواجهة فوضى الحرب. بالنسبة إلى واكد، لا يتناقض العالمان، إنما يتكاملان على المستوى الداخلي. الانضباط يصبح درعاً داخليةً، والتدريب اليومي يتحوّل إلى طريقة لحماية الذات من الانهيار. تقول إنها تُكثّف عملها في مراحل الشِّدة وتلجأ إلى الإبداع لمواجهة الجمود، محاولةً إبقاء المسافة بينها وبين تدفُّق الأخبار كي لا تفقد قدرتها على الغناء والكتابة.

هذا الخيار لا يعني الانفصال عن الواقع، لكنه طريقتها في إعادة صياغته عبر الفنّ. من خلال حضورها في وسائل التواصل، تسعى إلى تقديم محتوى يُخفّف من وطأة اللحظة. تدرك محدودية هذا الدور، وتتمسّك به على شكل فعل تضامن إنساني يُراكم أثراً هادئاً في مواجهة القلق الجماعي.

النغمة طريق لتخفيف ثقل الواقع (صور الفنانة)

غير أنه دورٌ يحمل وجهاً آخر أكثر ثقلاً. مايا واكد لا تنظر إلى الفنان على أنه كائن خارج الألم. هو جزء منه، وتتابع: «التحدّي مزدوج، فالفنّ يجب أن ينقل رسالة أمل أو عزاء، بينما يُعاني»، ومع ذلك، يتحوَّل التعب إلى مادة للتعبير وملامسة الآخرين بإحساس أعمق.

تستعيد تجربة اغترابها في كندا، حيث التقت بجمهور يعيش الشوق إلى الوطن وتعلّمت كيف يمكن للموسيقى أن تصبح جسراً افتراضياً للعودة. هذا الشعور لم يُغادرها حتى بعد اقترابها الجغرافي من لبنان؛ إذ تقول: «اليوم، رغم أنني أقرب جغرافياً إلى لبنان، أشعر أيضاً بأنّ عليَّ أن أحمل قلق الشتات، بالإضافة إلى دمار كلّ شخص يعيش هناك».

في التداخل بين القُرب والبُعد، يتشكّل صوت مايا واكد على هيئة مساحة تلقّي أكثر منه مساحة بثّ. صوت يعترف بتعبه، ويحمله ويشاركه. وفي كلّ لحن محاولة لاحتواء ليل طويل، على أمل أن ينقشع قليلاً حين يُسمع.


كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
TT

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول «أتفهم استياءكم»، الذي عُرض ضمن قسم «البانوراما» في «مهرجان برلين السينمائي»، يذهب المخرج الألماني كيليان أرماندو فريدريش إلى منطقة شديدة الحساسية، عبر عالم شركات التنظيف بكل ما يحمله من تناقضات أخلاقية وضغوط نفسية وعلاقات قوة خفية. غير أن الفيلم، كما يؤكد مخرجه لـ«الشرق الأوسط»، ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة ظلّت ترافقه لأكثر من عقد.

يقول فريدريش إن البذرة الأولى تعود إلى سنوات ما بعد المدرسة، حين عمل لفترة في قطاع التنظيف قبل دخوله الجامعة. ولم يكن قد نشأ في هذا الوسط، لكنه اصطدم سريعاً بتعقيداته. ويتذكر كيف كانوا ينظفون مسابح ومكاتب، وحتى مصنع شوكولاته، وكيف لفتت انتباهه شخصية «مديرة الموقع» التي كان يعمل تحت إدارتها.

ويضيف أنها كانت شخصية تتحرك بين عوالم متعددة: العمال، والإدارة، والزبائن، والجداول الزمنية الصارمة. وخلال هذه التجربة القصيرة، تحوّلت بمرور السنوات إلى سؤال ملحّ: ما طبيعة هذا النظام الذي يقوم أساساً على خفض الأسعار إلى أقصى حد، حتى لو كان الثمن هو الإنسان نفسه؟ موضحاً أن نشأته في منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا، عُرفت تاريخياً بصناعات الفحم والصلب، أثّرت أيضاً في نظرته.

كما أوضح أنه عاش طفولته في ظل خطاب «الأيام الخوالي الجميلة»، بعد أن أغلقت تلك الصناعات أبوابها. ومن هنا بدأ اهتمامه بكيفية تحوّل الاقتصادات الصناعية إلى اقتصادات خدمية، وبالثمن الاجتماعي لهذا التحول.

وأكد المخرج الألماني أن الفيلم لا يسعى إلى تحويل هذا السياق إلى محاضرة سياسية، بل إلى جعله محسوساً عبر تجربة شخصية محددة، لافتاً إلى أن بطلة العمل امرأة في الـ59، تعمل مديرة موقع في شركة تنظيف، وتجد نفسها عالقة بين مطالب متناقضة: إرضاء الزبائن، وتنفيذ أوامر الإدارة، وحماية فريقها.

المخرج الألماني كيليان فريدريش (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حين يهدد متعهد قوي بسحب دعمه ما لم تمنحه مزيداً من ساعات العمل، تضطر إلى مواجهة خيار قاسٍ: التضحية بأحد موظفيها. وهذه اللحظة الدرامية، كما يقول فريدريش، ليست سوى ذروة سلسلة من «ردود الفعل» اليومية التي يولدها نظام عمل ضاغط لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف.

ويشير إلى أن السيناريو بدأ يتشكل قبل أكثر من 10 سنوات، بالتعاون مع مديرة موقع كان يعرفها عن قرب. وكانا يخططان لكتابة الفيلم معاً، قبل أن تُقدم على الانتحار بشكل مفاجئ. ويؤكد أن هذه الحادثة تركته في صدمة عميقة، ودفعته إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته الصراعات الأخلاقية اليومية في تدهور حالتها النفسية.

ويقول المخرج الألماني إن «هذه الخسارة جعلت المشروع أكثر إلحاحاً، ليس بوصفه تكريماً شخصياً فحسب، بل بوصفه محاولة لفهم بنية عمل تفرض على الإنسان أن (يفهم الجميع) من دون أن يُسمح له بأن يُفهَم». ويضيف أن كثيرين في هذا القطاع يجدون أنفسهم في مشكلات نفسية نتيجة العزلة وضغط الوقت.

وكان اختيار العمل مع ممثلين غير محترفين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية. إذ تؤدي الدور الرئيسي سابين تالاو، التي عملت في القطاع لمدة 15 عاماً. وقد تعرّف إليها عبر منتديات إلكترونية خاصة بالعاملين في التنظيف، بعد بحث ميداني طويل شمل مرافقة مديري مواقع في أيام عملهم وتوثيق أحاديثهم.

ويقول كيليان أرماندو فريدريش إن سابين أُعجبت فوراً بفكرة الفيلم، لأن الشخصية عكست كثيراً من تجربتها الخاصة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن نسخة منها، مشيراً إلى أنه عمل على دفعها لمواجهة جراح شخصية، مع التخلّي عن ابتسامتها، وهو ما استدعى تدريباً تمثيلياً مكثفاً، لأن المطلوب كان نقل إحساس بالاختناق والركض اللاهث، لا تقديم صورة امرأة متفائلة.

عمل المخرج في مجال التنظيف شجعه على خوض التجربة (الشركة المنتجة)

على المستوى البصري، اختار فريدريش الاقتراب الجسدي الشديد من البطلة؛ فالكاميرا المحمولة باليد تلازمها، وتكاد تلتقط أنفاسها. ويشرح أن هذا القرب ليس بحثاً عن إثارة بصرية، بل محاولة لرفض المسافة التلصصية. فهو يريد للمشاهد أن يُلقى داخل التجربة، لا أن يراقبها. لذلك تقرر منذ البداية تصوير كل مشهد في لقطة واحدة، مع تقليل التلاعب بالزمن داخل المشهد، حتى يُعاش الضغط كما هو.

ويشير المخرج الألماني إلى أن اسم الفيلم «أتفهم استياءكم» عبارة مهنية باردة، تُعد شكلاً من أشكال «التعاطف الدفاعي» الذي يسمح بالحفاظ على مسافة آمنة، لافتاً إلى أن «البطلة مطالبة بأن تفهم الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنخرط عاطفياً بالكامل، لأن التعاطف الحقيقي قد يعني ضرورة تغيير الشروط القائمة، وهو أمر يتجاوز قدرتها الفردية». ومن هنا ينشأ سلوكها المتناقض؛ فهي ليست بطلة مثالية ولا شريرة صريحة، بل امرأة تحاول النجاة داخل نظام قبلت به، وتبحث عن هامش صغير للفعل.

ويرفض فريدريش وضع شخصيته في موقع أخلاقي ثابت، مؤكداً أنه تعمد إدراج مواقف تكشف وجوهاً متعددة لها، بحيث تتحرك بين المسؤولية والضغط والتواطؤ. ويضيف: «ألسنا جميعاً نحاول، بطريقتنا، أن نتدبر أمورنا داخل ظروف مفروضة علينا؟»، عاداً أن قوة الشخصية تكمن في هشاشتها وقدرتها على الاحتمال، لا في بطولة صاخبة.