دعوة باسيل للبحث في نظام سياسي جديد لا تلقى تجاوباً

علامات استفهام حول خلفية الطرح وتحذيرات من الفوضى والمجهول

TT

دعوة باسيل للبحث في نظام سياسي جديد لا تلقى تجاوباً

طرحت دعوة رئيس «التيار الوطني الحر»، النائب جبران باسيل، لعقد حوار وطني ينتج عنه تصور لبناني مشترك لنظام سياسي جديد أكثر من علامة استفهام حول خلفية الطرح، وما إذا كان تجاوزاً لعملية تشكيل الحكومة، من خلال الدفع باتجاه مؤتمر تأسيسي لا يلقى إجماعاً وطنياً، خاصة في هذه المرحلة.
وعد باسيل، خلال مؤتمر صحافي أول من أمس (الأحد)، أن اللبنانيين بحاجة لعقد جديد «نقوم به بخيارنا الحر وبتوقيتنا، بدل أن تفرضه علينا التطورات، ويجبرنا الخارج على تسويات عرجاء سبق واختبرناها، وأوصلتنا إلى حيث نحن»، لافتاً إلى أن الحل البديل الذي يطرحه «التيار» هو «الدولة المدنية مع اللامركزية الواسعة».
وكان أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، أول من طرح فكرة المؤتمر التأسيسي في عام 2012، حين دعا إلى «العمل من أجل إقامة مؤتمر تأسيسي وطني لمناقشة بناء دولة قوية في لبنان». ولم تلق دعوة نصر الله في حينها تجاوباً، لرفض معظم القوى السياسية البحث بتغيير النظام قبل البت بمصير سلاح «حزب الله».
وفيما فضلت مصادر رسمية في «حزب الله» عدم التعليق على دعوة باسيل، أكدت مصادر حركة «أمل» أن «لا مشكلة بأي حوار لتطوير النظام اللبناني، وإن كنا على قناعة بأن أي تغيير لهذا النظام لا ينطلق من توافق اللبنانيين لن يؤدي إلى إيجابيات». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاق الطائف لم يطبق بكامله لكي يُحكم عليه، وتحديداً ما يتعلق بإلغاء الطائفية السياسية التي هي أساس العلل والأزمات. ونعتقد أن لا إمكانية لأي تطوير وتغيير إلا بإلغاء هذه الآفة، والشفاء من هذا المرض».
ومن جهته، لم يستغرب النائب عن «تيار المستقبل» محمد الحجار دعوة باسيل لتغيير النظام، فـ«(التيار) لم يؤمن يوماً باتفاق الطائف. ودعوة باسيل هذه تودي بنا إلى الفوضى والمجهول لأن أحداً لا يعرف أين يمكن أن تصل بنا الأمور، في حال فتحنا النقاش في موضوع مصيري بهذا الحجم في هذا الظرف الصعب الذي يمر به البلد». وقال الحجار لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لم نقل يوماً إننا نعارض تعديل النظام، لكننا نشدد في الوقت عينه على وجوب أن يسبق ذلك تطبيق (الطائف)، للنقاش بعدها بتعديله، كما البت بمصير ملفات كثيرة مسبقاً، أبرزها ملف السلاح غير الشرعي».
ولا يبدو «الحزب التقدمي الاشتراكي» متحمساً لإعادة النظر بالنظام في الظرف الراهن، وهو ما عبر عنه النائب عن الحزب بلال عبد الله، سائلاً: «هل هذا الوقت المناسب لإعادة صياغة النظام في لبنان على أنقاض مرض وجوع الناس، وأزمة الودائع وسعر صرف الدولار، والبطالة والهجرة؟». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «أم أن ما يطرحه باسيل تأكيد لأنه لن تكون هناك حكومة، ولا إنقاذ ولا إصلاح، قبل إعادة صياغة النظام من جديد، ما يعني أن كل العراقيل والتأخير بعملية تشكيل الحكومة مقصود بهدف الضغط بهذا الاتجاه، وبالتالي فالناس باتوا بالنسبة إليهم متاريس لتحقيق أهداف وطموحات سياسية».
وشدد عبد الله على أن الحزب «التقدمي الاشتراكي» مع «الدولة المدنية العلمانية، دون تحريف أو اجتهاد، خارج إطار المحاصصات والتركيبات ونظريات اللامركزية الإدارية الموسعة المبطنة بالفيدرالية»، مشيراً إلى أن الوقت غير مناسب للبحث في هذا كله، وأن «الجهود يجب أن تنصب على إنقاذ ما تبقى من دولة ومن وضع اقتصادي، والمعالجات الجذرية الإصلاحية السريعة في إطار المبادرة الفرنسية».
أما حزب «القوات»، فيرى أن «السبب الأساس للأزمة التي نعيشها هو عدم تطبيق الدستور منذ عام 1990 بشقه السيادي المزدوج، إن باستمرار الوجود السوري أو بالاجتهاد المتعلق بالمقاومة». وتعد مصادره في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحل بـ«تطبيق الطائف من دون اجتهاد، من خلال دعوة (حزب الله) لتسليم سلاحه للدولة اللبنانية... أما في حال أراد بعضهم الذهاب إلى مؤتمر تأسيسي، نقول إننا لا نخشاه لكن يخطئ من يظن أنه يضع برنامج المؤتمر، لأن أي مس بالطائف أو خروج عنه من أجل الذهاب إلى مؤتمر تأسيسي، سيدفعنا للمطالبة باللامركزية الموسعة جداً، وإعلان حياد لبنان، فتكون الدولة وحدها ضابط إيقاع المؤسسات، والحامي الوحيد للسيادة. لذلك من الأجدى، بدل البحث عن دستور جديد، أن نطبق الطائف بعيداً عن أي اجتهاد».
وفيما كان موقف تيار «المردة» واضحاً، خلال إطلالة رئيسه سليمان فرنجية مؤخراً، لجهة رفض أي تغيير في النظام من دون التوافق بين الأفرقاء كافة، ذكر الأمين العام لحزب «الكتائب» سيرج داغر بأن حزبه خاض انتخابات عام 2009 بحملة انتخابية قامت على الدعوة لتطوير النظام «بصفتنا لا نؤيد تغييره، ولا المؤتمر التأسيسي، لسبب بسيط أننا لا نؤسس لبنان جديد».
وأشار داغر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «ما يطالب به (الكتائب) بموضوع تطوير النظام يقوم على 5 عناصر أساسية: اللامركزية، والحياد، واستكمال مدنية الدولة، واستقلالية القضاء بشكل كامل، وصولاً لإقرار كل القوانين الإصلاحية»، مشدداً على وجوب أن يحصل ذلك داخل المؤسسات «لأنه في حال تم من خارجها، في ظل هيمنة السلاح، فإن من يحمل السلاح سيفرض شروطه على الآخرين»، مضيفاً: «كما أن عملية التطوير يجب أن يسبقها انتخابات نيابية، في ضوء أن هناك شعباً انتفض في 17 (أكتوبر) تشرين الأول 2019، وهناك طبقة سياسية مطعون بشرعيتها، فمن سيجلس على الطاولة لبحث تطوير النظام يجب أن يكون حقيقة يمثل اللبنانيين».
ولا يرى أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور ناصر ياسين أن الظرف مناسب لعقد مؤتمر تأسيسي، وبحث تعديل أو تغيير النظام، ويشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «المطلوب سريعاً تشكيل فريق لبناني مستقل إنقاذي للبلد يتعاون مع الجميع، فيشرك كل الفرقاء في الحكم والمعارضة والمجتمع الدولي بالتفكير بكيفية تحقيق الإنقاذ المنشود على المستويات كافة»، معتبراً أن «ما تم الاتفاق عليه في (الطائف) خريطة طريق لم تنفذ، ولو حصل ذلك لكنا تفادينا كثيراً من الإشكالات وأزمة الحكم الموجودة».



«موسم أمطار غزيرة» و«انهيارات صخرية» يهددان حياة اليمنيين وأمنهم الغذائي

الأمطار الغزيرة منعت استكمال صيانة طريق هيجة العبد الحيوية بين مدينة تعز المحاصرة وباقي البلاد (إكس)
الأمطار الغزيرة منعت استكمال صيانة طريق هيجة العبد الحيوية بين مدينة تعز المحاصرة وباقي البلاد (إكس)
TT

«موسم أمطار غزيرة» و«انهيارات صخرية» يهددان حياة اليمنيين وأمنهم الغذائي

الأمطار الغزيرة منعت استكمال صيانة طريق هيجة العبد الحيوية بين مدينة تعز المحاصرة وباقي البلاد (إكس)
الأمطار الغزيرة منعت استكمال صيانة طريق هيجة العبد الحيوية بين مدينة تعز المحاصرة وباقي البلاد (إكس)

تشهد أجزاء واسعة من اليمن هطول أمطار غزيرة مع اقتراب فصل الشتاء وانخفاض درجة الحرارة، متسببة في انهيارات طينية وصخرية تهدد حياة السكان وتلحق الأضرار بالممتلكات والأراضي، في حين لم تتجاوز البلاد آثار فيضانات الصيف الماضي التي ترصد تقارير دولية آثارها الكارثية.

وتسببت الأمطار الأخيرة المستمرة لمدد طويلة، والمصحوبة بضباب كثيف وغيوم منخفضة، في انهيارات صخرية أغلقت عدداً من الطرق، في حين أوقع انهيار صخري، ناجم عن تأثيرات أمطار الصيف الماضي، ضحايا وتسبب في تدمير منازل بمنطقة ريفية شمال غربي البلاد.

وعطلت الانهيارات الصخرية في مديرية المقاطرة التابعة لمحافظة لحج (جنوبي غرب) استمرار العمل في تحسين وصيانة طريق هيجة العبد التي تربط محافظة تعز المجاورة بباقي محافظات البلاد، بعد أن أغلقت الجماعة الحوثية بقية الطرق المؤدية إليها منذ نحو 10 أعوام، وتسببت تلك الأمطار والانهيارات في إيقاف حركة المرور على الطريق الفرعية.

أمطار غزيرة بمحافظة لحج تلحق أضراراً بالطريق الوحيدة التي تخفف الحصار عن مدينة تعز (إكس)

ويواجه السائقون والمسافرون مخاطر شديدة بسبب هذه الأمطار، تضاف إلى مخاطر أخرى، مما أدى إلى صعوبة التنقل.

ودعت السلطات المحلية في المحافظة السائقين والمسافرين إلى توخي الحذر الشديد في الطرق الجبلية والمنحدرات المعرضة للانهيارات الطينية والصخرية والانجرافات، وتجنب المجازفة بعبور الوديان ومسارات السيول المغمورة بالمياه.

وكان انهيار صخري في مديرية الطويلة، التابعة لمحافظة المحويت (شمالي غرب)، أدى إلى مقتل 8 أشخاص، وإصابة 3 آخرين، بعد سقوط كتلة صخرية هائلة كانت مائلة بشدة فوق منزل بُني أسفلها.

وتزداد الانهيارات الصخرية في المناطق التي تتكون من الصخور الرسوبية الطبقية عندما يصل وضع الكتل الصخرية المائلة إلى درجة حرجة، وفق الباحث اليمني في الجيمورفولوجيا الحضرية (علم شكل الأرض)، أنس مانع، الذي يشير إلى أن جفاف التربة في الطبقات الطينية الغروية أسفل الكتل المنحدرة يؤدي إلى اختلال توازن الكتل الصخرية، وزيادة ميلانها.

ويوضح مانع لـ«الشرق الأوسط» أن الأمطار الغزيرة بعد مواسم الجفاف تؤدي إلى تشبع التربة الجافة، حيث تتضخم حبيباتها وتبدأ في زحزحة الكتل الصخرية، أو يغير الجفاف من تموضع الصخور، وتأتي الأمطار لتكمل ذلك التغيير.

انهيار صخري بمحافظة المحويت بسبب أمطار الصيف الماضي يودي بحياة 8 يمنيين (إكس)

وينبه الباحث اليمني إلى خطر يحدق بغالبية القرى اليمنية، ويقول إنها عرضة لخطر الانهيارات الصخرية بسبب الأمطار أو الزلازل، خصوصاً منها تلك الواقعة على خط الصدع العام الممتد من حمام علي في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، وحتى ساحل البحر الأحمر غرباً.

استمرار تأثير الفيضانات

تواصل الأمطار هطولها على أجزاء واسعة من البلاد رغم انتهاء فصل الصيف الذي يعدّ موسم الأمطار الرئيسي، وشهد هذا العام أمطاراً غير مسبوقة تسببت في فيضانات شديدة أدت إلى دمار المنازل والبنية التحتية ونزوح السكان.

وطبقاً لـ«الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر»، فإن اليمن شهد خلال هذا العام موسمين رئيسيين للأمطار، الأول في أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، والثاني بدأ في يوليو (تموز) إلى نهاية سبتمبر (أيلول)، و«كانا مدمرَين، بسبب أنماط الطقس غير العادية والأمطار الغزيرة المستمرة في جميع أنحاء البلاد».

ووفقاً للتقييمات الأولية التي أجرتها «جمعية الهلال الأحمر اليمني»؛ فقد تأثر 655 ألفاً و11 شخصاً، ينتمون إلى 93 ألفاً و573 عائلة بالأمطار الغزيرة والفيضانات التي ضربت البلاد أخيراً، ما أسفر عن مقتل 240 شخصاً، وإصابة 635 آخرين، في 20 محافظة من أصل 22.

فيضانات الصيف الماضي ألحقت دماراً هائلاً بالبنية التحتية في عدد من محافظات اليمن (أ.ب)

وألحقت الأمطار أضراراً جسيمة بمواقع السكان والنازحين داخلياً ومنازلهم وملاجئهم المؤقتة والبنية التحتية، مما أثر على آلاف الأسر، وكثير منهم كانوا نازحين لسنوات، حيث أبلغت «المجموعة الوطنية للمأوى والمواد غير الغذائية» في اليمن، عن تضرر 34 ألفاً و709 من المآوي، بينها 12 ألفاً و837 تضررت جزئياً، و21 ألفاً و872 تضررت بالكامل.

ونقل التقرير عن «المنظمة الدولية للهجرة» أن الفيضانات ألحقت أضراراً بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك تدمير الأنظمة الكهربائية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل تقديم الرعاية الصحية، وتسبب في تدمير الملاجئ، وتلوث مصادر المياه، وخلق حالة طوارئ صحية، وفاقم التحديات التي يواجهها النازحون.

تهديد الأمن الغذائي

وتعدّ الأراضي الزراعية في محافظة الحديدة الأعلى تضرراً بـ77 ألفاً و362 هكتاراً، ثم محافظة حجة بـ20 ألفاً و717 هكتاراً، وهو ما يعادل نحو 12 و9 في المائة على التوالي من إجمالي الأراضي الزراعية، بينما تأثر نحو 279 ألف رأس من الأغنام والماعز، وفقاً لتقييم «منظمة الأغذية والزراعة (فاو)».

شتاء قاسٍ ينتظر النازحين اليمنيين مع نقص الموارد والمعونات وتأثيرات المناخ القاسية (غيتي)

وكانت الحديدة وحجة والجوف الأعلى تضرراً، وهي من المحافظات الأكبر إنتاجاً للماشية، خصوصاً في الجوف، التي يعتمد نحو 20 في المائة من عائلاتها على الماشية بوصفها مصدر دخل أساسياً.

وتوقع «الاتحاد» أن العائلات الأعلى تضرراً من الفيضانات في كل من المناطق الرعوية والزراعية الرعوية غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الدنيا في غياب المساعدة، مما يؤدي إلى ازدياد مخاطر انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.

وتشمل الاحتياجات الحرجة والعاجلة في المناطق المتضررة من الفيضانات؛ المأوى الطارئ، والغذاء، والمواد غير الغذائية، والمياه، والصرف الصحي، والملابس، والحماية، والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، والإمدادات الطبية لضمان استمرارية وظائف مرافق الرعاية الصحية.

ودعت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين» إلى التحرك العالمي، والعمل على تخفيف آثار تغير المناخ بالتزامن مع انعقاد «مؤتمر المناخ»، مقدرة أعداد المتضررين من الفيضانات في اليمن خلال العام الحالي بنحو 700 ألف.

وسبق للحكومة اليمنية الإعلان عن أن الفيضانات والسيول، التي شهدتها البلاد هذا العام، أثرت على 30 في المائة من الأراضي الزراعية.