مسؤول سوداني: استقالة مدير المناهج تضمنت «تجريحاً» لحمدوك

قال إن اعتبار أزمة المناهج صراعاً بين العلمانية والدولة الدينية فهم خاطئ

عبد الله حمدوك (أ.ف.ب)
عبد الله حمدوك (أ.ف.ب)
TT

مسؤول سوداني: استقالة مدير المناهج تضمنت «تجريحاً» لحمدوك

عبد الله حمدوك (أ.ف.ب)
عبد الله حمدوك (أ.ف.ب)

استمر الضجيج بشأن قضية تغيير المناهج المدرسية في السودان، بل وازداد عنفاً باطراد، منذ الحملة التي شنها مناوئون لمدير «المركز القومي للمناهج»، عمر أحمد القراي، وطالبوا فيها بإقالته وإلغاء المناهج التي أعدّها، ولم تتوقف بتقديمه استقالته لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، عقب إصدار الأخير قراراً «بتجميد المناهج الجديدة، وتكوين لجنة لمراجعتها».
وانتقد مدير مكتب رئيس الوزراء، علي بخيت الشريف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، الاستقالة التي تقدم بها مدير «المركز القومي للمناهج»، واعتبرها «حفل تجريج في حق رئيس الوزراء»، وقال إنها تتضمن حمولة «آيديولوجية ثقيلة»، وتابع: «الاستقالة مليئة بالانفعال والتجريح لرئيس الوزراء. الاستقالة كانت حفل تجريح».
وأوضح أن رئيس الوزراء تجاهل المطالبات بإقالة الرجل من وقت باكر، لمعرفته بأن جزءاً من الحملة ضده نابعة من كونه منتمياً لـ«الحزب الجمهوري»، والخلافات بينه وبين الطوائف والجماعات الدينية السودانية الأخرى، وأضاف: «رئيس الوزراء لم يتوقف عند الحملة ضد القراي، حين تم اختياره، لأن الحملة انطلقت، بادئ الأمر، من رؤى دينية مناوئة لفكر الرجل»، وتابع: «ولأنه يعلم أن هناك مَن يقفون ضده انطلاقاً من توجّهه الفكري، لم يستجب لها».
وانتقد الشريف: «شغف الرجل بالإعلام»، وقال: «لو أن مدير المناهج استجاب لملاحظات رئيس الوزراء، وتفرَّغ لعمله بعيداً عن الضجيج، ربما كان بمقدوره أن يفوّت الفرصة على الذين يترصدونه، كما يقول».
وأبدى علي بخيت الشريف، سخريته من منشورات تحدثت عن رفض رئيس الوزراء قبول الاستقالة، بقوله: «لأنه لم يرفضها ولم يقبلها بعد». بيد أنه قال: «القرّاي بما كتبه في استقالته لا يُعقل أن يعمل ثانية تحت إمرة رئيس وزراء وصفه بأنه اختار أن يكون مع قوى الظلام والتكفيريين، بينما اختار هو أن يكون مع الشعب».
ووفقاً للشريف، رأى «مجمع الفقه الإسلامي» (عيّنه حمدوك مارس (آذار) الماضي) المكوّن من علماء مناصرين للثورة، في قرار تجميد المناهج الجديدة «خطوة مهمة في الطريق الصحيح، ووأداً للفتنة الدينية والمجتمعية».
وأصدر «مجمع الفقه الإسلامي» بياناً، الخميس الماضي، قال فيه: «نشكر حكومة الفترة الانتقالية على ما قامت به من تدارك لشأن أمر المناهج، ووضع الأمور في نصابها».
وأوضح مدير مكتب رئيس الوزراء أن النظام التعليمي «الناجع والمتفق عليه»، أحد أركان السِّلم المجتمعي الذي يسعي عبره رئيس الوزراء «لتأسيس حياة اجتماعية ووطنية راشدة وسليمة، لا يكرّس للعداء والتقسيم في الوسط الاجتماعي».
وتطورت قضية المناهج من موضوعة «فنية» إلى قضية «سياسية» ذات بُعد ديني، تنطلق من خلاف تاريخي بين مجموعات دينية، على رأسها كبرى الطائفتين الدينيتين في السودان، «الختمية» و«الأنصار»، و«الحركة الجمهورية» التي أسسها الزعيم الديني الراحل محمود محمد طه الذي يُعد القراي واحداً من تلاميذه المقربين.
ونفى الشريف أن يكون قرار رئيس الوزراء بتجميد العمل بالمناهج التي أعدها القراي، قائماً على حيثيات فنية فقط، بل ينطلق من مسؤوليته تجاه «السلم المجتمعي»، وسعي رئيس الوزراء الدؤوب لتأسيس حياة اجتماعية ووطنية راشدة وسليمة، وصياغة مضمون ثقافي تعليمي وتربوي لا يكرّس للعداء والتقسيم في الوسط الاجتماعي.
وأوضح الشريف أن تحقيق السلم المجتمعي يستلزم، بالضرورة، وجود مظلة اجتماعية سياسية تغذّي مفاهيمه، للوصول للوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعي اللذين تنشدهما الثورة، والنظام التعليمي الناجع المتفق عليه أحد أركان هذا السلم المجتمعي.
ووصف الشريف المناهج التي أعدها القراي بأنها «جيدة»، بيد أنه قال: «لست متخصصاً في المناهج، لكني لست بعيداً عنها، لكوني ظللت أعمل مدرّساً 25 عاماً»، وتابع: «أستطيع القول إنّ مناهج القرّاي جيّدة وقابلة للإصلاح، ولولا التمترس، لما كانت كل هذه الجلبة».
وقال القراي في تسبيب استقالته إن الحكومة التي يترأسها حمدوك: «ضعفت أمام المكوّن العسكري، وصارت لقمة سائغة لفلول النظام البائد، وقوى الهوس الديني»، وإنه لن يعملها وهي بهذه الصفات، لكن «الشريف» وصف ما سماه تصوير رئيس الوزراء كـ«ألعوبة في العسكريين» ينفذ تعليماتهم، مثل «حضرة صول عتيق في القوات المسلح»، بـ«غير المقبول».
وقطع بعدم وجود تدخل من «السيادي» أو أي جهة في موضوع المناهج، وقال: «لعلّكم تعلمون أن عدداً من أعضاء السيادي لديهم تحفظات، بل آراء سلبية للغاية على أداء بعض الوزراء، ويتمنّون الإطاحة بهم اليوم قبل الغد، لكن رئيس الوزراء لم يستجب لرغباتهم، بل ظل يعمل وفق تقييمه الخاص دون أن يتنازل عن صلاحياته القانونية»، وأضاف ساخراً: «لو كان حمدوك لقمة سائغة، كما وصفه القرّاي، لاستجاب لهم».
وعزا الشريف المشكلة المثارة إلى رفض القراي ووزير التربية والتعليم معاً للتعامل مع «مجمع الفقه الإسلامي ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف»، وقال: «محاولة وصم مجمع الفقه الإسلامي بالانتماء للتكفيريين والظلاميين، ظلم ولغ فيه كثيرون»، وتابع: «لا أحد يمكنه أن يزايد على محمد الشيخ الياقوت وعبد المحمود أبّو، وهما من كبار رجال الطرق الصوفية والدينية، أو غيرهما من العلماء الذين حملتهم الثورة إلى مجمع الفقه بتكوينه الجديد في مارس من العام الماضي، فكيف يستسهل القرّاي وصفهم بـ(فقهاء السلطان)»؟!
وكشف مدير مكتب رئيس الوزراء عن «شكوى» تقدم بها رئيس وزير الشؤون الدينية والأوقاف، نصر الدين مفرح، لرئيس الوزراء، يحتج فيها على تجاهل وزارة التربية والتعليم لـ«مجمع الفقه الإسلامي» التابع له، الذي تعطيه القرارات الصادرة عن الحكومة سلطة التدخل ومراجعة المناهج والمقررات المدرسية، وأن وزير التربية أبلغه بأنه سيتعامل معه كزميل فقط، ولا يعترف بـ«مجمع الفقه الإسلامي» المنشأ بموجب مرسوم من رئيس الوزراء.
وقلل الشريف من أزمة المناهج، ووصفها بـ«المحدودة التي يمكن السيطرة عليها»، وأضاف: «إنها لا تحتمل هذا الاصطفاف، ولا تعدو أن تكون خلافاً بين مؤسسات كلها تتبع لرئيس الوزراء، لكنها بالفعل كانت في الطريق لتشظية المجتمع، وإحداث فتنة كبرى يستغلها أعداء الثورة».
ورداً على معلومات متداولة في وسائط التطاول بأن حمدوك رفض استقالة القراي، قال الشريف: «ليس صحيحاً أن رئيس الوزراء رفض قبول الاستقالة»، ثم أضاف: «لكن ليس من المنطقي أن يعمل القراي بعد ما كتبه في استقالته، مرّة أخرى، تحت إمرة (رئيس وزراء اختار أن يكون مع قوى الظلام والتكفيريين، بينما اختار القرّاي أن يكون جوار الشعب)!».
وكان وزير التربية والتعليم محمد الأمين التوم قد أودع رسالة على منضدة رئيس الوزراء، يطلب منه رفض قبول استقالة مدير المناهج، أعلن فيها تمسكه بها، لكن الشريف قال تعليقاً: «حمدوك لم يطلع على رسالة وزير التربية، وصلتني بعد مغادرته للبلاد، قرأتها ولم أعلق عليها, رئيس الوزراء وحده سيقول كلمته فيها، بعد عودته من رحلة إلى الإمارات العربية المتحدة التي سافر إليها لإجراء فحوصات طبية روتينية، يعود منها منتصف الأسبوع الحالي».
وتعليقاً على سؤال ما إن كان أزمة القراي قد تدفع وزير التربية للاستقالة، قال الشريف: «أتمنى ألاّ يحدث ذلك، البروفسور محمد الأمين التوم رجل جدير بالاحترام ووجه مشرف من وجوه الثورة، ومن أكثر الناس إيماناً بقضية التعليم، وكثيراً ما رأيته منفعلاً، وهو ينتقد أداء الحكومة تجاه معاناة الشعب وقضايا معيشته».
وأبدى أمله في حل الأزمة بعيداً عما أطلق عليه حالة الاستقطاب التي تهدد السلم المجتمعي، وأضاف: «لولا السلم المجتمع لما انتصرت ثورتنا، ودونه لن يكتمل هذا الانتقال، ويصل إلى غاياته».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.