مناصرو ترمب يقتحمون الكونغرس لعرقلة المصادقة على فوز بايدن

أنصار ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول بينما يستعد الكونغرس لتأكيد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن (أ.ب)
أنصار ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول بينما يستعد الكونغرس لتأكيد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن (أ.ب)
TT

مناصرو ترمب يقتحمون الكونغرس لعرقلة المصادقة على فوز بايدن

أنصار ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول بينما يستعد الكونغرس لتأكيد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن (أ.ب)
أنصار ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول بينما يستعد الكونغرس لتأكيد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن (أ.ب)

شهد الكونغرس أمس جلسة تاريخية بامتياز للمصادقة على نتائج الانتخابات الأميركية، في عملية عرقلها مؤيدو الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب الذين اقتحموا مقر الكونغرس وأوقفوا المصادقة على انتخاب جو بايدن رئيساً جديداً للولايات المتحدة.
وأفادت محطة {سي.إن.إن} مساء بحصول مواجهة مسلحة عند باب قاعة مجلس النواب، فيما أعلنت موريل براوزر، عمدة واشنطن، فرض حظر تجول في العاصمة الأميركية.
وكان مجلسا الشيوخ والنواب عقدا قبل ذلك جلسة مشتركة نادرة، لإقرار نتيجة تصويت المجمع الانتخابي، والذي أعطى لجو بايدن 306 أصوات مقابل 232 للرئيس الأميركي دونالد ترمب. وسلطت الأضواء على منبر القاعة، الذي وقف وراءه نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، ليؤدي واجبه الدستوري بالإشراف على الجلسة التي عادة ما تكون بروتوكولية. لكن هذا العام مختلف، ومهمة بنس لن تكون سهلة، إذ انتقل انقسام الشارع الحاد إلى داخل أروقة الكونغرس، مع إعلان عدد من الجمهوريين على نيتهم الاعتراض الرسمي على نتائج بعض الولايات دعماً لمساعي ترمب، مما وضع بنس في موقف لا يحسد عليه. فقبيل موعد انعقاد الجلسة، لجأ الرئيس الأميركي إلى «تويتر»، وانهال بوابل من التغريدات لتكثيف الضغوطات على بنس ودفعه باتجاه محاولة عرقلة الإجراءات البروتوكولية، وقال ترمب: «الولايات تريد أن تصحح أصواتها، فهي تعلم أنها كانت مبنية على الغش والشوائب... كل ما يجب على مايك بنس فعله هو إعادة إرسال الأصوات إلى الولايات لنفوز. قم بهذا يا مايك، هذا وقت الشجاعة القصوى».
ورغم تأكيدات بنس والخبراء الدستوريين وحتى الجمهوريين في الكونغرس أن دور بنس دور شكلي فقط، فإن الرئيس الأميركي يرى نائبه بمثابة الفرصة الأخيرة التي يتمتع بها في سبيل عرقلة النتائج. مما يضع بنس في موقف حرج للغاية، خاصة أن ما يطلبه ترمب هو أمر مستحيل ضمن الدستور الأميركي. فبحسب الدستور، وقانون التصويت لعام 1887 تنص وظيفة نائب الرئيس على ترؤس الجلسة المشتركة بهدف «الحفاظ على النظام» في القاعة.
كما ينص التعديل الـ12 من الدستور على أن بنس بصفته رئيساً لمجلس الشيوخ يجب أن يفتح كل المغلفات التي تحتوي على مصادقة الولايات الرسمية واحتساب أصواتها بحسب العدد المكتوب في المغلف. «الشخص الذي يتمتع بالعدد الأكبر من الأصوات للرئاسة يصبح رئيساً للولايات المتحدة…». وشبه البعض دور بنس على أنه كدور مضيف حفل الأوسكار الذي يفتح مغلف النتائج لقراءتها فحسب.
لكن هذه القوانين لم تمنع أن تكون الدراما سيدة الموقف خلال الإجراءات الدستورية، فبعد افتتاح الجلسة المشتركة، وبدء تلاوة نتائج الولاية واحدة تلو الأخرى بالتسلسل الأبجدي للولايات، تكاتف الجمهوريون المعترضون من جهتي مجلسي الشيوخ والنواب لتقديم اعتراض خطي على نتائج بعض الولايات، بدءاً من ولاية أريزونا.
وبحسب نص الدستور، فإن الاعتراض الخطي من قبل سيناتور واحد ونائب واحد على الولاية، يدفع بنائب الرئيس الأميركي إلى الطلب من كاتب مجلس النواب تلاوة الاعتراض علناً، ثم الإعلان بعد ذلك عن رفع الجلسة المشتركة وعقد كل مجلس لجلسة نقاش منفصلة بهدف التصويت على كل ولاية على حدة. وتنص قوانين الكونغرس على أن كل عضو في مجلس الشيوخ والنواب يحق له بالحديث لفترة خمس دقائق خلال ساعتي النقاش المخصصتين لكل ولاية. إذ يعتمد وقت المصادقة النهائية أعلى عدد الولايات التي ينوي الجمهوريون الاعتراض عليها، وهم قالوا إنهم يسعون للاعتراض على ولايات أريزونا وجورجيا وميشيغان وبنسلفانيا وويسكنسن، مما يدفع نحو المصادقة بعد نحو الـ10 ساعات أو أكثر من بدء الجلسة، إذا ما التزم المعارضون بهذه الولايات. ومن شأن هذه الإجراءات أن تؤخر عملية المصادقة على النتائج الرسمية، لكن من دون تعطيلها. وقال السيناتور الجمهوري ميت رومني للصحافيين في الكونغرس قبيل انعقاد الجلسة: «الرئيس ترمب قلل من احترام الناخبين الأميركيين، وأهان النظام الانتخابي وأضاف وصمة عار على منصب الرئاسة. أنا واثق أننا سنقوم بما يمليه علينا الدستور ونقول لمناصرينا الحقيقة، سواء أكانوا يريدون سماعها أم لا».
وشدد النائب الجمهوري توماس ماسي على أن جهود العرقلة ستفشل، فقال: «حتى إذا صوت كل جمهوري لإلغاء كل صوت لبايدن في الجلسة، سوف يعلن الكونغرس عن بايدن فائزاً في نهاية العملية. هذه مسألة حسابية، الديمقراطيون لديهم الأغلبية وسوف يصوتون لصالح بايدن».
ما يقصده ماسي هو أن تصويت مجلس واحد فقط ضد المعارضة على نتيجة ولاية معينة، كافٍ للقضاء على محاولة المعارضين عرقلة النتائج، وبعد الانتهاء من عمليات التصويت على كل ولاية، يجتمع المجلسان مجدداً لاحتساب الأصوات الرسمية للولايات والإعلان عن بايدن الرئيس الـ46 للولايات المتحدة.
وقد أثار إصرار داعمي ترمب في الكونغرس على الاعتراض على النتائج حفيظة زملائهم الجمهوريين. وقالت النائبة ليز تشيني وهي من القيادات البارزة في مجلس النواب: «لقد أقسمنا اليمين الدستورية للدفاع عن الدستور. ونحن نلتزم بهذا القسم في كل الأوقات، وليس فقط عندما يكون الأمر مناسب سياسياً». وتابعت تشيني مذكرة بدور الكونغرس: «الكونغرس ليس لديه صلاحية قلب نتائج الانتخابات من خلال الاعتراض على المجمع الانتخابي. هذا يعد سرقة لسلطات الولايات وانتهاكاً للدستور».
تصريحات فيها هجوم مباشر على الجمهوريين الذين قرروا الاعتراض رغم بت المحاكم في القضية، وقد أتت النتائج الأولية لانتخابات ولاية جورجيا لتفسر مخاوف الجمهوريين المعتدلين الذين حذروا من التأثير السلبي لسياسات من هذا النوع على مستقبل الحزب الجمهوري.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتم الاعتراض فيها على نتائج المجمع الانتخابي في الكونغرس، ففي عام 2005 تاريخ السباق بين الديمقراطي جون كيري والجمهوري جورج بوش الابن، اعترضت النائبة الديمقراطية ستيفاني جونز والسيناتورة الديمقراطية باربرا بوكسر على نتائج أوهايو.
حينها عمد نائب الرئيس السابق ديك تشيني إلى تعليق الجلسة المشتركة لإفساح المجال أمام المجلسين لمناقشة الاعتراض ثم التصويت عليه. لتكون نتيجة التصويت: 267 لمعارضي العرقلة مقابل 31 فقط من الداعمين لها في النواب. وفي الشيوخ كانت النتيجة 74 من المعارضين مقابل صوت واحد فقط لدعم بوكسر.
لكن ثمة فارق شاسع بين محاولات هذا العام ومحاولة عام 2005 فرغم اعتراض الديمقراطيتين على نتائج الولاية حينها، فإن كيري رفض رفضاً قاطعاً المشاركة فيه أو دعمه، وهو اعترف بالهزيمة أمام بوش وهنأه بالفوز، على خلاف هذا العام حيث لا يزال ترمب مصراً على تحدي النتائج.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».