يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

كتاب جديد يكشف عن كوارثها بعد قرن من الزمان

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر
TT

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

منذ ما يقرب من 100 عام تقريباً اجتاح العالم وباء حصد أرواح ملايين البشر في العالم، البعض يقول إن عدد ضحاياه كان 20 مليون شخص، وذهب آخرون إلى أن الذين حصد الوباء أرواحهم تعدوا ذلك الرقم بكثير، وربما وصلوا إلى 50 مليون إنسان، توفوا جميعاً متأثرين بالتهاب رئوي، وكان بينهم ربع مليون بريطاني، و10 ملايين هندي، أما دول وسط أفريقيا فكان من نصيبها مليونا قتيل، ولم تكن مصر بعيدة عن ذلك الوباء، فقد قدمت أكثر من 180 ألفاً من أبنائها ضحايا لانتشاره في أراضيها، وقد كان اللافت للنظر أن معظم الوفيات من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 40 عاماً، وهو ما يخالف وباء كورونا الذي يجتاح العالم حالياً، ويصيب كبار السن.
كتاب الدكتور محمد أبو الغار الذي صدر حديثاً بعنوان «الوباء الذي قتل 180 ألف مصري» عن دار الشروق المصرية، يرصد تفاصيل ذلك الوباء، وما جرى منذ 100 عام أثناء انتشار الفيروس الذي عرفه العالم باسم الأنفلونزا الإسباني، رغم أنه لم يظهر في إسبانيا أولاً، وأغلب الظن أن ظهوره كان في الصين، أو في أميركا في كانساس سيتي.
يتكون الكتاب من 7 فصول، غطت كثيراً من الجوانب حول تطور النظام الصحي في مصر لحصار الأوبئة ومحاربتها، وتدهور الوضع الصحي والاقتصادي زمن انتشار الأنفلونزا الإسبانية واندلاع الثورة بقيادة سعد زغلول ورفاقه، كما تابع المؤلف وهو طبيب معروف، تغطيات أحداث الأنفلونزا الإسبانية في الصحف المصرية، وخلاله يعقد أبو الغار مقارنة بين فيروس الأنفلونزا الإسبانية، وما حدث من إجراءات عالمية أثناء انتشاره، وبين ما يحدث حالياً في ظل انتشار فيروس كورونا، كما يبحث الآثار الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية التي صاحبت تفشيه، وما أدى إليه من تغييرات على المستوى الدولي والمحلي، وقد كان من نتائج انتشاره في مصر، اندلاع أحداث ثورة 1919. ومطالبة المصريين بالاستقلال، وخروج المحتل البريطاني من أراضيهم.

وثائق إنجليزية رصدت انتشاره

اعتمد أبو الغار في تأليف كتابه على مجموعة وثائق ومستندات مكتوبة باللغة الإنجليزية، حصل عليها من جامعة تكساس الأميركية، عن طريق الدكتور كريستوفر روز الباحث في قسم التاريخ، وتغطي الوثائق الحالة الصحية في مصر بشكل كامل ومفصل بداية من عام 1914 حتى 1927. كما استفاد من نسخة التقرير العام الذي قدمه الدكتور ويلسون إلى لورد ملنر وزير المستعمرات البريطانية، الذي حضر إلى مصر، وأقام بها عدة شهور للتحقيق في أسباب ثورة 19. ومعرفة الأخطاء التي وقع فيها المحتل البريطاني، وأدت إلى اندلاعها. ولم يكتفِ الدكتور محمد أبو الغار بهذه الوثائق، لكنه كان يحتاج أيضاً لوثائق محلية تصف ما جرى، وراح يبحث طويلاً، ولم يعثر على أي شيء يشير للوباء في كتابات مؤرخين مهمين، مثل عبد الرحمن الرافعي، وأحمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي، ومدير عموم الأوقاف وقتها.
وفي ظل حرصه على الوصول لمعلومات محلية ترصد تفاصيل ما جرى في مصر، عثر المؤلف على بحث للدكتور كريستوفر روز يشير فيه إلى أن الوباء تسبب في إزهاق أرواح آلاف المصريين، كان بحثاً صغيراً لكنه فتح الطريق أمامه ليؤكد حقيقة أغفلها المؤرخون، فيما أشار بعضهم إليها بجملة أو عبارة خاطفة، مثل الشيخ عبد الوهاب النجار ضمن مذكراته عن ثورة 19. التي صدرت بعنوان «الأيام الحمراء»، وشفيق باشا الذي كتب في حولياته السياسية: «وقد ساءت الأحوال الصحية في البلاد، بانتشار حمى غريبة قاسية، أشبه بالوباء الفتاك، سميت بالحمى الإسبانية، وفتكت هذه الحمى بعدد كثير من الناس».

معلومات نادرة في كتب المؤرخين

إغفال المؤرخين الحديث عن وجود وباء الأنفلونزا الإسبانية في مصر، أدى حسب المؤلف، إلى أن كثيراً من دارسي التاريخ ظنوا أن المصريين لم يتعرضوا للأنفلونزا الإسبانية أصلاً، لكن أبو الغار استغل سطوراً متناثرة في كتابات المؤرخين، في فتح بوابة كبيرة من المعلومات عثر عليها في صحيفتي «الأهرام» و«المقطم» المصريتين، وقد اكتشف أنهما تابعتا بكثافة موضوع الوباء، وأظهرتا مدى خطورته، وآثاره على حياة المصريين، وكشفتا ما أدى إليه انتشاره من أضرار اقتصادية، وبشرية، فضلاً عن الآثار النفسية والعصبية العميقة التي لاحظها العلماء، وغيّرت من التصرفات الإنسانية.
وأشار أبو الغار إلى أن دول العالم عانت كثيراً من آثار ممتدة بعد انتهاء وانحسار الفيروس الإسباني، لكن حدة تلك الآثار زادت في الدول التي لم تكن لديها رقابة على الصحف، والتي راحت تتابع أخبار الوباء وترصد مناطق انتشاره، وامتدت تلك الآثار إلى الأطفال الذين ولدوا في تلك الأيام، وصارت قدراتهم في التعلم والفهم محدودة، فضلاً عن اعتلال صحتهم الجسمانية.
وفي الكتاب، يشير المؤلف إلى كيفية تعامل العالم مع وباء الأنفلونزا الإسبانية، ويعقد مقارنة بين ما جرى منذ 100 عام، وبين ما يقوم به المسؤولون في مختلف أنحاء العالم، وهم يديرون عمليات محاصرة فيروس كورونا الحالي (كوفيد 19)، وذكر أنهم استفادوا من التعامل معه باللجوء إلى عزل المصابين، وتنفيذ كثير من الإجراءات الاحترازية، كما كان يحدث عندما هاجم العالم فيروس الأنفلونزا الإسبانية.

مشاهير الضحايا

وتسببت الأنفلونزا الإسبانية في وفاة سير مارك سايكس، المستشار السياسي والدبلوماسي البريطاني، والذي كان مختصاً بشؤون الشرق الأوسط خلال فترة الحرب العالمية الأولى، ووقّع عام 1916 على اتفاقية سايكس - بيكو عن بريطانيا مع بيكو، والرسام النمساوي الشهير جوستاف كليمت، ومواطنه إيجون شيلي، والأميركي جون دودج مؤسس مصانع دودج للسيارات، والاقتصادي العالمي ماكس ويبر، والكاتبة المصرية ملك حفني ناصف، والأمير أحمد عبد القادر نجل الخديوي عباس حلمي الثاني، والسياسي لبيب عبد النور الذي قام بدور كبير في جمع التوقيعات لسعد زغلول إبان ثورة 1919. أما عن المصابين، والذين تم شفاؤهم، فقد كان أحدهم الرئيس الأميركي ويلسون، ورئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، وروزفلت الرئيس الأميركي فيما بعد، وكان وقت إصابته نائباً لوزير البحرية.
كانت حالات الوفاء جراء الأنفلونزا الإسبانية تحدث سريعاً، بعد ظهور الأعراض بيومين، حتى إن البعض ظن أن هذا يحدث نتيجة لحرب كيماوية، أو بيولوجية؛ حيث تزامن ظهوره مع أحداث الحرب العالمية الأولى، لكن الحقيقة أن المسؤول عن حصد أرواح كل هؤلاء الضحايا كان فيروس الأنفلونزا الإسبانية الذي كان الصحافيون الإسبان أول من تحدثوا عنه، وظل جاثماً على صدر البشرية مدة عامين، ثم بدأ يتوارى تدريجياً إلى انتهى تماماً بعد عامين من ظهوره، وقد تعدى عدد ضحاياه في مصر وحدها نحو 180 ألف نفس.
وقام أبو الغار بدراسة الوثائق التفصيلية والمعلومات المتوفرة في الصحف، كما عاد إلى الدراسات الاقتصادية التي ظهرت عن أحوال المصريين في فترة الحرب العالمية الأولى، وتابع حكاية تجنيد الفلاحين في الفيلق العمالي، وارتفاع الأسعار وقت المرض، وعلاقة ذلك بتدهور الصحة العامة لكثير من المصريين، وثورتهم قبل 100 عام، وكذلك دراسة ما حدث بعد انتهاء الوباء، ولفت إلى أن ذكراه المؤلمة ظلت محفورة في ذهن البشر لسنوات طويلة، وظل العلماء يفكرون فيه، ويحاولون معرفة أسبابه، وطرق محاصرته حال ظهوره مرة أخرى في المستقبل، وكان من بين تلك الوثائق التي عثر عليها المؤلف دراسات علمية أوضحت كيف اكتشف العلماء بعد عشرات السنين فيروس الأنفلونزا الإسبانية، ونوعه، وتركيبته، وكيف تمت دراسته. كما حاول المؤلف معرفة أسباب عودة الوباء بشدة مرة أخرى في 2020. ولماذا لم يستطع العلم الحديث تجنب كارثة حدوثه مرة أخرى، وذلك رغم وجود استعدادات كبرى، رأى المؤلف أنها لم تفعّل، وبالتالي لم يتوقف المرض.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً