يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

كتاب جديد يكشف عن كوارثها بعد قرن من الزمان

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر
TT

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

يوم اجتاحت الانفلونزا الإسبانية ديار مصر

منذ ما يقرب من 100 عام تقريباً اجتاح العالم وباء حصد أرواح ملايين البشر في العالم، البعض يقول إن عدد ضحاياه كان 20 مليون شخص، وذهب آخرون إلى أن الذين حصد الوباء أرواحهم تعدوا ذلك الرقم بكثير، وربما وصلوا إلى 50 مليون إنسان، توفوا جميعاً متأثرين بالتهاب رئوي، وكان بينهم ربع مليون بريطاني، و10 ملايين هندي، أما دول وسط أفريقيا فكان من نصيبها مليونا قتيل، ولم تكن مصر بعيدة عن ذلك الوباء، فقد قدمت أكثر من 180 ألفاً من أبنائها ضحايا لانتشاره في أراضيها، وقد كان اللافت للنظر أن معظم الوفيات من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 40 عاماً، وهو ما يخالف وباء كورونا الذي يجتاح العالم حالياً، ويصيب كبار السن.
كتاب الدكتور محمد أبو الغار الذي صدر حديثاً بعنوان «الوباء الذي قتل 180 ألف مصري» عن دار الشروق المصرية، يرصد تفاصيل ذلك الوباء، وما جرى منذ 100 عام أثناء انتشار الفيروس الذي عرفه العالم باسم الأنفلونزا الإسباني، رغم أنه لم يظهر في إسبانيا أولاً، وأغلب الظن أن ظهوره كان في الصين، أو في أميركا في كانساس سيتي.
يتكون الكتاب من 7 فصول، غطت كثيراً من الجوانب حول تطور النظام الصحي في مصر لحصار الأوبئة ومحاربتها، وتدهور الوضع الصحي والاقتصادي زمن انتشار الأنفلونزا الإسبانية واندلاع الثورة بقيادة سعد زغلول ورفاقه، كما تابع المؤلف وهو طبيب معروف، تغطيات أحداث الأنفلونزا الإسبانية في الصحف المصرية، وخلاله يعقد أبو الغار مقارنة بين فيروس الأنفلونزا الإسبانية، وما حدث من إجراءات عالمية أثناء انتشاره، وبين ما يحدث حالياً في ظل انتشار فيروس كورونا، كما يبحث الآثار الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية التي صاحبت تفشيه، وما أدى إليه من تغييرات على المستوى الدولي والمحلي، وقد كان من نتائج انتشاره في مصر، اندلاع أحداث ثورة 1919. ومطالبة المصريين بالاستقلال، وخروج المحتل البريطاني من أراضيهم.

وثائق إنجليزية رصدت انتشاره

اعتمد أبو الغار في تأليف كتابه على مجموعة وثائق ومستندات مكتوبة باللغة الإنجليزية، حصل عليها من جامعة تكساس الأميركية، عن طريق الدكتور كريستوفر روز الباحث في قسم التاريخ، وتغطي الوثائق الحالة الصحية في مصر بشكل كامل ومفصل بداية من عام 1914 حتى 1927. كما استفاد من نسخة التقرير العام الذي قدمه الدكتور ويلسون إلى لورد ملنر وزير المستعمرات البريطانية، الذي حضر إلى مصر، وأقام بها عدة شهور للتحقيق في أسباب ثورة 19. ومعرفة الأخطاء التي وقع فيها المحتل البريطاني، وأدت إلى اندلاعها. ولم يكتفِ الدكتور محمد أبو الغار بهذه الوثائق، لكنه كان يحتاج أيضاً لوثائق محلية تصف ما جرى، وراح يبحث طويلاً، ولم يعثر على أي شيء يشير للوباء في كتابات مؤرخين مهمين، مثل عبد الرحمن الرافعي، وأحمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي، ومدير عموم الأوقاف وقتها.
وفي ظل حرصه على الوصول لمعلومات محلية ترصد تفاصيل ما جرى في مصر، عثر المؤلف على بحث للدكتور كريستوفر روز يشير فيه إلى أن الوباء تسبب في إزهاق أرواح آلاف المصريين، كان بحثاً صغيراً لكنه فتح الطريق أمامه ليؤكد حقيقة أغفلها المؤرخون، فيما أشار بعضهم إليها بجملة أو عبارة خاطفة، مثل الشيخ عبد الوهاب النجار ضمن مذكراته عن ثورة 19. التي صدرت بعنوان «الأيام الحمراء»، وشفيق باشا الذي كتب في حولياته السياسية: «وقد ساءت الأحوال الصحية في البلاد، بانتشار حمى غريبة قاسية، أشبه بالوباء الفتاك، سميت بالحمى الإسبانية، وفتكت هذه الحمى بعدد كثير من الناس».

معلومات نادرة في كتب المؤرخين

إغفال المؤرخين الحديث عن وجود وباء الأنفلونزا الإسبانية في مصر، أدى حسب المؤلف، إلى أن كثيراً من دارسي التاريخ ظنوا أن المصريين لم يتعرضوا للأنفلونزا الإسبانية أصلاً، لكن أبو الغار استغل سطوراً متناثرة في كتابات المؤرخين، في فتح بوابة كبيرة من المعلومات عثر عليها في صحيفتي «الأهرام» و«المقطم» المصريتين، وقد اكتشف أنهما تابعتا بكثافة موضوع الوباء، وأظهرتا مدى خطورته، وآثاره على حياة المصريين، وكشفتا ما أدى إليه انتشاره من أضرار اقتصادية، وبشرية، فضلاً عن الآثار النفسية والعصبية العميقة التي لاحظها العلماء، وغيّرت من التصرفات الإنسانية.
وأشار أبو الغار إلى أن دول العالم عانت كثيراً من آثار ممتدة بعد انتهاء وانحسار الفيروس الإسباني، لكن حدة تلك الآثار زادت في الدول التي لم تكن لديها رقابة على الصحف، والتي راحت تتابع أخبار الوباء وترصد مناطق انتشاره، وامتدت تلك الآثار إلى الأطفال الذين ولدوا في تلك الأيام، وصارت قدراتهم في التعلم والفهم محدودة، فضلاً عن اعتلال صحتهم الجسمانية.
وفي الكتاب، يشير المؤلف إلى كيفية تعامل العالم مع وباء الأنفلونزا الإسبانية، ويعقد مقارنة بين ما جرى منذ 100 عام، وبين ما يقوم به المسؤولون في مختلف أنحاء العالم، وهم يديرون عمليات محاصرة فيروس كورونا الحالي (كوفيد 19)، وذكر أنهم استفادوا من التعامل معه باللجوء إلى عزل المصابين، وتنفيذ كثير من الإجراءات الاحترازية، كما كان يحدث عندما هاجم العالم فيروس الأنفلونزا الإسبانية.

مشاهير الضحايا

وتسببت الأنفلونزا الإسبانية في وفاة سير مارك سايكس، المستشار السياسي والدبلوماسي البريطاني، والذي كان مختصاً بشؤون الشرق الأوسط خلال فترة الحرب العالمية الأولى، ووقّع عام 1916 على اتفاقية سايكس - بيكو عن بريطانيا مع بيكو، والرسام النمساوي الشهير جوستاف كليمت، ومواطنه إيجون شيلي، والأميركي جون دودج مؤسس مصانع دودج للسيارات، والاقتصادي العالمي ماكس ويبر، والكاتبة المصرية ملك حفني ناصف، والأمير أحمد عبد القادر نجل الخديوي عباس حلمي الثاني، والسياسي لبيب عبد النور الذي قام بدور كبير في جمع التوقيعات لسعد زغلول إبان ثورة 1919. أما عن المصابين، والذين تم شفاؤهم، فقد كان أحدهم الرئيس الأميركي ويلسون، ورئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، وروزفلت الرئيس الأميركي فيما بعد، وكان وقت إصابته نائباً لوزير البحرية.
كانت حالات الوفاء جراء الأنفلونزا الإسبانية تحدث سريعاً، بعد ظهور الأعراض بيومين، حتى إن البعض ظن أن هذا يحدث نتيجة لحرب كيماوية، أو بيولوجية؛ حيث تزامن ظهوره مع أحداث الحرب العالمية الأولى، لكن الحقيقة أن المسؤول عن حصد أرواح كل هؤلاء الضحايا كان فيروس الأنفلونزا الإسبانية الذي كان الصحافيون الإسبان أول من تحدثوا عنه، وظل جاثماً على صدر البشرية مدة عامين، ثم بدأ يتوارى تدريجياً إلى انتهى تماماً بعد عامين من ظهوره، وقد تعدى عدد ضحاياه في مصر وحدها نحو 180 ألف نفس.
وقام أبو الغار بدراسة الوثائق التفصيلية والمعلومات المتوفرة في الصحف، كما عاد إلى الدراسات الاقتصادية التي ظهرت عن أحوال المصريين في فترة الحرب العالمية الأولى، وتابع حكاية تجنيد الفلاحين في الفيلق العمالي، وارتفاع الأسعار وقت المرض، وعلاقة ذلك بتدهور الصحة العامة لكثير من المصريين، وثورتهم قبل 100 عام، وكذلك دراسة ما حدث بعد انتهاء الوباء، ولفت إلى أن ذكراه المؤلمة ظلت محفورة في ذهن البشر لسنوات طويلة، وظل العلماء يفكرون فيه، ويحاولون معرفة أسبابه، وطرق محاصرته حال ظهوره مرة أخرى في المستقبل، وكان من بين تلك الوثائق التي عثر عليها المؤلف دراسات علمية أوضحت كيف اكتشف العلماء بعد عشرات السنين فيروس الأنفلونزا الإسبانية، ونوعه، وتركيبته، وكيف تمت دراسته. كما حاول المؤلف معرفة أسباب عودة الوباء بشدة مرة أخرى في 2020. ولماذا لم يستطع العلم الحديث تجنب كارثة حدوثه مرة أخرى، وذلك رغم وجود استعدادات كبرى، رأى المؤلف أنها لم تفعّل، وبالتالي لم يتوقف المرض.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.