مخاوف أميركية من سقوط اليمن في الفوضى والتفتيت وصعود «القاعدة»

خبير أميركي لـ «الشرق الأوسط»: الحوثيون لا يريدون عداء مباشرا مع واشنطن

د. شارلز شميتز
د. شارلز شميتز
TT

مخاوف أميركية من سقوط اليمن في الفوضى والتفتيت وصعود «القاعدة»

د. شارلز شميتز
د. شارلز شميتز

أبدت واشنطن قلقها من استمرار الاضطرابات في اليمن ومخاوفها من سقوطها في الفوضى.
وحول الأنباء والتقارير عن استقالة الرئيس اليمين عبد ربه منصور هادي، قالت جين بساكي «نسعى للحصول على تأكيدات حول حقيقة الأوضاع في اليمن، ولن نقفز إلى استنتاجات، ونحن مستمرون في مساندة انتقال سلمي ومساندة الاتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين». وأضافت نعتقد أن الحوار بين الطرفين هو الطريق الوحيد لتخفيف تصاعد العنف. وأشارت بساكي إلى عدم تغير الوضع الأمني في السفارة الأميركية في صنعاء.
بينما اندلعت الاشتباكات بين القبائل اليمنية في مأرب والمقاتلين الحوثيين وهي المنطقة الغنية بحقوق النفط ومنشآت البنية التحتية للطاقة.
وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، للصحافيين، مساء الأربعاء، أن «الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي اضطر لقبول الاتفاق مع الحوثيين والاستجابة للكثير من المطالب المتعلقة بإجراء تغييرات دستورية وتقاسم السلطة بشكل واسع»، مشيرا إلى أنه «يجري مع البيت الأبيض محادثات مستمرة حول الأزمة التي تواجهها اليمن التي تعد شريكا أساسيا في معركة واشنطن ضد تنظيم القاعدة».
وأوضحت الخارجية الأميركية أن «الأمور ليست واضحة على الأرض وتتطور باستمرار، وأن واشنطن تشجع الاستمرار في الحوار بين الطرفين، وتشجيع المناقشات حول وقف إطلاق النار». وأكدت جين ساكي، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، استمرار تعاون واشنطن مع صنعاء في مكافحة الإرهاب. بينما قال جوش آرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن «سلامة موظفي السفارة الأميركية في صنعاء، على رأس الأولويات لدى الرئيس أوباما، كذلك الحفاظ على التعاون في مكافحة الإرهاب في اليمن».
وأبدى مسؤولو البنتاغون والاستخبارات الأميركية مخاوف من تصاعد العنف في صنعاء وإمكانية تدهور الأوضاع بشكل يهدد الشراكة التي أبرمتها إدارة أوباما مع اليمن لمكافحة الإرهاب، وتحديد أهداف الحوثيين من الانقلاب على السلطة.
بينما أشار محللون إلى قلق الإدارة الأميركية من سقوط اليمن في الفوضى وخطر التفتيت ومخاطر الانهيار الاقتصادي، بما يؤدي إلى ارتفاع النفوذ الإيراني وصعود تنظيم القاعدة في اليمن، وهو التنظيم الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي على مجلة «شارلي أيبدو» بداية الشهر الحالي في باريس.
وكانت إدارة أوباما قد راعت عملية انتقال سياسية في اليمن خلال الأعوام الماضية، بهدف استعادة الاستقرار في اليمن، والحد من الطائفية ومكافحة تنظيم القاعدة، وقدمت واشنطن تمويلا وتدريبا لمكافحة الإرهاب في اليمن، وشنت كثيرا من الغارات باستخدام طائرات من دون طيار ضد قادة رئيسيين في تنظيم القاعدة. وقد استشهد الرئيس أوباما - في خطاب ألقاه في سبتمبر (أيلول) الماضي - باليمن كمثال على قدرة الولايات المتحدة في النجاح في مواجهة الإرهاب دون إرسال قوات برية إلى الخارج. وقال: «استراتيجيتنا في مواجهة الإرهابيين الذين يهددونا هي دعم الشركاء في الخطوط الأمامية، ولدينا قصص نجاح في اليمن والصومال».
وقال المحلل العسكري، وولف بليتزر: «إن البيت الأبيض يواجه قرارا صعبا للحفاظ على نفوذه المحدود في أرض الواقع في اليمن، وإذا اضطرت الإدارة الأميركي إلى إغلاق أبواب السفارة في صنعاء، فإن هذا سيكون هزيمة رئيسية للسياسة الخارجية في اليمن، لأننا بحاجة إلى شراكة مع حكومة في هذه البلد للقضاء على تنظيم القاعدة، ولا يمكن أن نفعل ذلك من خلال ضربات جوية أو باستخدام الأدوات الاستخباراتية فقط». وأضاف: «نحن بحاجة إلى حكومة مركزية قوية».
قال خبير أميركي متخصص في اليمن إن «تقدم قوات الحوثيين في اليمن، ووصولهم إلى القصر الجمهوري، يعتبر هزيمة لسياسة الرئيس باراك أوباما، ليس فقط في اليمن، ولكن أيضا في الحرب ضد الإرهاب». وقال إن «واشنطن تتردد في طريقة التعامل مع الحوثيين. وذلك لأن الحوثيين يعادون منظمة القاعدة، التي تراها واشنطن العدو الأول في حربها العالمية ضد الإرهاب». وأضاف أن «الحوثيين أنفسهم لا يريدون عداء مباشرا لواشنطن».
وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط»، قال د. شارلز شميتز، أستاذ في جامعة توسون في بولتيمور (ولاية ميريلاند)، ومتخصص في اليمن، حيث عمل في برنامج «فولبرايت»، وزميل في المعهد الأميركي للدراسات اليمنية في اليمن، إن «واشنطن تريد (الباب مفتوحا) نحو التعامل مع الحوثيين». وأضاف أنه «لا واشنطن تعرف كيف تتعامل مع الحوثيين، ولا الحوثيون يعرفون كيف يريدون حكم اليمن». وقال: «ليست قيادة الحوثيين متأكدة من كيفية حكم اليمن. انتقلت حركة الحوثي، من خلال كثير من المراحل في تطورها، من مجموعة نهضة دينية صغيرة إلى تمرد مسلح، والآن، صارت القوة المهيمنة في اليمن. وخلال كل هذه المراحل، تمارس قيادة الحوثيين شعار (التعلم بالممارسة)».
وأضاف شميتز أنه «يبدو أن قيادة الحوثيين لا تريد أن تحكم مباشرة، بل من خلال الحكومة الحالية. ربما لأن قيادة الحوثيين تعرف أنها تتمتع بمصداقية قوية في أقصى الشمال، لكن ليس في المناطق الوسطى والجنوبية من اليمن. وأنها تفتقر إلى الشرعية، وذلك لأن الحوثيين لم يكونوا جزءا من، أو شاركوا في، المجتمعات في هذه المناطق». وقال: «لهذا، يحتاج الحوثيون إلى غطاء من الشرعية التي توفرها الدولة اليمنية. ولهذا، يريدون ضمان صوت قوي في الحكومة، من دون أن يحكموا حكما مباشرا».
وعن السياسة الأميركية نحو اليمن، قال: «إن الولايات المتحدة تريد الاستقرار في اليمن. وتريد أن تكون حكومة اليمن مسؤولة عن مواطنيها، وتسيطر على أراضيها، وتحترم المجتمع الدولي. وأهم من ذلك، تريد الولايات المتحدة أن تقدر حكومة اليمن على مواجهة تنظيم القاعدة في اليمن».
وأضاف: «تريد الولايات المتحدة كل هذه الأشياء. لكنها لا تستطيع إملاء شروطها على اليمنيين. في الحقيقة، ربما فوجئت الولايات المتحدة، مثل أي شخص آخر، بقوة الحوثيين التي جعلتهم يستولون على اليمن بهذه السرعة. في نفس الوقت، تعرف الولايات المتحدة أن الحوثيين يتمتعون بشرعية كبيرة في اليمن. وفي نفس الوقت، تريد الولايات المتحدة حكومة شرعية في اليمن، وذلك للمساعدة في تحقيق الاستقرار، واستتاب الأمن».
وعن نفوذ إيران في اليمن على ضوء انتصارات الحوثيين، قال شميتز: «نعم، لا تحب الولايات المتحدة النفوذ الإيراني في اليمن. لكن، إذا كان الحوثيون يقدرون على تحقيق الاستقرار في اليمن، فلما لا؟ وحقيقة أن الحوثيين يواجهون بشكل فعال تنظيم القاعدة. لا يؤذي علاقة الحوثيين مع الولايات المتحدة».
وبينما تواصل الولايات المتحدة الهجمات بطائرات «درون» (بدون طيار) على منظمة القاعدة في اليمن، قال شميتز إن «الولايات المتحدة يمكن أن تتحالف مع الحوثيين في هذا الجانب». واستبعد أن يأتي يوم تهاجم فيه هذه الطائرات الحوثيين أيضا.
وأضاف: «لن تهاجم الولايات المتحدة الحوثيين. وليست حركة الحوثي جماعة إرهابية. إنها جماعة متمردة. حركة الحوثي هي العدو اللدود لتنظيم القاعدة. تماما مثل الولايات المتحدة. على هذا يتفق الأميركيون والحوثيون».
لكن، توقع شميتز أن يكون التعاون الأميركي مع الحوثيين غير مباشر. وذلك لأن «حركة الحوثي يمنية ووطنية وأصلية، وليست دخيلة. وأنها تركز على أن تحمي اليمن، وتحافظ على سيادته، ضد القوى الأجنبية. لهذا، سيعارض الحوثيون النفوذ الأميركي في اليمن. وربما حتى يرفضون أن يتعاونوا مع الولايات المتحدة في عملياتها ضد تنظيم القاعدة، بقدر ما يأمل الأميركيون في ذلك».
وأضاف شميتز أن «الحوثيين لن يرفضون أن تساعدهم طائرات (درون) الأميركية في حربهم ضد تنظيم القاعدة. لكن، وهذه نقطة صحيحة جدا، يقول الحوثيون إن ضربات هذه الطائرات ليست فعالة ضد تنظيم القاعدة، وإن هزيمة القاعدة لن تتم إلا بزحف أرضي، وبتعاون مع الأجهزة الأمنية المحلية».
وعما سماه شميتز «فشل سياسة أوباما في اليمن وفي الحرب ضد الإرهاب»، قال: «تنعكس هذه التطورات على سياسة أوباما في اليمن، وفي المنطقة. وتشكك هذه التطورات في فعالية استراتيجية أوباما بالتحالف مع شركاء محليين، في نفس الوقت الذي يستخدم فيه القوة المباشرة. لهذا، يمكن القول إن صعود حركة الحوثي جاءت بسبب فشل نظام الرئيس السابق على عبد الله صالح، حليف الولايات المتحدة سابقا، وفشل حكومة عبد ربه منصور هادي، حليف الولايات المتحدة حاليا».
وعن موقف السعودية نحو هذه التطورات في اليمن، قال شميتز: «كان لحملة السعوديين ضد الإخوان المسلمين دور في صعود الحوثيين. ويعود ذلك لأن الإخوان المسلمين جزء هام في التجمع اليمني للإصلاح. لهذا، أضعف سحب الدعم السعودي للإخوان المسلمين التجمع اليمني للإصلاح. في نفس الوقت، يبدو أن السعوديين لم يكونوا قلقين عندما بدأ الحوثيون تقدمهم العسكري في الشمال ضد السلفيين وضد الإصلاح».
وأضاف: «في البداية، بينما رضي السعوديون بالسماح للحوثيين بإضعاف التجمع اليمني للإصلاح، لم يضعوا اعتبارات لانتصارات مستمرة للحوثيين تدخلهم صنعاء. أما بالنسبة للنفوذ الإيراني في اليمن، يرى السعوديون أن الحوثيين عملاء إيرانيين، وأنهم صورة طبق الأصل من حزب الله في اليمن، لهذا، الآن يحاول السعوديون بناء تحالف من القوى السياسية لمعارضة الحوثيين في صنعاء. وأخيرا، نشرت أخبار أن السعوديين يعملون على تأسيس تحالف وسط القبائل الصحراوية في منطقة الجوف الشرقية بهدف مواجهة الحوثيين. إذا حدث هذا، سيخلق مشكلات كثيرة للحوثيين».
وعن فشل «ربيع العرب اليمني» قال شميتز إن «سقوط صالح (في عام 2012) جلب الأمل في أن اليمنيين انتصروا على الفساد، وأنهم سيقدرون على بناء دولة فعالة، وموحدة، وأساسها المساواة، والعمل السياسي النزيه».
لكن، فشلت الحكومة المؤقتة، «لأن اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي سمح باستمرار النخب القديمة في السلطة. لهذا، بدلا عن بناء دولة جديدة، لعبت النخب القديمة لعلبتها القديمة، وصارت تتنافس من أجل السيطرة على مؤسسات الدولة. وبعد أن أصدر مؤتمر الحوار الوطني وثيقة ورؤية لحكومة عادلة في اليمن، انشغلت النخب الفكرية في مناقشة كلمات ودلالات الوثيقة».
وقال: «خلال هذه الفترة، ظل المجتمع الدولي يدعو اليمنيين إلى تأسيس حكم رشيد. لكن، كيف يؤسسون حكما رشيدا وهم يواجهون أوضاعا مادية سيئة، ومتزايدة في السوء؟»
وعن احتمال أن ينفذ المجتمع الدولي اليمن حتى لا تصير دولة مارقة، قال شميتز: «ليس للقوى الأجنبية تأثير يذكر على هذه التطورات. نعم، تؤيد مجموعة الدول العشر (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، و5 دول من مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر) مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، وتؤيد حكومة الرئيس هادي، وتؤيد اتفاقية السلام والشراكة مع الحوثيين. لكن، برهنت هذه الدول العشر على أنها عاجزة، بل جاهلة، لتواجه زحف الحوثيين».



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.