الرواية على رأس القراءات والكتب المترجمة

ما قرأه المثقفون اللبنانيون عام 2020

الرواية على رأس القراءات والكتب المترجمة
TT

الرواية على رأس القراءات والكتب المترجمة

الرواية على رأس القراءات والكتب المترجمة

فارس يواكيم (أديب وكاتب مسرحي): الأعمال الكاملة لعمر أبو ريشة
في الحجر الذي فرضته «كورونا» علينا، تسنّى لي أن أقرأ ما لم أتمكن من قراءته سابقاً. بدأت بكتاب عنوانه «نقولا الحدّاد... الأديب العالم» من تأليف سلمى مرشاق سليم. وهو عن الأديب والعالم، اللبناني المولد المصري الإقامة، أحد أبرز المساهمين الشوام في النهضة الفكرية التي انطلقت في مصر أواخر القرن 19. المؤلّفة تنتمي إلى الشوام المصريين، وهي الخبيرة في هذا المجال. وكتابها مرجع تام يفي تلك الشخصية الفكرية حقها. سيرته، أعماله، دوره، مع توثيق دقيق ومتقن واكتشاف لمقالات مجهولة وإضاءة على المرحلة ورموزها.
كما استمتعت بقراءة رواية «الخيمة البيضاء»، وهي تنضم إلى شقيقاتها في سلسلة روايات ليانة بدر التي توثّق الذكريات الفلسطينية متعددة الوجوه بأسلوب روائي جميل وممتع. بطلة الرواية تدعى «نشيد» وأحداثها تدور خلال أربع وعشرين ساعة. لكن الراوية تستدعي ذكريات الشخصيات الرئيسية الأخرى ذات الصلة بنشيد. كلهم أسرى وإنْ تحركوا: أسرى الاحتلال، والقمع العائلي، والتقوقع في الماضي، والنظرة الدونية للمرأة.
في كتابة مختلفة في المجال، أعجبني كتاب «أزاهير العبث» لناتالي الخوري غريب. هي سلسلة من المقالات موزّعة على قسمين: الأول بعنوان «صُنّاع الهباء» والثاني عنوانه «طين في متاهات النفس». المقالات تأملات فكرية في مواضيع مختلفة صاغتها الكاتبة بلغة مصقولة، طغى عليها النَفَس الشعري، على غرار أسلوب راجي الراعي في «قطرات ندى».
ولأنني أشتغل حالياً على القصائد العربية المجهولة، سعدت بقراءة كتاب «الأعمال الكاملة لعمر أبو ريشة»، الذي حققه فايز الداية وسعد الدين كليب ومحمد نجمة، وهو المرجع الأكمل. عثر المحققون بجهد على العديد من قصائد الشاعر التي كانت مبعثرة في المجلات الأدبية القديمة، ولم تنشر في أي من دواوين الشاعر بطبعاتها المختلفة ما عدا واحدة هي قصيدة أبي ريشة في ذكرى وفاة أنطون قازان. وهي من 60 بيتاً عثروا على خمسة أبيات منها فقط. ختامها أجملها: «فطفْ بنا يا حبيب الحبّ إنّ لنا - بعد الفراق لقاءً يبدأ الأنا».
الكتاب الخامس لم يُنشَر بعد. هو ترجمة رواية «لا جديد في الجبهة الغربية» للألماني إريش ماريا ريمارك. المخطوطة وصلتني من المترجم عماد غانم. هي من أجمل الروايات العالمية التي تدين الحرب. والترجمة إلى العربية مباشرة من الألمانية وليس من لغة وسيطة. وإضافة إلى أنها ترجمة متقنة وممتعة، فالهوامش التي أضافها المترجم مهمّة للغاية، لأنها تشرح كلمات ذات دلالات معينة يصعب فهمها على القارئ غير المطّلع على تفاصيل الحرب العالمية الأولى وعلى التاريخ الألماني الحديث.

سلمى مرشاق سليم (كاتبة):
المكتبة السورية السرية
من بين الكتب الجميلة التي قرأتها هذا العام، الكتاب الأول لديما عبد الله. وتأتي أهمية الرواية التي تحمل عنوان «العشب الرديء» وصادرة بالفرنسية، من صراحتها وجرأتها، ومهارة الكاتبة التي تسجل في روايتها انطباعات من طفولتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فهي قادرة على قول ما تعتقده بوضوح ودون مواربة، حتى حين يخص ذلك والديها، الروائية هدى بركات والشاعر محمد عبد الله، وهو ما يتحفظ عليه الكتّاب العرب عادة. أما النقطة الثانية المهمة في الكتاب، فهي القدرة الفائقة للكاتبة على الملاحظة وامتلاكها لرؤية، على غضاضة تجربتها. وتحكي الرواية التي فازت بجائزة فرنسية هي «إنفوييه بار لا بوست»، قصة فتاة تعيش في غمار الحرب الأهلية اللبنانية، حيث القصف والنيران لا توفر أحداً، والانتقال طلباً للنجاة من بيت إلى آخر.
أما الكتاب الثاني «سيريوز سكرت ليبريري» أو «المكتبة السرية الجادة» لمايك تومسون، الصحافي الذي غطى حروب سوريا، واكتشف هناك مكتبة أنشئت بسرية تامة، في مكان لا يحدده، ويقول إن أصحابها أقاموها ليقرأوا بعد أن فقدت الكتب ودمرت المكتبات، وأبقوها في مكان لا تراه أعين كثيرين، كي تكون لهم حرية أن يضموا إليها ما يشاءون من الكتب. وهو كتاب سياسي، اجتماعي، ثقافي، يتحدث عن المكتبة في غمار الحديث عن المعارك السورية وتعقيداتها. وهو في الحقيقة يتخذ هذه المكتبة العامة، التي أسسها مجموعة من القراء، كذريعة لينطلق منها إلى تغطية الأحداث السياسية التي شهدها.

سلمان زين الدين (شاعر لبناني):
«المنطقة الميتة» لستيفن كينغ
«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب» للروائية التركية أليف شافاك (دار الآداب)، وهو كتاب جميل، تروي الكاتبة من خلاله، حكاية عشرة عقود من الزمان في 10 دقائق 38 ثانية، وتُكثّف حياة برمّتها «في وقت يستغرقه غليان ماء في إبريق لا غير»، على حدّ تعبيرها. وتتناول في روايتها حياة شريحة اجتماعية تنتمي إلى القاع، وتُعاني النبذ والإقصاء، ويقع عليها ظلم الحياة والموت.
هناك أيضاً رواية «ابنة الحظ» للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، الصادرة عن «دار الآداب». تجري أحداث الرواية في القرن التاسع عشر بين العامين 1843 و1853. وترصد فيها الكاتبة ما تُسمّيه بـ«حمّى الذهب» التي استعرت في كاليفورنيا، وأحلام الثروة التي راودت الكثيرين من جنسيات مختلفة، فانخرطوا فيها ليغنم بعضهم، وتعود الغالبية من الغنيمة بالإياب. وتتناول ما رافق ذلك من صراعات عرقية دامية وأنشطة بشرية، أدّت إلى استشراء شريعة الغاب، من جهة، وقيام مدن بكاملها، من جهة ثانية.
كذلك قرأت، «المنطقة الميتة» للروائي الأميركي ستيفن كينغ، «الدار العربية للعلوم - ناشرون»، وتقع الرواية في تمهيد وثلاثة أقسام وثمانية وعشرين فصلاً، وتنتظمها ثلاثة أسلاك سردية متفاوتة الطول والأهمية. يتمحور كلٌّ منها حول شخصية معيّنة تُجسّد ظاهرة اجتماعية معيّنة، غريبة أو واقعية، فيتناول الأوّل القدرة الخارقة على معرفة الماضي والمستقبل. ويتناول الثاني آليّات التسلّق السلطوي. ويتناول الثالث ظاهرة القتل المحترف.
ومن الروايات الأخرى، «أن تعيش الحياة» للروائية اللبنانية علويّة صبح، دار الآداب. العالم المرجعي الذي تمتح منه علوية صبح، في هذه اللحظة الروائية، هو العالم العربي المحكوم بالحروب والديكتاتوريات والأصوليات، والطوائف والهزائم والانكسارات، التي تُرخي بثقلها على شخوص الرواية، وتُصيبها بأعطابٍ قاتلة في النفس والجسد والرزق، فتتعثّر مساراتها، وتتردّى مصائرها في مهاوي العنف والفقر، واليأس والقمع والمرض. ولعلّ هذا العطب الأخير، هو الأكثر حضوراً في الرواية.

إدمون ربّاط (ناشط سياسي):
21 درساً للقرن الحادي والعشرين
من الكتب التي قرأتها «في يمين المولى» للكاتب جيرار حداد، «دار الجديد». ويفسر الكتاب بطريقة سيكولوجية سبب التعصب ويعتقد أنه في أغلب الأحيان يعود لأسباب سياسية. قرأته خاصة بعد الجريمة المروعة التي وقعت في فرنسا، وقطع فيها رجل رأس الأستاذ صموئيل باتي. أردت أن أفهم كيف يمكن للناس أن يصلوا إلى هذا الدرك من العنف والتشدد.
وقرات بالإنجليزية كتاب «21 درساً للقرن الحادي والعشرين» للكاتب يوفال نوا هاريري، وأظن أنه مهم لأنه يعطي إجابات على أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا. من هذه الإجابات كيف أن شركات «غافا» مثل «غوغل» و«فيسبوك» و«أبل»، توجهنا من خلال ما تعرضه علينا، صوب وجهات لا نريدها. فقد يجري كل منا البحث نفسه، لكنه سيخرج بنتائج مختلفة تبعاً لأبحاثه السابقة.
كتاب آخر قرأته هو «الإنسانية تاريخ متفائل» لروتجير بيرغمان. وينطلق الكتاب من مبدأ أن الإنسان مفطور على الخير، ويعود إلى أحداث مهمة في التاريخ ليرينا أن أولئك الذين ارتكبوا الشرور لم يقوموا بأفعالهم الشنيعة لرغبة منهم في ذلك، وإنما لأن ثمة شخصاً ما، ربما يعاني من مشكلة معينة كان يعطي الأوامر بذلك.
وللكاتب مؤلف آخر يستحق القراءة هو «اليوتوبيا الواقعية»، ويعتبر فيه أن مساعدة الآخرين وتأمين كفايتهم، أقل كلفة من تركهم وإهمالهم. ولهذا هو من الذين لعبوا دوراً في تشجيع فكرة دفع الحد الأدنى لمن هم من دون عمل، لأن ذلك برأيه يحمي المجتمع من مشكلات كثيرة.
أما الكتاب الأخير الذي سأذكره فهو للفيلسوف الإيطالي نوتشيو أورديني، «دار الجديد»، ويحمل عنوان «لزوم ما لا يلزم» ويتحدث هذا الكتاب القيّم عن العلوم الإنسانية والفلسفة عائداً إلى نيتشة وفلاسفة آخرين.



نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)
مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)
TT

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)
مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

غاب «تومي شيلبي» 4 سنوات، وعاد إلى «نتفليكس». لكنّ العودة هذه المرة مختلفة عمّا سبق، فاللقاء مع بطل «Peaky Blinders» يتجدَّد ضمن فيلم وليس في موسم سابع من المسلسل البريطاني الجماهيري.

وفق عنوان الفيلم، تومي هو «الرجل الخالد (The Immortal Man)»، لكن لن يُعرَف ما إذا كان هذا الكلام دقيقاً سوى في الدقائق الأخيرة.

يعود شيلبي، الرأسُ المدبّر لمافيا برمينغهام وقلبُها النابض، وحيداً ومجرّداً من أفراد عائلته الذين أحبّهم جمهور المسلسل. تناثروا جميعاً ولم يبقَ منهم حياً سوى شقيقته «آدا». أما من الجيل الجديد، فيدور الفيلم حول شخصية ابن شيلبي البكر «ديوك»، أحدث نسخة عن العائلة وأكثرُها دمويّةً.

على خلفيّة الحرب العالمية الثانية ومن معسكرات الاعتقال في ألمانيا تبدأ الحكاية. تحاول مجموعات نازيّة متآمرة مع بريطانيين، إدخال عملة مزوّرة إلى المملكة المتحدة من أجل تدمير الاقتصاد في البلاد التي ما زالت تحارب ضد الألمان. «ديوك شيلبي» الذي أخذ مكان والده على رأس عصابة برمينغهام، هو العميل الذي سيتآمر مع الأعداء لإدخال تلك الأموال.

ديوك شيلبي متوسطاً عصابته (نتفليكس)

ببَطشه وأسلحته، يفرض ديوك الرعب من حوله. تبدو علاقته بوالده مبتورة، لا سيّما أنّ تومي اختار العزلة والابتعاد. نراه معتكفاً في منزلٍ باردٍ وناءٍ. وضع السلاح والقبّعة الشهيرة جانباً، وتَفرّغَ لكتابة قصته. وحيداً سوى من رفيقه الوفيّ «هايدن ستاغ» وأشباح مَن رحلوا، يغرق تومي شيلبي في دماء الماضي وفي تخيّلاتٍ هي أقرب إلى الرؤى.

ليس هذا تومي الذي ألِفَه الجمهور مليئاً بالرهبة والهيبة، وفارضاً سلطته أينما حلَّ. كسرته الخسائر وسكنته أطياف مَن رحلوا، منهم ابنته «روبي»، وشقيقه «آرثر»، وعمّته «بولي»، وحبيبته «زيلدا». يضفي هذا الجوّ الغامض وتلك العلاقة بينه وبين أرواح مَن رحلوا سِحراً على الفيلم، لكنه لا يُنقذه من مقدّمةٍ بطيئة تكاد لا تنتهي. وكأنَّ الكاتب ستيفن نايت لا يريد الدخول في صلب الموضوع.

تومي شيلبي في عزلته يكتب قصة حياته (نتفليكس)

نظنّ أنَّه، وبانضمام شخصية آدا شيلبي إلى المشهد، سوف تنطلق الأحداث أخيراً، ليتّضح أنّ الترقّب سيطول أكثر. تزور آدا شقيقها لتُقنعه بالعودة إلى برمينغهام وإنقاذ ابنه من ورطاته، لكنها لا تنجح في ذلك. يجب انتظار «كاولو» الشقيقة التوأم لحبيبة تومي الراحلة وخالة ديوك، كي ترمي سحرها وتجعله يعتمر قبّعته ويستلّ مسدّسه من جديد. يقتنع تومي أخيراً بالخروج من عزلته والتدخّل لتخليص ابنه من عدوّ يريد الشرّ لعائلة شيلبي ولبريطانيا في آنٍ معاً. ويتمثّل العدوّ بشخصية جون بيكيت، السياسي البريطاني الذي تآمر مع الفاشيين والنازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

تومي متوسطاً ابنه وأخته وخالة ابنه ورفيقه الوفيّ (نتفليكس)

في فيلمٍ مدّته 110 دقائق، ليس سوى في الدقيقة 40 حتى يدخل البطل تومي شيلبي إلى صلب الحركة والأحداث. وفي الأثناء، لم تكن شخصية الابن قد ملأت شيئاً من الفراغ ولا أشبعت العين.

لا شكّ في أنّ عودة تومي شيلبي إلى بلدته وناسه تشكِّل أحد أكثر أحداث الفيلم جاذبيّةً. واحتفاءً بتلك العودة، لا يبخل المخرج توم هاربر في المؤثّرات الخاصة التي تسترجع بعضاً من مزاج «Peaky Blinders» المعهود. يستعين بالموسيقى التصويرية الصاخبة، وبالحانات المعتمة، وبالأحصنة، وبكثيرٍ من «الأكشن». ولا يغفل عن الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية. لكنّ الحرب تبقى إطاراً شكلياً خجولاً، لا رابطَ وثيقاً بينها وبين الحبكة.

يستعين الفيلم بكثير من المؤثرات الخاصة المعهودة في المسلسل (نتفليكس)

ثم يحين اللقاء بين تومي وابنه ديوك في مشهدٍ غير مألوف، لا يخلو هو الآخر من الإثارة. لكنّ المشاهدين سيتساءلون حتماً، وعلى امتداد الفيلم، «أين ابنُ تومي من تومي؟». فالممثل باري كيون، ورغم الجهود التي يبذلها، يبقى بعيداً عن كاريزما شخصية تومي شيلبي الآسرة.

لا جدوى من المقارنة هنا. فلا أحد ينافس الممثل كيليان مورفي الذي بات توأماً لشخصية تومي شيلبي، وهو الثابت الوحيد في البراعة والإدهاش، مهما تراخت الحبكة وتشرذمت الأحداث. لا جدوى كذلك من المقارنة بين الفيلم والمسلسل، إذ إنّ كل تفصيلٍ يختلف؛ من البنية، إلى الإيقاع، مروراً بالقصة والممثلين. أما المؤكّد فهو أنّ «Peaky Blinders» راسخٌ في ذاكرة الجمهور على هيئة مسلسل، ومن الصعب على الفيلم أن يحقِّق الإنجاز ذاته. لكن المؤلّف ستيفن نايت ارتأى أن يختم رحلة آل شيلبي بفيلم. ما يعني أنه من الصعب أن يتجدَّد الموعد مع موسم جديد من المسلسل، الذي صنع أحد أمجاد كلٍ من شاشة «بي بي سي» ومنصة «نتفليكس».

يبقى أداء الممثل باري كيون بعيداً عن كاريزما شخصية تومي شيلبي (نتفليكس)

في تجربتها السينمائية، خسرت أسطورة «Peaky Blinders» كثيراً من وهجها. فالحبكة ينقصها الوضوح والتماسك، وكأنّ الأبطال يلهثون خلف هدفٍ غير محدَّد المعالم، أو أنه على الأقلّ لا يستحقّ كل هذا العناء في اللهاث. فكل ما يقوم به شيلبي وقَومُه مجتمعون، من البداية حتى النهاية، هو البحث عن العميل بيكيت من أجل قتله.

أما المسعى الإنساني والعاطفي، فهو ترميم العلاقة المهتزّة جداً بين الأب وابنه ديوك. لكن تلك المصالحة لا تنال ما تستحق من تطوير درامي. حتى إن العلاقة العاطفية المستجدّة بين تومي وكاولو تعطي انطباعاً بأنها دخيلة على السيناريو.

إلى جانب أدائه الآسر، يتمسّك كيليان مورفي أو تومي شيلبي بمقولة «إنّ ثمة خيراً يتأتّى عن كل شرّ». وعلى هذه القاعدة، فإنّ ثمة سحراً يتأتّى عن فيلم «Peaky Blinders» رغم زلّاته؛ وهو سحرٌ وحدَهم آل شيلبي قادرون على صناعته.


«على قد الإيد»... مصريون يتكيّفون مع غلاء أسعار هدايا «عيد الأم»

هدية على قد اليد اتجاه جديد لمواجهة الأحوال الاقتصادية (بكسيل)
هدية على قد اليد اتجاه جديد لمواجهة الأحوال الاقتصادية (بكسيل)
TT

«على قد الإيد»... مصريون يتكيّفون مع غلاء أسعار هدايا «عيد الأم»

هدية على قد اليد اتجاه جديد لمواجهة الأحوال الاقتصادية (بكسيل)
هدية على قد اليد اتجاه جديد لمواجهة الأحوال الاقتصادية (بكسيل)

في ظل التحديات الاقتصادية التي فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية المصرية، لم يتخل المصريون عن طقوسهم الدافئة في الاحتفال بعيد الأم، بل أعادوا صياغتها بما يتناسب مع الواقع، مبتكرين أفكاراً بسيطة تحمل في طياتها مشاعر والحب والامتنان.

وبينما تراجعت مظاهر الرفاهية لدى البعض، برزت بدائل أكثر حميمية تستند إلى فكرة جوهرية مفادها أن قيمة الهدية لا تقاس بثمنها، بل بما تحمله من مشاعر صادقة.

هذا التوجه امتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع المصري؛ حيث وجدت فيه الأسر وسيلة لتحقيق التوازن بين الإمكانات المحدودة والرغبة في إدخال السرور على الأمهات.

تقول سارة محمود (حديثة التخرج): «للأسف لم أحصل بعد على فرصة عمل، بينما ألتزم بالحصول على كورسات لتنمية مهاراتي؛ ولذلك لا تسمح ميزانيتي بشراء هدية لأمي، لكنني أريد إدخال الفرحة على قلبها في هذا اليوم؛ لذلك قررت هذا العام التركيز على مضمون الهدية لا شكلها».

أفكار مختلفة للإكسسوارات المنزلية من «أرتكاتو» (الشرق الأوسط)

وتتابع في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «الشعور بالمشاركة في إسعاد الأم كان أهم من قيمة الهدية نفسها».

ومن هنا قررت سارة البحث على «غوغل» عن أفكار غير تقليدية لإسعاد الأمهات في عيدهن، ومن الأفكار التي أعجبتها إعداد الأطباق المفضلة لدى الأم، توضح: «تحب والدتي يونانية الأصل طبق سمك السلمون بالأعشاب والليمون، مع سلطة البحر الأبيض المتوسط ​​الطازجة مع جبنة الحلوم المشوية وحساء سي فود، وهو ما سأقوم بتحضيره لها في يومها بدلاً من التكلفة المرتفعة لتناول الطعام في الخارج».

وفي المساء قررت الفتاة الشابة أن تترك اللاب توب جانباً، وكل التزاماتها التعليمية لتستمتع بمشاهدة الأفلام في المنزل مع والدتها وتصنع أجواءً مثالية لعيد الأم، تقول: «سأحول غرفة المعيشة سينما منزلية دافئة».

داخل أحد محال الهدايا المتواضعة في القاهرة، قالت منى السيد، موظفة وأم لطفلين: «في هذا العام قررت أن أدقق في اختيار هدية أمي؛ بحيث لا تؤثر بالسلب على ميزانية الأسرة، وفي الوقت نفسه تعبّر عن حبي وامتناني لها».

و تضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أعدت تدوير صندوق صغير من الكرتون كان في منزلي، فقمت بلصق ورق ملون عليه من الخارج بجميع الجوانب وداخله أيضاً، وسأضع فيه زجاجة عطر صغيرة، وكارت مكتوب بخط يدي». وتضيف بابتسامة: «ربما لا يكون العطر من علامة معروفة كما اعتدت أن أفعل في السنوات السابقة، لكنه يتمتع برائحة طيبة أثق أنها ستنال إعجابها».

إلى جانب ذلك، برزت أفكار أخرى أقل تكلفة وأكثر حميمية من الماضي، مثل إعداد احتفال عائلي داخل المنزل، أو تخصيص يوم كامل لراحة الأم من الأعباء اليومية.

وتروي نجلاء حسن، ربة منزل، أن أبناءها قرروا تولي جميع مسؤوليات المنزل في هذا اليوم، مضيفة أن «هذا التصرف بالنسبة لها هو الهدية الأهم؛ لأنه يعبر عن تقديرهم الحقيقي لتعبها»، وفق تعبيرها.

وفي ظل ارتفاع تكاليف الخروج والتنزه، فضلت عائلات كثيرة قضاء الوقت داخل المنزل، عبر أنشطة مشتركة مثل مشاهدة أفلام قديمة أو استعادة ذكريات عائلية؛ وهو ما يسهم - حسب أحمد عبد الرحمن (موظف) - في «التفاف الأبناء حول الأم وتعزيز الروابط الأسرية بما يسعد أي أم».

هدايا بسيطة للأم في عيدها (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن الوقت الذي تقضيه الأسرة معاً أصبح في حد ذاته قيمة لا تقل عن أي هدية مادية في زمن تقل فيه الزيارات حتى بين الإخوة».

ويتابع: «قررت أن نجلس معاً لتصفح ألبومات صور العائلة؛ واستخراج بعض اللقطات المفضلة، وتشغيل مقاطع الفيديو المنزلية العائلية على التلفاز».

ويواصل: «وسأطلب من أفراد الأسرة الآخرين إحضار صور أو مقطع فيديو لأجمل ذكرياتهم معها؛ فلا يوجد وقت أفضل من عيد الأم لاستعادة ذكريات الماضي الجميلة».

في السياق، اتجه كثير من الأبناء إلى تبني حلول عملية، من أبرزها فكرة «الهدية المشتركة»، التي تقوم على مساهمة الإخوة في شراء هدية واحدة ذات قيمة حقيقية، بدلاً من تعدد الهدايا الرمزية.

وتقول هبة علي (تعمل في القطاع الخاص) إنها اتفقت مع أشقائها على هذا الخيار هذا العام، موضحة أن «مساهمة كل فرد بمبلغ بسيط مكّنتهم من شراء شيء تحتاج إليه والدتهم بالفعل؛ وهو ما منح الهدية معنى عملياً ودافئاً في آن واحد».

إلى هذا، انتشرت أفكار مثل تسجيل مقطع فيديو يحمل رسائل حب من الأبناء، كما لجأ البعض إلى إعادة تدوير أفكار قديمة بشكل مبتكر، مثل تجديد قطعة ملابس، أو تنظيم رحلة عائلية جماعية لحديقة عامة مع المشاركة في إعداد وجبات منزلية، والتقاط صور توثق لحظاتهم الدافئة، حسب الدكتور أشرف جودة، استشاري العلاقات الأسرية.

واصفاً ذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط بأن «ما يحدث يعكس تحولاً إيجابياً في الوعي المجتمعي»، موضحاً أن «الأزمات الاقتصادية أحياناً تدفع الناس لإعادة ترتيب أولوياتهم، والرجوع إلى جوهر العلاقات الإنسانية».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «عيد الأم ليس مناسبة للإسراف، بل هو مناسبة للتعبير عن النوايا والمشاعر واختيار ما يعكس الامتنان».

زهور من الكروشيه لمواجهة غلاء الورد الطبيعي من علامة Trendy stitch (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى أن جمال هدايا عيد الأم بأسعار معقولة يكمن في روعتها ودقتها أكثر من سعرها؛ فالهدية المختارة بعناية، حتى بميزانية محدودة، يمكن أن تكون راقية ولا تنسى».

على الجانب الآخر، حرصت الكثير من متاجر الهدايا والفنانين على تقديم أفكار لهدايا بسعر «على قد الإيد» مثل علامة Trendy stitch التي قدمت زهوراً من الكروشيه متبعة أسلوب دعاية يدعو إلى تفضيلها عن الطبيعية، لأنها أرخص وعملية؛ فهي لا تذبل، وتعيش طويلاً مع الأم، وتجعلها تشعر بحب الأبناء لها كلما نظرت إليها.

وهناك أيضاً علامة «أرتكاتو» التي قدمت هدايا بسيطة على شكل مفاتيح أو إكسسوارات منزلية خشبية مثل كوستر الأطباق والأكواب.

أفكار لتحقيق التوازن بين الإمكانات المحدودة والرغبة في إدخال السرور على الأمهات (الشرق الأوسط)

فضلاً عن حقائب يدوية من القماش للتنزه أو التسوق صباحاً، يقول مهندس أسامة عمر، مؤسس العلامة: «عيد الأم ليس مناسبة للاستهلاك بقدر ما هو فرصة للتعبير عن التقدير، والهدايا مهما كانت بسيطة يمكن أن تحمل قيمة كبيرة إذا ارتبطت بمشاعر صادقة».

ويتابع: «الطفل الذي يتعلم أن يعبّر عن حبه بكلمة أو تصرف بسيط، سينشأ وهو أكثر وعياً بقيمة العلاقات، وهذا مكسب حقيقي للأسرة والمجتمع».


مصر: كشف أثري جديد لإمبراطور روماني بمعابد الكرنك

ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: كشف أثري جديد لإمبراطور روماني بمعابد الكرنك

ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)
ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف لوحة حجرية جديدة تعود إلى عصر الرومان، وذلك خلال تنفيذ مشروع تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث.

وعدَّت الوزارة، في بيان صحافي، الكشف «إضافة أثرية مهمة، تسهم في فهم التطورات التاريخية والمعمارية للموقع خلال العصور المختلفة».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي: «إن اللوحة الحجرية المكتشَفة عُثر عليها داخل طبقة أثرية مرتبطة بمنشآت من الطوب اللبن ترجع إلى العصرَين الروماني المتأخر والبيزنطي، وتقع في المنطقة الشمالية الغربية مباشرة من البوابة»، بحسب البيان.

من جانبه، أوضح رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن اللوحة مصنوعة من الحجر الرملي، بأبعاد 60 × 40 × 10 سنتيمترات، وتُصوِّر الإمبراطور الروماني تيبيريوس واقفاً أمام ثالوث الكرنك المقدس؛ آمون-رع، وموت، وخونسو، مشيراً إلى «ظهور نَصٍّ هيروغليفي أسفل المشهد مكوَّن من 5 أسطر يخلِّد أعمال تجديد سور معبد آمون-رع بهدف حمايته، ما يتوافق مع الأدلة الأثرية والمعمارية التي كشفت عنها أعمال المشروع».

لوحة من الحجر الرملي تعود لعصر الإمبراطور الروماني تيبيريوس (وزارة السياحة والآثار)

وخضعت اللوحة المكتشَفة لأعمال ترميم وصيانة دقيقة، ومن المقرَّر عرضها مستقبلاً في أحد المتاحف، بحسب الدكتور عبد الغفار وجدي، مدير عام آثار الأقصر، ورئيس البعثة من الجانب المصري في البيان.

وتستمر أعمال البحث والدراسة، التي ينفِّذها «المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك»؛ لتطوير ودراسة المنطقة الشمالية من معبد آمون-رع.

بدوره، قال عالم المصريات الدكتور حسين عبّد البصير إن اللوحة الحجرية المكتشَفة تمثل «إضافة علمية قيّمة تساعد على دراسة العلاقة بين مصر والفترة الرومانية، وكيفية الحفاظ على المقدسات المصرية وتطويرها خلال تلك الحقبة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفاصيل الموجودة باللوحة تمنح الباحثين فرصةً لدراسة الأبعاد الدينية والسياسية والفنية للموقع، وفهم كيف كانت السلطة الرومانية تحترم التقاليد المصرية، وتحاول التكيُّف مع الرموز الدينية المحلية، وهو ما يُظهِر التناغم بين القوة الرومانية والتراث المصري في الفترة الانتقالية بين العصور القديمة والعصر الروماني».

وانتهت البعثة الأثرية المصرية التابعة لـ«المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك (CFEETK)»، بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار بمصر، والمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، من أعمال إعادة تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث الواقعة شمال معابد الكرنك، بحسب وزارة السياحة والآثار.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، بحسب البيان، أن «المشروع يأتي في إطار خطة متكاملة لتطوير معابد الكرنك، بما يشمل تطوير منطقة المتحف المفتوح، ورفع كفاءة الخدمات المُقدَّمة للزائرين؛ بهدف تعزيز التجربة السياحية».

جانب من أعمال الترميم بالكرنك (وزارة السياحة والآثار)

وتضمَّن المشروع، الذي نُفِّذ خلال الفترة من 2022 إلى 2025، إعادة تركيب وترميم بوابة السور الشمالية التي شيَّدها الملك رمسيس الثالث خلال عصر الأسرة العشرين، والتي كان قد تمَّ اكتشاف الجزء السفلي منها في القرن التاسع عشر في حالة تدهور شديد، ومغطاة بالنباتات.

وشملت الأعمال تفكيك البوابة بالكامل، وترميم كتلها الحجرية، وتوثيقها علمياً، قبل إعادة تركيبها وفقاً لأحدث الأساليب العلمية. وأسفرت هذه الأعمال عن «الكشف عن عدد كبير من الكتل الحجرية المزخرفة المعاد استخدامها، التي تعود إلى عهد الملك أمنحتب الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، ويُرجَّح أنها كانت جزءاً من بوابة سور أقدم في الموقع نفسه».

وخلال أعمال تطوير الموقع في صيف 2025، تمكَّنت البعثة من الكشف عن طريق مرصوف كان قد سُجل لأول مرة في مطلع القرن العشرين، ويربط بين بوابة رمسيس الثالث وساحة الصرح الثالث داخل معابد الكرنك، بحسب البيان.

وعدَّ عبد البصير الانتهاء من مشروع إعادة تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث «إنجازاً بارزاً على الصعيدَين الأثري والعلمي، يمنح الباحثين والزوار على حد سواء فرصةً استثنائيةً لفهم التطورات التاريخية والمعمارية لهذا الموقع المميز عبر العصور المختلفة». وقال: «هذه البوابة، التي شيَّدها الملك رمسيس الثالث خلال عصر الأسرة العشرين، لم تكن مجرد مدخل وظيفي، بل كانت بمثابة رمز للقوة والسيادة الدينية والسياسية، وتكشف أعمال إعادة تركيبها عن مدى دقة التخطيط الهندسي والمعماري الذي كان سائداً في ذلك العصر، كما تسلِّط الضوء على العلاقة بين الفن والوظيفة والرمزية الدينية التي كانت محوراً في تصميم المعابد المصرية القديمة».

وأشار إلى أن الاكتشافات التي تمَّت خلال المشروع «تدل على استمرارية استخدام الموقع وتطويره عبر قرون طويلة»، موضحاً أن الكتل الحجريّة المكتشَفة أعيد استخدامها ضمن البوابة، ما يؤكد أن «معابد الكرنك لم تكن ثابتة على حال واحدة، بل كانت مسرحاً لتجدُّد مستمر يعكس التفاعلات بين الأجيال المختلفة من الحكام والفنانين والمهندسين».