مالي: مصرع 3 جنود فرنسيين في هجوم «إرهابي»

باريس تبحث عن «مخرج» من حرب الساحل

الجنود الفرنسيون الثلاثة الذين قتلوا في مالي أول من أمس (أ.ف.ب)
الجنود الفرنسيون الثلاثة الذين قتلوا في مالي أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

مالي: مصرع 3 جنود فرنسيين في هجوم «إرهابي»

الجنود الفرنسيون الثلاثة الذين قتلوا في مالي أول من أمس (أ.ف.ب)
الجنود الفرنسيون الثلاثة الذين قتلوا في مالي أول من أمس (أ.ف.ب)

قبل عام وأسبوعين، استضافت مدينة «بو» الواقعة جنوب فرنسا، عند أقدام سلسلة جبال البيرينيه، قمة فرنسية - أفريقية ضمت الرئيس الفرنسي ورؤساء دول الساحل الخمس «موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد» لتقويم الأوضاع الأمنية، والحرب على الإرهاب، فضلاً عن «تعبئة الأسرة الدولية لدعم الجهود الفرنسية - الأفريقية سياسياً ومالياً وميدانياً». وقرر الرؤساء الستة العودة إلى الالتقاء بعد عام من أجل النظر فيما تحقق، خصوصاً في السعي إلى إعادة السيطرة على ما يسمى «المثلث الحدودي» (مالي - النيجر - بوركينا فاسو»، وهي المنطقة التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش» و«القاعدة». وبالنظر إلى النجاحات التي حققتها قوة «برخان» الفرنسية التي تعد 5100 رجل، مدعمين بغطاء جوي متعدد الأشكال، والقوة الأفريقية الجماعية (جي 5)، إضافة إلى قوة الكوماندوز الأوروبية (تاكوبا)، فإن باريس أخذت تبلور الخطط لخفض حضورها العسكري في الساحل، ونقل المسؤوليات تدريجياً إلى القوة الأفريقية.
ومع كل عملية إرهابية تستهدف القوة الفرنسية، تتكاثر الأسئلة حول مستقبلها، والفترة الزمنية التي ستبقى مرابطة فيها بهذه المنطقة. ولا تخفي أعلى المراجع العسكرية الفرنسية رغبة باريس في خفض وجودها هناك، أقله استرجاع القوة الإضافية التي تعد 600 رجل، والتي قرر الرئيس ماكرون إرسالها بداية عام 2020 لتعزيز القوة الضاربة. ولم يتردد رئيس الأركان الفرنسي الجنرال لوكوانتر الذي زار مالي في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي في القول علناً إنه يرغب في خفض عدد قواته.
وجاء مقتل 3 عسكريين فرنسيين صبيحة أول من أمس ليعيد طرح الملف بقوة. ووفق التفاصيل التي كشفت عنها السلطات الفرنسية، ممثلة بقصر الإليزيه ووزارة الدفاع وقيادة الأركان، فإن الجنود الثلاثة قتلوا في منطقة تقع بين مدينتي هومبري وغوسي، قريباً من المثلث الحدودي المشار إليه.
ووقع الهجوم في المنطقة نفسها التي قال الجيش المالي، الأسبوع الماضي، إنه قتل فيها أكثر من 10 إرهابيين، عندما حاولوا أن ينصبوا كميناً لدورية تابعة له، ولكن الجنود نجحوا في مواجهة الإرهابيين، خاصة بعد أن «تلقت إسناداً نارياً من الطيران» قدمته القوات الفرنسية.
ومع مقتل الجنود الثلاثة، تكون خسائر فرنسا البشرية منذ عام 2013 قد وصلت إلى 47 قتيلاً. وبحسب مصادر وزارة الدفاع، فإن باريس تتكلف ما يساوي 800 مليون يورو سنوياً في منطقة الساحل، حيث لها مصالح استراتيجية رئيسية، والبلدان الخمس كانت سابقاً مستعمرات فرنسية.
وحقيقة الأمر أن الخطاب الرسمي الفرنسي يشدد على أن باريس مستمرة في حربها على الإرهاب، وهو ما جاء في البيان الذي صدر ليلة أول من أمس عن قصر الإليزيه، حيث أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن فرنسا «عازمة على مواصلة حربها على الإرهاب»، خصوصاً ضد تنظيم داعش في منطقة الساحل الكبرى.
ووفق البيان أيضاً، فإن الجنود الثلاثة ماتوا «من أجل فرنسا»، وهو ما أشارت إليه وزيرة الدفاع فلورانس بارلي في بيان مشابه. وجاء في البيان أيضاً أن الجنود الثلاثة كانوا «منخرطين في عملية في منطقة تنشط فيها المجموعات الإرهابية التي تستهدف المدنيين، وتهدد الاستقرار الإقليمي، كما تهدد أمننا الخاص». وكما في كل مرة يسقط فيها ضحايا فرنسيين، فإن الطبقة السياسية تحرص على التعبير عن تضامنها، وقد ظهر هذا التضامن مجدداً في تصريحات الأمس. ويربط كثيرون بين الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل والحرب على الإرهاب داخل الأراضي الفرنسية.
وتخوض فرنسا في منطقة الساحل الأفريقي حرباً طاحنة ضد الجماعات الإرهابية منذ 2013، حين سيطرت هذه الجماعات على شمال دولة مالي، وبدأت تزحف نحو العاصمة باماكو في الجنوب. ونجحت عملية «سيرفال» الفرنسية (4500 جندي) في طرد مقاتلي «القاعدة» من مدن شمال مالي، ولكن حرب عصابات بدأت منذ ذلك الوقت، ليطلق الفرنسيون عام 2014 عملية «برخان» لمواجهة خطر الإرهاب، بالتعاون مع دول الساحل الخمس.
وفي الأشهر الأخيرة، نجحت القوة الفرنسية، متعاونة مع القوة الأفريقية، في إلحاق أضرار جسيمة بالتنظيمات الإرهابية، خاصة على مستوى القيادات، حيث قتل خلال السنوات الأخيرة عدد كبير من أفراد الصف الأول من تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب»، كان آخرهم زعيم التنظيم الجزائري عبد المالك دوركدال.
وحتى اليوم، لا تتحدث المصادر الفرنسية عن «الانسحاب» من منطقة الساحل، بل إن رئيس الأركان الجنرال لوكوانتر يشير إلى «إعادة انتشار»، ولكن المقصود عملياً هو خفض التزامات فرنسا العسكرية المتواصلة منذ عام 2013 في منطقة تزيد مساحتها عشر مرات على مساحة الأراضي الفرنسية.
وبحسب مصادر دفاعية، فإن باريس تعول على مزيد من الحضور العسكري الأوروبي، المقتصر حالياً على الدعم اللوجيستي، وتدريب القوة الأفريقية التي تحتاج إلى تمويل إضافي وتجهيز عسكري مناسب. كما أنها تعول على إعطاء دور أكبر للقوة الأفريقية، وعلى مزيد من توافر العناصر المقاتلة، في إطار ما يسمى قوة «تاكوبا» التي انطلقت عملياً مؤخراً بأعداد محدودة.
وأشار الجنرال لوكوانتر، إبان زيارته الأخيرة لـمالي، إلى أنه من المرجح أن تقوم فرنسا بانسحاب جزئي لقواتها في الأيام أو الأسابيع المقبلة، مضيفاً أنه «بمجرد أن أتمكن من تقليص وجود الجيوش الفرنسية هناك، سأفعل ذلك». بيد أن استمرار الخسائر من شأنه أن يؤخر قرار كهذا لا يمكن اتخاذه إلا على أعلى المستويات السياسية.
ومن هنا، تتجلى أهمية استحقاق 13 يناير (كانون الثاني) المقبل؛ أي مناسبة الذكرى السنوية الأولى لقمة بو المشار إليها سابقاً. إلا أن الواقع، إذا استمر على حاله ولم تنجح القوات المنخرطة في قتال الجماعات الإرهابية في تحقيق إنجازات واضحة، سيعني بقاء الجيش الفرنسي، على الأقل لعدة سنوات أخرى، في ظل ضعف الجيوش المحلية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وعدم حصول القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل الخمس على الدعم الدولي، وبالتالي فإن انسحاب الجيش الفرنسي يعني فتح الباب أمام هيمنة «القاعدة» و«داعش» على المنطقة، حسب اعتقاد كثير من القادة والمسؤولين في الساحل. ويشير المراقبون إلى أنه، في أي حال، يظل التغلب على الإرهاب ليس فقط عسكرياً، بل يتطلب استقراراً سياسياً وحكومات فاعلة تستجيب لمتطلبات السكان.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended