إسرائيل توجه رسالة إلى طهران: لم نعرف بأن أحد جنرالاتكم كان مع مغنية

هدوء حذر على الحدود الإسرائيلية مع لبنان

جنود إسرائيليون في الجولان المحتلة يتحركون قرب القبة الحديدية المصممة لصد الصواريخ قصيرة المدى (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في الجولان المحتلة يتحركون قرب القبة الحديدية المصممة لصد الصواريخ قصيرة المدى (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل توجه رسالة إلى طهران: لم نعرف بأن أحد جنرالاتكم كان مع مغنية

جنود إسرائيليون في الجولان المحتلة يتحركون قرب القبة الحديدية المصممة لصد الصواريخ قصيرة المدى (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في الجولان المحتلة يتحركون قرب القبة الحديدية المصممة لصد الصواريخ قصيرة المدى (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات من إيران وحزب الله بالرد على عملية الاغتيال الجماعي في القنيطرة، وجهت مصادر إسرائيل رسالة إلى طهران، عبر طرف ثالث، تقول فيها إن العميد محمد علي الله دادي قتل بالخطأ وإنه لم تكن لديها معلومات عن وجوده في القافلة التي استهدفها القصف الجوي.
وجاءت هذه الرسالة في أعقاب تصاعد انتقادات واسعة داخل إسرائيل ضد فتح جبهة عسكرية مع إيران، فحتى صديق نتنياهو، الذي شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي وكبير مستشاريه حتى وقت قريب، الجنرال يعقوب عميدرور، لم يتقبل اغتيال المسؤول الإيراني. وقال في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية العبرية إن «مثل هذه العمليات يجب أن يدرس جيدا في معيار الربح والخسارة. وإذا كان اغتيال فرقة من قادة حزب الله الذين يعملون على تنظيم هجمة صاروخية ضد إسرائيل هو ربح صافٍ فإن اغتيال جنرال إيراني يصب في خانة الخسارة لأنه يشكل استفزازا زائدا وغير محسوب، وينبغي أن يتوقع أن يأتي رد حتمي عليه، لا أحد يعرف ما هيئته وما هو حجمه».
وفي بيروت شيع حزب الله أمس قائده الميداني محمد عيسى والمقاتلين علي إبراهيم وغازي ضاوي، بينما أرجأ تشييع محمد أبو الحسن وعباس حجازي إلى اليوم. وبموازاة ذلك، شهدت المنطقة الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان هدوءا حذرا، اخترقته تحركات لجيش إسرائيل باتجاه الحدود اللبنانية والسورية، وتحليق طائرات حربية وطائرات استطلاع مسيرة فوق المنطقة الحدودية مع جبل الشيخ.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد جمع أعضاء المجلس الوزاري الأمني المصغر في حكومته إلى اجتماع استثنائي، بعد ظهر أمس، تم فيه التباحث حول «أخطار رد حزب الله وسوريا وإيران». ومع أن المباحثات بقيت سرية، فقد أشارت مصادر سياسية وأمنية إلى أن عملية القنيطرة لن تبقى من دون رد، «فالضربة موجعة جدا وأثارت غضبا شديدا في صفوف العدو الثلاثي»، و«على إسرائيل أن تكون جاهزة لرد شديد في أكثر من موقع». وحسب التقديرات الإسرائيلية فإن الرد الأكثر احتمالا سيتم من أراضي الجولان بقصف صاروخي موجع أو بعد عمليات تفجير ضد القوات الإسرائيلية على الحدود مع سوريا، أو بعمليات تفجير تستهدف مؤسسات إسرائيلية أو يهودية في الخارج. وقالت إن هناك احتمالا بأن يقود الغضب حزب الله إلى توجيه ضربات صاروخية من لبنان إلى العمق الإسرائيلي، لكن هذا الاحتمال يبقى الأضعف، «إذ إن حزب الله غارق حتى أخمص القدمين في الحرب الداخلية في سوريا ومن المستبعد أن يفتح على نفسه جبهة جديدة مع إسرائيل».
ومع أن إسرائيل تواصل الصمت الرسمي حول دورها في تنفيذ عملية القنيطرة، فإن مسؤوليها يتحدثون عنها بشكل غير مباشر. وفي حفل نظم في قاعدة «هرتسوغ» العسكرية في «جليلوت» قرب تل أبيب، تجنب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، بني غنتس، التطرق المباشر إلى العملية، إلا أنه أكد على أن «الجيش الإسرائيلي جاهز لمواجهة كل التطورات». وقال غنتس إن الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد، ويتابع كل التطورات، وعلى استعداد للمبادرة إلى العمل إذا اقتضى الأمر ذلك. وأضاف أن هذا التصريح ليس مسألة خطاب، وإنما «مسألة جاهزية حقيقة لكل التطورات التي قد تحصل بحرا وبرا وجوا من الأمام ومن الخلف». وإنه يعتمد على وحدات الجيش في مواجهة التحديات المستقبلية، سواء الفورية أو بعيدة المدى، وأن الجيش قادر على مواجهة أي تحدٍّ في أي جبهة وبكل القوة المطلوبة».
ولوحظ أن الجيش يعزز قواته بشكل كبير في منطقة الجليل المحاذية للجنوب اللبناني والجولان السوري المحتل وينظم دوريات مكثفة، ونصب منظومة «القبة الحديدية» المضادة للصواريخ. ومع أنه حرص على أن لا يثير فزع المواطنين في موسم سياحة الثلوج على جبل الشيخ وطلب من المواطنين اليهود أن يتصرفوا بشكل طبيعي، غير أن الاطمئنان لم يعرف طريقه إلى نفوس المواطنين ولا حتى الجيش، تحسبا من رد قد يجر المنطقة إلى حرب جديدة. وفي صباح أمس جاء الدليل على أن التوتر يصيب الجميع، فقد سمع المواطنون في بلدة «المطلة» أزيز رصاص قادما من الجنوب اللبناني، فأعلن الجيش حالة استنفار. وراح المواطنون يتراكضون في الشوارع، وفتحت البلدية الملاجئ، ثم تبين أن هذا الرصاص أطلق خلال جنازة في إحدى القرى اللبنانية. وهكذا، فالجيش الذي دعا المواطنين إلى الهدوء والابتعاد عن الهلع دخل بنفسه إلى حالة توتر.
يذكر أن مراقبي قوات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في هضبة الجولان أشاروا في تقرير لهم أول من أمس إلى أن الهجوم الذي تعرض له موكب سيارات بالقرب من القنيطرة السورية نفذته طائرات إسرائيلية بلا طيار، وليس بواسطة مروحيات عسكرية كما تردد في البداية.
وقالت وحدة المراقبين الدوليين، المعروفة باسم «أوندوف» في بيان صحافي إن المراقبين لاحظوا طائرتين صغيرتين بلا طيار قادمتين من الجانب الإسرائيلي للحدود وتعبران خط وقف إطلاق النار باتجاه الأراضي السورية، وذلك في نقطة المراقبة رقم 30 الواقعة قبالة قرية مسعدة في شمال هضبة الجولان المحتلة، وإن الطائرتين اختفتا عن أنظارهم خلف الجبال متوغلة في الأراضي السورية، ولكنهم لاحظوا بعد قرابة ساعة دخانا يعلو إلى الجو. وأشار المراقبون في التقرير إلى أنهم لم يتمكنوا من استيضاح ما جرى وسبب تصاعد هذا الدخان، غير أنه وبعد وقت قصير لوحظت الطائرتان الصغيرتان بلا طيار تعودان أدراجهما من الجانب السوري إلى الجانب الإسرائيلي. وجاء في بيان المراقبين الدوليين أن «هذا الحدث خرق لاتفاق الفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية المبرم عام 1974».
من جهة ثانية تتواصل الانتقادات في الصحافة الإسرائيلية لهذه العملية، وأكدت صحيفة «هآرتس» أنه غالبا ما تعمدت إسرائيل التصعيد العسكري عشية الانتخابات. وقالت الصحيفة إن «العمليات العسكرية المبهرجة تميز الانتخابات في إسرائيل، خصوصا عندما يوجد الحزب الحاكم في ورطة. فقادة الدولة يفترضون ضمنا أن الجمهور (اليهودي) يحب الانتصارات العسكرية السهلة، ويعتقدون أنهم بإظهار القوة هذه يعززون صورة رئيس الحكومة ووزير الأمن، وإقناع الناخبين بأن عليهما البقاء في منصبيهما». وتشير الصحيفة إلى كثير من الأمثلة التي شملت كل أحزاب السلطة، من بينها: تصعيد عمليات الانتقام قبل انتخابات 1955، قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، عملية عناقيد الغضب في لبنان عام 1996، عملية الرصاص المصبوب في غزة عام 2008، عملية عمود السحاب في قطاع غزة في عام 2012، ويوم الأربعاء انضم إليها هجوم المروحيات الحربية على سوريا والمنسوب إلى إسرائيل.
في طهران أصدرت قوات حرس الثورة الإسلامية أمس، الثلاثاء، بيانا نشره موقع وكالة «تسنيم» الدولية للأنباء، أعلنت فيه أن مراسم تشييع جثمان العميد محمد علي الله دادي القيادي في قوات الحرس الثوري الذي كان استشهد في الغارة علي القنيطرة جنوب سوريا، ستجري الأربعاء في العاصمة طهران، وتابع البیان أن هذا القائد الذی «کان موجودا فی سوریا فی مهمة استشاریة لدعم الحکومة والشعب السوري لمواجهة الإرهابیین التکفیریین - السلفیین قدم استشارات حاسمة فی مسار وقف وإحباط جرائم ومؤامرات الفتنة الصهیونیة الإرهابیة فی سوریا». من ناحية أخرى، أفادت وكالة «تسنيم»، نقلا عن القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية اللواء محمد علي جعفري في بيان أصدره أمس الثلاثاء، بأن على «إسرائيل انتظار عاصفة مدمرة بعد جريمة القنيطرة».
وشارك الآلاف أمس في تشييع القيادي محمد عيسى، إذ مشى الآلاف خلف مجموعة من عناصر حزب الله باللباس العسكري حملوا نعش عيسى الذي لف بعلم الحزب الأصفر وساروا به في بعض أحياء قرية عربصاليم الجنوبية، وصولا إلى مقبرة القرية حيث وُوري الثرى.
وردد المشاركون في التشييع الذين حمل بعضهم بالونات صفراء وأعلام لبنان وحزب الله هتافات مؤيدة للحزب الشيعي ومناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، بينها «مقاومة مقاومة.. في الحرب لا مساومة»، و«الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل».
وأطلق بعض المشاركين الذين جاء بعضهم من بيروت وقرى جنوبية أخرى النار في الهواء، بينما حضر مسؤولون في حزب الله بينهم نواب.
وكان الآلاف من الأشخاص شاركوا أول من أمس الاثنين في تشييع جهاد مغنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط تساؤلات عن إمكانية قيام الحزب بالرد على هذه الضربة.
وتعد الغارة من أكبر الضربات الإسرائيلية التي تستهدف حزب الله وحليفه الإيراني، الداعمين الأساسيين للنظام السوري، منذ بدء النزاع في سوريا في منتصف مارس (آذار) 2011.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.