المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

حصاد العام الثقافي (2 - 3): أنشطة معلَّقة وتأجيل معرض الكتاب وفقد مروِّع لكوكبة من المبدعين

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل
TT

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

المشهد الثقافي المصري تحت كابوس الجائحة... البحث عن وجود بديل

وسط حياة مضطربة ولاهثة، تصارع من أجل البقاء، وتجنب العدوى بفيروس كورونا المميت (كوفيد - 19)، اتسم المشهد الثقافي المصري خلال عام 2020 بالخوف والحذر الشديدين. ومع تصاعد وتيرة الجائحة وسقوط آلاف الضحايا، وفرض الدولة الحظر والغلق وتقنين التجوال، تحول المشهد إلى صدمة قاسية لدى قطاعات ثقافية عديدة، خصوصاً قطاع النشر والتوزيع، بشقيه الحكومي والخاص. فيما بدت سياسة التباعد الاجتماعي أشبه برمانة ميزان مرتجفة، بين أنماط سلوك مستقرة، تغيرت فجأة، وخطط بديلة، اتسم معظمها بالعشوائية والرعونة، ومحاولة كسر إيقاع مشهد كارثي لا يزال ضاغطاً، بشكل يدعو إلى مزيد من الحذر والقلق، والحزن على أرواح كتاب، بعضهم كان في أوج النضج والازدهار.
هكذا، في هذا المناخ المسمَّم، توقفت الأنشطة الأدبية في العاصمة والأقاليم، وفقدت الحياة الثقافية جزءاً من حيويتها ورهانها على تيار جديد في الكتابة المغامرة، فرض وجوده بقوة في الشعر والرواية والقصة والنقد. ففي القاهرة، توقفت ندوات أدبية مهمة بعضها كان يقام أسبوعياً، علي رأسها ندوة «منتدى المستقبل»، وندوة «ورشة الزيتون»، كما توقفت المهرجانات والمؤتمرات الأدبية، سواء التي يقيمها المجلس الأعلى للثقافة، وأغلبها يتسم بحضور ومشاركة عربية لافتة، أو التي تقيمها الهيئة العامة لقصور الثقافة وتعنى بتنشيط الحياة الأدبية في الأقاليم. وأصاب تأجيل معرض القاهرة الدولي للكتاب، من شهر يناير (كانون الأول) إلى يونيو (حزيران) المقبل الناشرين المصريين بحالة من الإحباط الشديد، خصوصاً أن معظمهم كان يعوِّل عليه في التعويض من حجم الخسائر الجمّة التي تعرضوا لها جراء الجائحة، وعدم وجود بدائل أخرى، فمعظم المشاركات في معارض الكتاب العربية واجهت المصير نفسه.
رد الفعل على هذا الإحباط ترجمه بعفوية على صفحته بـ«فيسبوك» الناشر محمد هاشم صاحب دار «ميريت»، فكتب: «مش كفاية علينا فقر وذعر كورونا، الجماعة بيموتونا. تأجيل معرض القاهرة ليونيو سيصيب الناشرين في مقتل»، واعتبر هاشم تأجيل المعرض ضربة لصناعة النشر، واستمراراً لمنهج حصار الثقافة والحرب ضدها. كما أوقفت دار «بتانة» نشاطها الثقافي الذي كانت تقيمه أسبوعياً في شكل ندوة أدبية متنوعة، وكتب رئيسها د. عاطف عبيد على صفحته بـ«فيسبوك»: «بتانة تعلِّق النشاط الثقافي حتى إشعار آخر، نسأل الله السلامة للجميع».
وسط هذا الجو شكل فضاء الإنترنت الوجود البديل، واكتسب مصداقية مشروعة، وأصبح مسرح البشر وملاذهم الآمن لإدارة أعمالهم وشؤونهم، على شتى المستويات الإنسانية، في مقابل مسرح كورونا المحفوف بالمخاطر والأهوال، عزز ذلك أن آلية الحوار عبر الإنترنت خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تكسر حاجز العزل والتباعد الاجتماعي، وتضيِّق الفجوة بين الفضاء الافتراضي والواقع المعيش، كما أنها لا تحتاج إلى كمامات وأقنعة ومحاليل وأمصال وغيرها مما تتطلبه تدابير الوقاية الصحية لمجابهة الوباء الفتَّاك. لقد أصبح الإنترنت بثقافته السلسلة البسيطة الحرة سلاحاً للمواجهة، وفي الوقت نفسه، سوقاً لتبادل السلع والمنافع والأفكار، ما جعل كثيراً من دور النشر تستغله لتجاوز أزمة الكتاب وتسويقه على مواقع بيع الكتب «أون لاين» وتحقيق مبيعات معقولة في سياق ثقافة شراء الكتب من الأسواق الإلكترونية بمواقعها المتعددة التي بدأت في الاتساع، كما تخلى بعض القراء عن عاداتهم النمطية في القراءة، وربطها بضرورة توفر الكتاب الورقي. ومع ذلك يرى كثير من الناشرين أن هذه السوق الإلكترونية مؤقتة لمواجهة أزمة طارئة، ولا يمكن التعويل عليها في صناعة مستقبل الكتاب، التي ستظل مرتبطة بطباعة ونشر الكتاب الورقي لسنين طويلة مقبلة، فضلاً عن أن الإنترنت برغم أهميته، يمنح القارئ ملكية عابرة للكتاب، عكس ملكيته الفعلية الخاصة، حين يوجد في رف مكتبته، ويلجأ إليه في أي وقت يشاء.
وفي محاولة لكسر طوق العزلة، خصوصاً بعد الهدوء النسبي للجائحة في موجتها الأولى، وتحت شروط رسمية محدد من قبل الحكومة وتقييد نسبة الحضور بعدد معين، استأنفت بعض الإدارات نشاطها، وكان من أبرز الأنشطة التي عقدت، المؤتمر الأدبي لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي الذي تقيمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، واستضافته مدينة بنها، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة، واستمر على مدار ثلاثة أيام في سبتمبر (أيلول) الماضي، تحت عنوان «الأدب واستلهام الموروث الثقافي»، وأطلق اسم الشاعر الراحل مجدي الجابري على هذه الدورة العشرين من عمر المؤتمر.
شجع نجاح المؤتمر، وشوق الكتاب العارم للتجمع واللقاء، على خرق معادلات الحماية من الوباء المستجد، واستعاد الكتاب والمثقفون بعضاً من حماسهم المجمّد خلف أسوار العزل، فواصلت ورشة الزيتون ندوتها الأسبوعية بقيادة الشاعر شعبان يوسف، وشكلت محطة مهمة في كسر طوق العزلة. كما استأنف غاليري «ضي» آتلييه العرب للثقافة والفنون، نشاطه بحماس بالغ، ونظم الغاليري مسابقة متنوعة، تحت رعاية رئيس مجلس إدارته الناقد هشام قنديل بعنوان «ما بعد كورونا»، رأس لجنتها الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، تقدم إليها نحو 1400 فنان من مصر والعالم العربي، وبلغت جوائزها 750 ألف جنيه مصري، في فروع الفن التشكيلي: النحت، والتصوير، والرسم، والخزف، والجرافيك، إضافة إلى الموسيقى، والشعر، والقصة القصيرة، وكلها من الأعمال التي أنتجها أصحابها في فترة الإجراءات الوقائية من فيروس كورونا. وأقام الغاليري مهرجاناً موسعاً بهذه المناسبة في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي استمر 20 يوماً.
وفي سياق الفن التشكيلي، برز عدد من المعارض بشكل لافت للفنانين: إبراهيم الطنبولي، وسماء يحيى، وفتحي عفيفي، وناثان دوس، تنوعت ما بين التصوير والتجهيز في الفراغ، واللعب على إيقاع الحياة الشعبية، والنحت، في أشكال غير تقليدية، وعبر نوافذ وفراغات مفتوحة.
فتح هذا الاختراق باباً صغيراً للأمل في جدار الجائحة المراوغ، لكن يخشى كثير من المتابعين أن يعود لمربع العزل الأول، مع اشتداد وتيرة الموجة الثانية للوباء، وترسخ شعور بالخوف من الفقد لدى عدد كبير من الكتاب والمثقفين، خصوصاً بعدما ضرب الفيروس عدداً منهم، ورحلوا متأثرين به. فقبل أيام رحل الكاتب الروائي بهاء عبد المجيد (53 عاماً)، أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية التربية بجامعة عين شمس، وأستاذ زائر بجامعة أكسفورد بلندن، وله عدد من الأعمال الأدبية، منها رواياته: «سانت تريزا» و«النوم مع الغرباء» و«البيانو الأسود». كما رحل الكاتب والشاعر إيهاب الورداني (63 عاماً)، أمين صندوق اتحاد الكتاب المصري، ومن أعماله: «ثمة حارس يفزعه الوقت»، و«على باب ناعسة»، و«أحمل وطنًا يشبهني». وضمت قائمة الفقد الكاتب سعيد الكفراواي (81 عاماً)، ناسك القصة القصيرة، بعد صراع مع المرض، والشاعر رفعت سلام (69 عاماً) من أبرز شعراء جيل السبعينات، بعد صراع مع سرطان الرئة، ورحلة عطاء خصبة في الشعر والترجمة والبحث في الأدب. والكاتب نبيل فاروق (74 عاماً) إثر أزمة قلبية حادة، صاحب سلسلة «الرجل المستحيل»، ويعد أحد رموز الأدب البوليسي والخيال العلمي، ولحقت بهم القاصة الروائية منار حسن فتح الباب، بعد صراع طويل مع المرض... تعد منار واحدة من أبرز كتاب التسعينات، شاركت في تأسيس قناة النيل الثقافية وصدرت لها مجموعات قصصية منها: «القطار لا يصل إلى البحر» و«أحلام صغيرة»، ورواية للناشئة بعنوان «مملكة الفراشات»، وديوان نثري بعنوان «رجل وامرأة»، ورواية «ظلال وحيدة»، ولها دراسة أسلوبية عن «الخطاب الروائي عند غسان كنفاني».
وقبل أن يطوي العام أوراقه رحلت الكاتبة أمل خالد صاحبة رواية «غزة في القلب»، عن عمر ناهز 55 عاماً.
ورغم حالة الكساد التي عمت سوق النشر، فإن بعضها حرص على اختراق الأزمة، فليس أجمل من كتاب ممتع، يبدد من هلع ومخاوف العزل، والجلوس في البيت. ومن ضمن هذه الإصدارات رواية «العابرة» لإبراهيم عبد المجيد، عن منشورات المتوسط - إيطاليا، ورواية ريم بسيوني «سبيل الغارق» عن دار نهضة مصر، ورواية «بالقرب من الحياة» لإنجي همام عن دار ابن رشد، والمجموعة القصصية «الأميرة والرجل من العامة» لمحمد طه إبراهيم، والمجموعة القصصية «مخاوف نهاية العمر» لعادل عصمت عن دار الكتب خان.
في الختام، يبقى كتاب كورونا مفتوحاً، في انتظار أن يغلقه العلماء في معامل وأبحاث العالم ويضعوه فوق الرف، ربما للذكرى أو النسيان.



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس. وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر». وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير. وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة. وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات. كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً. كما استعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية. واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.