أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

أول مهمة عربية إلى المريخ... ونظام للتنبؤ بشكل البروتينات... وشريحة كومبيوتر في الدماغ

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
TT

أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي

رغم أن معظم الناس سيربطون على الأرجح عام 2020 بظهور وباء «كوفيد - 19»، فإن من الإنصاف القول إن هذا العام كان مليئاً بالاختراقات في مختلف مجالات الحياة، توارت أخبارها خلف متابعة أعداد الإصابات والوفيات جراء الوباء، الذي ظلت بعض ألغازه عصية على الفهم حتى الآن.
وإذا كانت بعض هذه الاختراقات لم تأخذ حظها من الاهتمام، فربما تكون نهاية العام هي فرصة مناسبة لنقول إن عام 2020 لم يكن عاماً استثنائياً بسبب ظهور الوباء فقط، لكنه كان كذلك أيضاً بسبب بعض الإنجازات غير المسبوقة في مجالات المهام الفضائية والتشخيص الطبي والتقنيات العصبية.

مهام فضائية

يعد هذا المجال هو الأكثر إنجازاً في عام 2020، لا بسبب عدد المهام الفضائية التي انطلقت، فحسب، بل بسبب قيمة هذه المهام وانضمام شركاء جدد لهذا المجال الذي كان حكراً على دول ومؤسسات بعينها، ومن أبرز هذه المهام:
> ثلاث رحلات فضائية للمريخ. تظهر في رحلات الفضاء إلى المريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، كأول دولة عربية ترسل مسباراً فضائياً إلى الكوكب الأحمر هو مسبار الأمل، حيث انطلق من قاعدة «مركز تانيغاشيما الفضائي» في اليابان يوم 20 يوليو (تموز)، ومن المقرر وصوله إلى المريخ في شهر فبراير (شباط) من عام 2021.
ولن يحط «مسبار الأمل» على الكوكب، لكنه سيبدو في مداره الأحمر لمدة عامين على الأقل، بهدف دراسة الغلاف الجوي العلوي ومراقبة تغير المناخ على كوكب المريخ، وهو ما يميزه عن المهمة الأخرى التي ستحط على أرض الكوكب، والتي أطلقتها الصين في 23 يوليو (تموز) من قاعدة فضائية في وينتشانغ في جزيرة هاينان.
ويتوقع بلوغ المسبار الصيني (المريخ 5) الحامل للمركبة «تيانوين» الكوكب الأحمر في شهر فبراير (شباط) أيضاً، وستكون نقطة الهبوط المستهدفة سهلاً مسطحاً يقع داخل حوض يعرف باسم «يوتوبيا» شمال خط استواء المريخ، وستدرس المركبة جيولوجية المنطقة، من على السطح وما تحت السطح.
وبعد إطلاق المهمة الصينية بسبعة أيام، أطلقت كالة الفضاء الأميركية (ناسا) في 30 يوليو (تموز) المسبار الأميركي «برسفيرنس» باتجاه الكوكب الأحمر، ومن المقرر وصوله أيضاً في فبراير (شباط)، ليكون خامس مسبار أميركي يحط على هذا الكوكب، وستكون مهمته هي اكتشاف آثار لجراثيم قديمة كان يعج بها الكوكب الأحمر على الأرجح قبل ثلاثة مليارات سنة.
> أول رحلة مأهولة لـ«سبيس إكس». انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) أول رحلة لشركة «سبيس إكس» المملوكة لرائد التكنولوجيا إيلون ماسك إلى المحطة الدولية، حيث حملت 4 رواد فضاء، في أول مهمة كاملة ترسل فيها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) طاقماً إلى الفضاء على متن مركبة مملوكة للقطاع الخاص... وإضافة إلى ذلك، كانت أول رحلة تعود من خلالها أميركا إلى عهد انطلاق الرحلات لمحطة الفضاء الدولية من أراضيها، بعد أن اضطر رواد الفضاء الأميركيين خلال السنوات الماضية، للقيام برحلاتهم إلى الفضاء على متن مركبة الفضاء الروسية سويوز.

اكتشافات كونية

ورغم أن نتائج تلك المهام الفضائية لم تظهر بعد، لكن كانت هناك مهام فضائية تم التخطيط لها في أعوام سابقة، حققت بعض الاكتشافات الكونية المهمة في 2020، ومن أهمها:
> اكتشاف ثقب أسود قريب من الأرض. وتم وصف هذا الاكتشاف وتوثيقه في مايو (أيار) بدورية «الفلك والفيزياء الفلكية»، وهو عبارة عن ثقب أسود يمكن رؤيته بالعين المجردة، إذا تم النظر إليه من الجهة الجنوبية للأرض في سماء رائقة، ويقع على بعد نحو 1000 سنة ضوئية، أو ما يعادل تقريباً 9.5 ألف مليون كيلومتر في كوكبة المرقب، وتم الاستدلال عليه من الطريقة التي يتفاعل بها مع نجمين قريبين منه، أحدهما يدور في مدار الثقب والنجم الثاني يدور في مدار حولهما معاً، على خلاف الطريقة المعتادة لاكتشافات الثقوب السوداء.
والطريقة المعتادة هي تتبع كيفية تفاعل الثقب الأسود بعنف مع سحابة الغاز والغبار التي تتراكم حوله، إذ يمزق هذه المادة المحيطة به وينجم عن ذلك انبعاث غزير لأشعة أكس يلتقطه التلسكوب.
> أكبر انفجار كوني. ويتعلق هذا الاكتشاف برصد أدلة على حدوث انفجار كوني هائل في الفضاء يفوق 5 مرات الانفجارات التي رصدت من قبل، وتم وصفه بأنه «أكبر انفجار كوني منذ نشأة الكون». ونشرت دورية الفيزياء الفلكية في فبراير (شباط) دراسة عن هذا الاكتشاف، ذهب فيها الباحثون إلى القول إن الطاقة الضخمة المرصودة قد انبثقت من ثقب أسود هائل على بعد 390 مليون سنة ضوئية من الأرض.
> ميلاد كوكب واختفاء آخر. وعثر علماء فلك فرنسيون في مايو (أيار) على أول دليل مباشر على ولادة كوكب جديد، ووثقوا هذا الاكتشاف في دورية «علم الفلك والفيزياء الفلكية»، أعلن علماء أميركيون في أبريل (نيسان) أن كوكباً آخر اختفى.
وقال العلماء الفرنسيون عن ميلاد الكوكب، إنهم رصدوا باستخدام تلسكوب المرصد الجنوبي الأوروبي الكبير جداً (VLT)، ميلاد هذا الكوكب الذي يحيط بنجم وليد اسمه «إيه بي أوريجا» (AB Aurigae)، على بعد نحو 520 سنة ضوئية من الأرض.
أما عن قصة اختفاء الكوكب، فقد كان مصدرها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، التي أعلن علماؤها في 21 أبريل (نيسان) أن الكوكب المعروف باسم Fomalhaut b، والمشهور بأنه أحد أول الكواكب الخارجية المكتشفة خارج النظام الشمسي، اختفى.
ودفع هذا السلوك غير المتوقع لـ«الكوكب» الواقع على بعد 25 سنة ضوئية من الأرض، إلى استنتاج أن ما كان يعتقد أنه كوكب، كان في الواقع سحابة من الغبار، تُركت في أعقاب التصادم الكوني.

تقنيات ذكية

> الغرسات العصبية بتقنية «نيورالينك». وكما كان رائد التكنولوجيا الأميركي إيلون ماسك حاضراً في رحلات الفضاء، كان حاضراً في إنجاز آخر، اسمه «تقنية نيورالينك»، بما يجعله الشخص الأبرز في إنجازات عام 2020 العلمية.
وتقنية نيورالينك، هي أحد إنجازات الشركة التي تحمل الاسم نفسه، والتي تأسست عام 2016، وهي شركة تقنية لعلوم الأعصاب تركز على بناء أنظمة الواجهات العصبية الآلية.
وهذه التقنية التي تم الإعلان عنها في أغسطس (آب) عبارة عن شريحة كومبيوتر صغيرة، يتم زرعها داخل الدماغ، بحيث يمكنها قراءة كل أنشطة الدماغ، فضلاً عن المواد الكيميائية، ما يجعلها قادرة على التخطيط وتوقع الوظائف الخاصة بالشخص، كما تتيح المنطقة التي سيتم فيها زرع الشريحة معالجة بعض مشاكل السمع والبصر، فضلاً عن بعض المشاكل النفسية، كما أنه من الممكن مستقبلاً أن تعالج العديد من الأمراض المتعلقة بالأعصاب، ويمكن من خلالها التواصل مع الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر وغيرها.
> رصد البروتينات بنظام «ألفا فولد». في مجال ليس ببعيد عن تقنية «نيورالينك»، تمكن فريق الذكاء الصناعي «ديب مايند» التابع لشركة «غوغل»، في التغلب على تحدٍ بيولوجي بدا مستحيلاً لعقود، وذلك عبر خوارزمية الذكاء الصناعي «ألفا فولد»، التي مكنت من التنبؤ بشكل البروتينات بناء على تكوينها.
والبروتينات هي في الأساس سلاسل من «الأحماض الأمينية» التي تم ثنيها في شكل معقد، ويؤدي توقع بنيتها إلى تحسين العلوم الطبية الحيوية بشكل كبير، والسماح للأطباء بتطوير علاجات جديدة بشكل أسرع.
وقال أندريه لوباس، مدير معهد «ماكس بلانك» لعلم الأحياء التنموي في مدونة «ديب مايند»: «لقد سمحت لنا نماذج (ألفا فولد) الدقيقة بشكل مذهل بحل بنية البروتين التي كنا عالقين فيها لما يقرب من عقد من الزمان».

عام الحفريات

من الحصول على تفسير جديد لحدث وقع قبل 445 مليون سنة، إلى قائمة من اكتشافات الحفريات التي تتعلق بالماضي أيضاً، والتي تجعل من عام 2020 هو عام الاكتشافات المهمة في هذا المجال، ومن أبرز هذه الاكتشافات:
> أول حفرية لديناصور منقار البط. اكتشف فريق بحثي من جامعة باث البريطانية أول حفرية لديناصور منقار البط في المغرب، ما يشير إلى أن الديناصورات عبرت مئات الكيلومترات في المياه المفتوحة للوصول إلى هناك.
ووفق دراسة نُشرت حول هذه الحفرية في دورية «البحث الطباشيري» خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن هذا الديناصور الجديد الذي تمت تسميته «أجنابيا أوديسيوس»، اكتشف في صخور بالمغرب يعود تاريخها إلى نهاية العصر الطباشيري منذ 66 مليون عام، وكان صغيراً مقارنة بأقاربه من ديناصورات منقار البط، حيث كان يبلغ طوله 3 أمتار فقط، وكان بحجم المهر.
> نوع جديد من التيروصور. وكما كان المغرب مكاناً لاكتشاف أول أول حفرية لديناصور منقار البط، كان أيضاً مكاناً لاكتشاف نوع جديد من التيروصور.
واكتشف فريق من علماء الحفريات بجامعتي بورتسموث وباث في بريطانيا في منطقة «كم كم» الصحراوية (جنوب شرقي المغرب) نوعاً جديداً من التيروصورات الصغيرة، مماثلة في الحجم للديك الرومي، وتختلف عن أي من التيروصورات الأخرى التي شوهدت من قبل، وذلك بسبب منقارها النحيل الطويل بلا أسنان.
والتيروصورات هي أقل شهرة من أبناء عمومتها (الديناصورات)، ويوجد أكثر من 100 نوع معروف من هذه الزواحف المجنحة، بعضها بحجم طائرة مقاتلة والبعض الآخر صغير مثل العصفور، ويعد النوع الجديد الذي نشر الموقع الإلكتروني لجامعة باث البريطانية تقريراً عنه في أكتوبر (تشرين الأول) فريداً من نوعه.
> كنز من المعلومات في حفرية قرد. ومن الديناصورات إلى القرود، حيث ملأت حفرية قرد تعود إلى 13 مليون عام، واكتشفها فريق بحثي أميركي شمال الهند، فراغاً كبيراً في سجل أحافير القرود، وقدمت أدلة جديدة حول تاريخ هجرة أسلاف قرد الجيبون من أفريقيا إلى آسيا.
والحفرية المكتشفة التي تم توثيقها سبتمبر ( أيلول) في دورية «بروسيدينج أوف رويال سوسيتي»، وهي ضرس سفلي كامل، ينتمي إلى جنس وأنواع غير معروفة سابقاً من قرد الجيبون، وتمثل أقدم سلف معروف لهذا القرد، وأول نوع من القردة الأحفورية تم اكتشافه في موقع الحفريات الشهير «رامناغار» بالهند منذ ما يقرب من قرن.
> اكتشاف حفرية أقدم بجعة في التاريخ. كان من المعروف أن طيور البجع تمتد أسلافها إلى فرنسا ويرجع عمرها إلى عصر الأوليجوسين (فترة جيولوجية امتدت إلى نحو 34 مليون سنة مضت) بناءً على هيكل عظمي جزئي واحد من جنوب شرقي فرنسا، ولكن حفرية اكتشفت في وادي الحيتان بمصر أعادت كتابة تاريخ حفريات طيور البجع، إذ يرجع تاريخها إلى عصر الإيوسين، تحديداً 36 مليون سنة، أي أقدم بنحو 6 ملايين سنة من أقدم حفرية لطائر البجع.
وتم الإعلان عن هذا الاكتشاف في مؤتمر الحفريات الفقارية في العالم (SVP)، الذي أقيم بشكل افتراضي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب جائحة كورونا، وجاء هذا الكشف في إطار تعاون دولي بين علماء من جهاز شؤون البيئة المصري وجامعة ميشيغان الأميركية.

دفن وانقراض
> دليل على دفن الإنسان البدائي لموتاه. وبالرغم من اكتشاف هيكل عظمي لطفل من الإنسان البدائي بعمر نحو عامين، بين عامي 1970 و1973، فإن المجموعات المرتبطة بهذه العينة ظلت غير مستغلة في أرشيف المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بفرنسا، حتى حمل عام 2020 نتائج دراسة أجريت على هذه العينة، وأثبت من خلالها الباحثون من المركز الوطني للبحث العلمي والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (فرنسا) وجامعة إقليم الباسك (إسبانيا)، أن الإنسان البدائي كان يدفن موتاه.
وأظهر الباحثون في الدراسة التي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) بدورية «ساينتيفيك ريبورتيز»، أن الهيكل العظمي قد دُفن في طبقة رسوبية وبقيت العظام، التي كانت غير متناثرة نسبياً، في وضعها التشريحي، ما يشير إلى أنها حفظت أفضل من الحيوانات العاشبة الأخرى الموجودة في الطبقة نفسها، وهو ما يكشف عن سرعة دفنها بعد الموت.
> انقراض جماعي. نجح العلماء في تقديم أدلة على أسباب حادث الانقراض الجماعي الذي وقع قبل 445 مليون سنة، والذي يسمى «الانقراض الجماعي الأوردوفيشي المتأخر».
وكانت النظريات السابقة تتحدث عن أن السبب إما حدوث التبريد أو التجلد، لكن من خلال الجهود المشتركة للمسح الجيولوجي لكندا وجامعة هال في إنجلترا، كشف الجيولوجيون عام 2020 عن السبب الحقيقي لوقوع هذا الحدث.
ووفقاً لدراستهم، كان الاحترار العالمي، الناجم بشكل أساسي عن الانفجارات البركانية ونقص الأكسجين، هو السبب الرئيسي لانقراض جماعي مبكر حدث. رغم اعتراض بعض الباحثين على النتائج، فإن الأدلة المقدمة كانت كافية، وهو جعل الجميع يدرك أن الكوكب الذي نعرفه في عام 2020 يكافح أيضاً من آثار الاحتباس الحراري، وبالتالي، يبدو أن إدراك قضايا الماضي إلزامي لمستقبلنا.

«منجزات» الجائحة

> لقاحات كورونا. وبينما كان أصحاب هذه الإنجازات العلمية يتحدون الظروف الصعبة التي فرضتها جائحة كورونا، كان هناك آخرون معنيون بشكل أساسي بالعمل على مواجهة هذه الجائحة عن طريق فهم فيروس كورونا الجديد المسبب لها، ومن ثم العمل على إنتاج لقاح له.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن هناك 191 لقاحاً قيد التطوير، منها 40 لقاحاً في مرحلة التقييم السريري البشري، ومن بينها 10 لقاحات وصلت إلى مرحلة التجارب الثالثة.
ومن بين اللقاحات العشرة التي وصلت إلى مرحلة التجارب السريرية، توجد خمسة لقاحات في الصدارة، بدأت بالفعل عمليات التلقيح ببعضها، ومن هذه اللقاحات لقاحان يستخدمان تقنية «الناقلات الفيروسية»، وهما لقاح «أكسفورد - أسترا زينيكا» واللقاح الروسي «سبوتنيك 5»، ويعتمد الأول على فيروس غدّي معدل وراثياً يتسبب عادة في نزلات البرد لدى الشمبانزي، ليحمل جزءاً من فيروس كورونا المعروف باسم بروتين «سبايك»، وعندما يدخل اللقاح إلى الجسم فإنه يستخدم هذا الرمز الجيني لإنتاج البروتين السطحي للفيروس التاجي، ما يؤدي إلى استجابة تهيئ الجهاز المناعي لمحاربة الفيروس التاجي في حالة الإصابة.
أما اللقاح الروسي، فيعتمد على التقنية نفسها، لكن بدلاً من استخدام فيروس غدّي يتسبب في نزلات البرد لدى الشمبانزي، يتم استخدام فيروس يسبب نزلات البرد عند البشر.
ويعتمد لقاحا موديرنا وفايزر على تقنية جديدة تستخدم لأول مرة، وهي «مرسال الحمض النووي الريبي»، حيث يتم حقن «مرسال الحمض النووي الريبي»، (mRNA) الذي يحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الموجودة على سطح الفيروس، وهي نتوءات «بروتين سبايك» التي بواسطتها يلتصق الفيروس عادة بالمستقبلات على سطح الخلية البشرية، ويمكن أن تكون هذه اللقاحات أسرع في الإنتاج وأكثر فاعلية من اللقاحات النموذجية ويمكن إعادة صياغتها بسهولة إذا تحور الفيروس.
أما اللقاح الصيني الذي طورته شركة «سينوفارم»، فيعتمد على تقنية قديمة، وهي «الفيروس المعطل»، حيث تعتمد تلك التقنية على أخذ عينة من الفيروس يتم عزلها من مريض ثم يتم قتل الفيروس باستخدام مادة كيميائية، ويشتمل اللقاح على الفيروس المعطل ممزوجاً بهيدروكسيد الألومنيوم، وهو مادة مساعدة لأنها تعزز الاستجابات المناعية. وهذه التقنية قديمة تم استخدامها في لقاحات أخرى.
> الجائحة والعصافير. وإذا كانت الجائحة أثرت سلبياً على البشر، وبات الجميع يترقب فاعلية اللقاحات في القضاء عليها، فإنها في المقابل كانت إيجابية على العصافير، حيث نشرت في سبتمبر (أيلول) دورية «ساينس» التي تصدرها «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم»، دراسة لباحثين من جامعة تينيسي الأميركية كشفت أن فترات الإغلاق التي شهدتها دول العالم بسبب الجائحة جعلت صوت العصافير أكثر عذوبة.
وكان كثير من الناس قد لاحظوا خلال فترات الإغلاق، بأن صوت العصافير والطيور من حولهم تغير، وأنهم لم يعودوا يسمعون نفس أنماط التغريد والزقزقة التي كانت سائدة قبل الجائحة، وقاد ذلك الباحثون إلى إجراء دراسة تبين خلالها أن الطيور عمدت إلى درجة تنغيم أخفض في طبقة صوتها، وأداء زقزقات أجمل وأوضح، بسبب اختفاء الضوضاء، حيث يجبر وجودها العصافير على التغيير من طريقة تغريدها، من أجل اختراق الضجيج المستمر الصادر عنها.



في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»