الكونغرس يبدأ التحرك غداً لتجاوز «فيتو» ترمب

الرئيس يرفض «الاستسلام» لنتائج الانتخابات ويحمل على المحكمة العليا ووزارة العدل والجمهوريين

ترمب وزوجته يستعدان للمغادرة إلى مارالاغو الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)
ترمب وزوجته يستعدان للمغادرة إلى مارالاغو الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)
TT

الكونغرس يبدأ التحرك غداً لتجاوز «فيتو» ترمب

ترمب وزوجته يستعدان للمغادرة إلى مارالاغو الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)
ترمب وزوجته يستعدان للمغادرة إلى مارالاغو الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترمب رفضه مشروع قانون الإنفاق وغوث الأميركيين من عواقب جائحة «كوفيد - 19»، مطالباً برفع قيمة المعونة النقدية من 600 دولار إلى 2000 دولار، ما يعني توقف دفعات إعانات البطالة وغيرها من الحوافز لملايين الأميركيين، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لن يقف مكتوفاً في محاولة الكونغرس تجاوز الفيتو الرئاسي على مشروع قانون آخر متعلق بالإنفاق الدفاعي.
وأرفق ترمب هذه المواقف بسلسلة تغريدات تكرر ادعاءاته عن تزوير الانتخابات التي فاز فيها خصمه الرئيس المنتخب جو بايدن. وكتب في سلسلة تغريداته أنه «إذا كان للمرشح الرئاسي الديمقراطي انتخابات مزورة ومسروقة، مع وجود دليل على مثل هذه الأفعال على مستوى لم يسبق له مثيل، فإن أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين سيعتبرون ذلك عملاً حربياً ويقاتلون حتى الموت. (زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ) ميتش (ماكونيل) والجمهوريون لا يفعلون شيئاً، فقط يريدون تركه يمر. بلا قتال!».
وقال في ثانية: «لم تفعل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) شيئاً حيال تزوير الناخبين في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وهو أكبر عملية احتيال في تاريخ أمتنا، رغم الأدلة الدامغة. يجب أن يخجلوا. التاريخ سوف يتذكر. لا استسلام قط. إلى اللقاء مع الجميع في العاصمة يوم السادس من يناير (كانون الثاني)»، أي اليوم المحدد لمصادقة الكونغرس على فوز بايدن. وتساءل في ثالثة: «أين تقرير دورهام؟ لقد تجسسوا على حملتي، وتواطأوا مع روسيا (وآخرين)، وضبطوا (...) جربوا كل شيء وفشلوا، والآن يحاولون سرقة الانتخابات!». ورأى في أخرى أن «المحكمة العليا الأميركية غير مؤهلة وضعيفة تماماً فيما يتعلق بالتزوير الانتخابي الضخم الذي حدث في الانتخابات الرئاسية لعام 2020. لدينا دليل دامغ، لكنهم لا يريدون رؤيته (...) إذا كانت لدينا انتخابات فاسدة، فلا بلد لنا!». وقال: «الانتخابات في أفغانستان أكثر أماناً وأفضل بكثير من انتخابات 2020 في الولايات المتحدة».
- قانونا إعانات البطالة والدفاع
وقبل ساعات من فقدان نحو 14 مليوناً من الأميركيين إعانات البطالة التي كانت تقدمها الحكومة، غرد ترمب السبت، أيضاً على «تويتر»: «أنا ببساطة أريد إرسال 2000 دولار إلى شعبنا العظيم، بدلاً من الـ600 دولار التافهة الموجودة الآن في مشروع القانون»، مطالباً في الوقت ذاته بوقف هدر مليارات الدولارات الأخرى ضمن الحزمة البالغة قيمتها 2.3 تريليون دولار، بينها نحو 892 مليار دولار مخصصة للإغاثة من فيروس كورونا. وتبلغ إعانات بطالة 1.4 تريليون دولار لمخصصات حكومية اعتيادية، وهذا ما يعني توقف الحكومة عن بعض أعمالها بدءاً من الثلاثاء المقبل ما لم يوافق الكونغرس على مشروع قانون تمويل حكومي لسد هذه الفجوة قبل ذلك.
وكتب في تغريدة أخرى أن «مشروع قانوننا الدفاعي البالغة قيمته 740 مليار دولار هدية للصين وروسيا وشركات التكنولوجيا الكبرى، فشل في إنهاء المادة 230 الخطيرة دولياً، ولن يسمح لنا بإعادة جنودنا إلى الوطن (حيث يجب أن يكونوا)، وإعادة تسمية وتدمير حصوننا ومعالمنا الوطنية، ويجعل شبكة 5 جي شبه مستحيلة!». وقال أيضاً: «لن أقف مكتوفاً وأراقب هذه المهزلة لمشروع قانون يحصل من دون السيطرة على شركات التكنولوجيا الكبرى. أنهوا المادة 230 الآن وقبل فوات الأوان. إنها سيئة جداً لبلدنا. أظهروا الشجاعة وافعلوا ما هو صحيح!!».
وفاجأ ترمب أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي الذين اتفقوا على حزمة التمويل بعد أشهر من المشاحنات، برفضه التوقيع على مشروع قانون الإنفاق الضخم الذي أرسل الى الرئيس في منتجعه في فلوريدا. ورغم أنه لم يهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القانون، فإن ترمب لم يقل أيضاً ما إذا كان سيوقعه، أم لا.
وبعدما أمضى بعض الوقت مع ترمب هناك، أفاد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بأن الرئيس ملتزم المطالبة بمدفوعات تحفيز أكبر للأميركيين مما وافق عليه الكونغرس في المشروع. وقال: «بعد تمضية بعض الوقت مع الرئيس اليوم، أنا مقتنع بأنه مصر أكثر من أي وقت مضى على زيادة مدفوعات التحفيز إلى 2000 دولار للفرد وتحدي المادة 230 من قانون حماية الشركات التقنية الكبيرة». وأضاف أن «كليهما مطلب معقول وآمل أن يستمع الكونغرس. الفائز الأكبر سيكون الشعب الأميركي».
وكان ترمب كتب في رسالة رسمية إلى الكونغرس: «المؤسف أن نص القانون هذا لا يتضمن إجراءات حيوية للأمن القومي»، وهو «لا يتوافق مع جهود حكومتي لجعل أميركا في الصدارة على صعيد الأمن القومي والسياسة الخارجية». ورأى أن هذا القانون مجرد «هدية إلى الصين وروسيا».
وهذا الرفض يعني إعادة النص إلى مجلسي النواب والشيوخ لإعادة التصويت عليه، وإذا أقر بأكثرية الثلثين سيتجاوز الفيتو الرئاسي، وبالتالي يصير القانون سارياً وسابقة في ولايته الرئاسية. ووعدت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بأن يجري التصويت غداً (الاثنين) في 28 ديسمبر (كانون الأول) الجاري لتجاوز حق الفيتو الذي استخدمه ترمب. وأضافت أن حق النقض الذي استخدمه ترمب «عمل ينم عن استهتار شديد وسيضر جنودنا ويعرض الأمن القومي الأميركي للخطر».
وتشمل موازنة الدفاع لعام 2021، التي وافق عليها الكونغرس قبل أسبوعين، 740.5 مليار دولار، بينها زيادة رواتب موظفي قطاع الدفاع بنسبة 3 في المائة. لكن ترمب مارس الفيتو لأن النص لا يشمل إلغاء المادة 230، التي تحمي الوضع القانوني لشبكات التواصل الاجتماعي التي يتهمها الرئيس بارتكاب تجاوزات. ويأخذ أيضاً على القانون أنه ينص على إعادة تسمية قواعد عسكرية تكرم جنرالات المعسكر الكونفدرالي الذي كان يدافع عن العبودية خلال الحرب الأهلية الأميركية. وتوصف المادة 230 التي مررها الكونغرس عام 1996 بأنها حجر الأساس لشبكة الإنترنت، لأنها تنص على أن المنصات الموجودة على الإنترنت لا تتحمل مسؤولية قانونية عما ينشره المستخدمون على صفحاتها، كما تمنح هذه الشركات حصانة من أي تبعات لقيامها بحسن نية بحذف مواد منشورة في منصاتها.
واقتراح القانون هذا منفصل عن خطة دعم الاقتصاد الأميركي التي لم يوقع عليها ترمب.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended