«كوفيد ـ 19» يسلّط الضوء على اتساع الصدوع بين الفقراء والأغنياء

«كوفيد ـ 19» يسلّط الضوء على اتساع الصدوع بين الفقراء والأغنياء
TT

«كوفيد ـ 19» يسلّط الضوء على اتساع الصدوع بين الفقراء والأغنياء

«كوفيد ـ 19» يسلّط الضوء على اتساع الصدوع بين الفقراء والأغنياء

وضع «كوفيد - 19» الأمم المتحدة عند منعطف حرج. أثار تساؤلات قلقة بين مسؤوليها الكبار حيال عواقب السباق المحموم بين الدول القليلة المتمكّنة والغنيّة نحو إنتاج أو شراء لقاحات شافية من الفيروس القاتل، مقابل مخاوف في محلّها من عدم قدرة الغالبية الساحقة من البلدان النامية وفقراء العالم على العبور بأمان من الجائحة التي أدت إلى أزمة صحية عالمية «لا تحصل إلا مرة في كل قرن»، طبقاً لما خلص إليه المدير التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدانوم غبريسيوس.
يستعين غبريسيوس وغيره من المسؤولين الدوليين بالمؤرخ الأميركي جون باري الذي أصدر عام 2004 كتاباً بعنوان «الإنفلونزا الكبرى: قصة الجائحة الأكثر فتكاً في التاريخ»، وهو الأشمل عن «الإنفلونزا الإسبانية» (تسمّى أيضاً «جائحة 1918»)، من أجل تكوين فهم أفضل لانعكاسات جائحة فيروس «كورونا» وآثارها المحتملة على الأنظمة المعاصرة لتقديم المساعدات الإنسانية، من غذائية وطبية، في مناطق النزاعات أو الأزمات أو الكوارث. اتسم وباء الإنفلونزا لعام 1918 بقسوة حادة. قتل ما بين 50 مليوناً ومائة مليون من البشر في عالم أقل كثافة سكانية وأقل تنقلاً وأقل عولمة، بعدما قطع خطوط التواصل القليلة أصلاً بين الناس. في المقابل، يبطش فيروس «كورونا» الآن بعدوانية، واضعاً الحكومات والشعوب تحت وطأة ضغوط استثنائية. وشبّه باري استخفاف الرئيس دونالد ترمب بفيروس «كورونا» في بدايات انتشاره بما كان يكرره مسؤولو الصحة العامة في عام 1918 من أن «هذه إنفلونزا عادية باسم آخر».
الموظفون الدوليون الكبار كانوا أكثر جديّة في التعبير عن مخاوفهم من أن يتمكن فيروس «كورونا»، ليس فقط من الفتك بالذين لا يتمكنون من الحصول على اللقاحات والعلاجات، في تكرار لـ«جائحة 1918» التي أدت إلى مقتل الملايين من الناس غير المحظيين، بل أيضاً من قطع المساعدات المنقذة للحياة عن أكثر المحتاجين إليها. تداوروا على دق أجراس الإنذار من مأزق وشيك تواجهه الأمم المتحدة، المظلّة الدولية الوحيدة الجامعة للأغنياء والفقراء. الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش رأى أن «هذه الجائحة كشفت خطوط الصدع - الانقسامات - التي تفصل بين من يملكون ومن لا يملكون»، طبقاً لما قاله لـ«الشرق الأوسط» عبر الناطق باسمه ستيفان دوجاريك، عاكساً بذلك المخاوف الجديّة من عدم إيصال اللقاحات الضروريّة إلى المحتاجين إليها في أربع جهات الأرض بقوله إن «اللقاح يجب أن يكون لقاحاً للناس وأن يكون متاحاً للجميع في كل مكان». يعتقد البعض أن هذه الدعوة ترتقي إلى مجرد «التمنّي» من صاحب السلطة الأخلاقية الرفيعة التي يمثلها كبير الموظفين الدوليين. القرار الحقيقي الفاعل في مكان آخر.
واعتبر مدير دائرة الأمم المتحدة لدى مجموعة الأزمات الدولية ريتشارد غاوان أن «الفيروس كان اختباراً كبيراً للأمم المتحدة»، لأنه «سلط الضوء على المزيد من التحديات الكبيرة المقبلة، ليس أقلها التوترات بين الصين والولايات المتحدة». واستدرك رداً على أسئلة من «الشرق الأوسط» أنه «بعد فترة أولية من الارتباك، أعتقد أن معظم الدول أدرك الحاجة إلى التعاون للتعامل مع الأزمة»، لافتاً إلى أن غوتيريش «قام بعمل جيد في تحديد العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوباء».
ولكن نظراً إلى الطبيعة المتغيرة لعالم الفيروسات، يمكن لجائحة «كوفيد - 19» أن تكون واحدة من جوائح عديدة سيشهدها القرن الحالي. وقد لا تكون هي الأخطر. وحيال ذلك، لا يمكن للأمم المتحدة أن تقف مكتوفة حيال وضع لا يتمكن فيه من الحصول على اللقاح أو العلاج إلا الدول الأغنى أو الأشخاص الأغنى، ليس فقط لأسباب أخلاقية ولكن أيضاً من أجل ما يسميه غوتيريش «المصلحة الذاتية الأساسية» المتمثلة بأنه «لن يكون أي منا آمناً حتى نكون جميعاً آمنين». وهو ليس الوحيد الذي يصرخ في هذه البريّة. يعتقد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والمعونة الطارئة مارك لوكوك أن الفيروس القاتل وضع قدرات المنظمة الدولية أمام «اختبار لا نظير له» منذ أكثر من 50 عاماً، في أوج الحرب الباردة، مشيراً إلى «الأثر المدمر المحتمل» للوباء على الموارد الخاصة بالمساعدات الإنسانية التي يشرف عليها في مناطق النزاعات أو المتأثرة بالكوارث الطبيعية وغيرها، مما دفع المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي إلى الخشية من أن يؤدي فيروس «كورونا» إلى «جائحة جوع» صارت بالفعل على أبواب مناطق عدة في العالم.
لا يعتقد غاوان أن «الاختيار بسيط بين اللقاحات والمساعدات»، علماً بأنه يتعين على أجزاء مختلفة من الأمم المتحدة أن «تتعامل مع جوانب مختلفة من أزمة كوفيد - 19»، كما ينبغي في الوقت ذاته على سبيل المثال أن يدير برنامج الأغذية العالمي «مخاطر نقص الغذاء الناجم عن الاضطرابات في سلسلة الإمدادات». ورأى، رداً على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن «التحدي الذي يواجه الأمم المتحدة هو التوفيق بين كل هذه المخاطر». وإذ أوضح أن «إيصال اللقاحات إلى البلدان الفقيرة يجب أن يكون أولوية»، نبه إلى أن «الأمم المتحدة لا يمكنها، ولا ينبغي لها، أن تتوقف عن التركيز على الأزمات والمخاطر الأخرى».
وإذ لاحظ دوجاريك أن «الجائحة عرضت للخطر مكاسب التنمية التي تحققت في العقود الماضية»، قال: «نحن بحاجة إلى استثمارات ضخمة في كل جوانب أهداف التنمية المستدامة من التعليم إلى الرعاية الصحية وتمكين المرأة والتكيف مع المناخ، لضمان تعافينا جميعاً بشكل أفضل من هذا الوباء». وأشار غاوان إلى أنه «بالمقارنة مع ما أنفقته الدول الغنية على الإغاثة من فيروس (كوفيد – 19) محلياً حتى الآن، فإن الميزانيات التشغيلية للأمم المتحدة تبدو صغيرة للغاية»، معتبراً أنه «ينبغي أن يكون من الممكن للمانحين العثور على الأموال اللازمة لمواصلة الوظائف الأساسية للأمم المتحدة».
هناك إقرار عام بأن العالم يحتاج إلى نهج دولي جريء ومنسق في شأن جهود تخفيف أعباء الديون للبلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل، بما في ذلك، عند الاقتضاء، إلغاء الديون وزيادة الدعم المالي للبلدان الأكثر عرضة للخطر لتوفير السيولة اللازمة وتمويل الإنعاش.
على رغم الخشية من أن تكون السنوات القليلة المقبلة صعبة للغاية بالنسبة إلى الأمم المتحدة من الناحية المالية، لتعكس بذلك ما يواجهه الكثير من الدول من ضغوط مالية ناجمة عن الأزمة في عام 2021. هناك من يرى «صورة مشجعة» بسبب توقع عودة انخراط الولايات المتحدة، خلال عهد الرئيس جو بايدن، في دورها القيادي عبر العالم، مما يمكن أن يؤدي بالتالي إلى تحسين الجهود «لإعادة البناء بشكل أفضل».
بغير ذلك، سيؤدي الفيروس إلى المزيد من الاضطرابات الاجتماعية وحتى إلى نزاعات أكثر دموية.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».