حكم تركي بالسجن 27 عاماً لصحافي كشف نقل أسلحة لإرهابيين في سوريا

تحقيق حول تعرية سجناء غالبيتهم نساء وتفتيشهم

إردوغان يستعد لمخاطبة نواب حزبه في أنقرة أمس (أ.ب)
إردوغان يستعد لمخاطبة نواب حزبه في أنقرة أمس (أ.ب)
TT

حكم تركي بالسجن 27 عاماً لصحافي كشف نقل أسلحة لإرهابيين في سوريا

إردوغان يستعد لمخاطبة نواب حزبه في أنقرة أمس (أ.ب)
إردوغان يستعد لمخاطبة نواب حزبه في أنقرة أمس (أ.ب)

عاقبت محكمة في تركيا الصحافي جان دوندار، المقيم في ألمانيا، بالسجن أكثر من 27 سنة لاتهامات بالتجسس ودعم منظمة إرهابية. بينما فتح الادعاء العام تحقيقاً في ادعاءات حول تجريد نساء ورجال من ملابسهم، وإخضاعهم للتفتيش، وهم عراة، في وقائع تعود إلى العام 2016 حتى العام الحالي، فجرتها المعارضة التركية، بناء على شكاوى من المواطنين الذين تعرضوا لهذه الممارسات.
في الوقت ذاته، هاجم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان محكمة حقوق الإنسان الأوروبية لإصدارها قراراً جديداً يقضي بالإفراج الفوري عن منافسه الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش المعتقل منذ 4 سنوات بتهم تتعلق بالإرهاب ولم يحاكم فيها حتى الآن.
وأصدرت محكمة في إسطنبول، أمس (الأربعاء)، حكماً غيابياً بالسجن بحق رئيس تحرير صحيفة «جمهورييت» المعارضة السابق، جان دوندار، المقيم في ألمانيا حالياً، لمدة 18 سنة و6 أشهر بتهمتي «إفشاء معلومات سرية وتجسس» لنشره تحقيقاً حول تهريب أسلحة إلى تنظيمات إرهابية ومتشددة في سوريا، منها «داعش»، بعد ضبط حافلات تابعة للمخابرات التركية في جنوب البلاد في يناير (كانون الثاني) عام 2014 قال إردوغان إنها كانت محاولة من حركة «الخدمة» التابعة لفتح الله غولن للإطاحة بحكومته، و8 سنوات و9 أشهر، بتهمة «مساعدة منظمة إرهابية»، في إشارة إلى حركة الخدمة.
وسبق الحكم على دوندار في مايو (أيار) 2016. في الدرجة الأولى، بالحبس 5 سنوات و10 أشهر بتهمة إفشاء أسرار الدولة، إلا أن محكمة الجنايات العليا أبطلت هذا الحكم عام 2018 وأمرت بمحاكمة جديدة لدوندار بتهمة التجسس التي تشمل عقوبة أشد، كما أمرت بمصادرة جميع ممتلكاته. ولجأ دوندار إلى ألمانيا عام 2016 بعد إدانته الأولى، وذلك بعد أن سمحت المحكمة الدستورية، أعلى سلطة قضائية في البلاد، في فبراير (شباط) من العام ذاته بالإفراج عنه رهن المحاكمة، ما دفع إردوغان إلى مهاجمتها، مؤكداً أنه «لا يحترم» قرارها.
وبموجب قرار المحكمة الدستورية، أُفرج عن دوندار وإردام غول، الذي كان آنذاك رئيس مكتب صحيفة «جمهورييت» في أنقرة، وذلك بعد تمضيتهما أكثر من 90 يوماً في الحجز الاحتياطي.
وطالت القضية أيضاً نائب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، عن مدينة إسطنبول أنيس بربر أوغلو نائب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، لاتهامه بالتجسس وإفشاء أسرار خاصة بالدولة لتزويده صحيفة «جمهورييت» بمقطع فيديو يظهر عملية نقل أسلحة إلى «تنظيم داعش» الإرهابي وجماعات متشددة في سوريا عام 2014 في شاحنات تابعة للمخابرات التركية تم توقيفها بمعرفة الشرطة وقوات الدرك في أضنة (جنوب)، وحكم عليه أولاً بالسجن المؤبد، ثم خفف الحكم إلى 5 سنوات، وأسقط البرلمان عضويته في يونيو (حزيران) الماضي ليتم القبض عليه مجدداً، ثم الإفراج عنه وفرض الإقامة الجبرية عليه مستفيداً من قانون العفو بسبب تفشي وباء «كورونا».
من ناحية أخرى، أمر الادعاء العام بفتح تحقيق بشأن ادعاءات تفتيش نساء ورجال وهم عراة في أقسام الشرطة، وهي القضية التي فجرها نائب حزب الشعوب الديمقراطية المعارض في البرلمان عمر جيرجيرلي أوغلو؛ حيث كشف عن تعرض 30 امرأة في شهر أغسطس (آب) الماضي، للاحتجاز في ولاية أوشاك (غرب) وتفتيشهن عاريات وإذلالهن، وهو ما نفته نائبة حزب العدالة والتنمية الحاكم روضة كاواكجي.
وعلى إثر ذلك، أرسل كثير من السيدات شهاداتهن حول تفتيشهن عراة وانتهاك حرمة أجسادهن. وشرحت السجينة، بيرغول كوتشال، التي تعرضت للتفتيش عارية في سجن بإسطنبول عام 2016، بعد القبض عليها في إطار الحملات التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، قائلة: «لقد تم اعتقالي لمدة 11 يوماً في الحجز ومن ثم نقلت إلى سجن بكيركوي، وبعد الانتهاء من إجراءات الدخول، قاموا بتفتيشنا عاريات في غرفة صغيرة، وبعد أن تم نقلنا إلى سجن سيليفري (غرب إسطنبول)، تعرضنا للتفتيش عاريات مرة أخرى، كما لو أنه تم إلقاء القبض علينا مرة أخرى».
واعترفت المديرية العام للسجون، في بيان رسمي، بعمليات التفتيش، قائلة: «إن عملية التفتيش الدقيقة هي ممارسة استثنائية، وبمثابة إجراء احترازي تقبله المنظمات الدولية وينفذه كثير من الدول، ويستهدف الأشخاص الذين تمت إدانتهم بتهمة تتعلق بالمخدرات أو الإرهاب، لأنهم يمكن أن يستخدموا أجسادهم بشكل سيئ».
وأحرج البيان نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم الذين أصروا على نفي وقائع التجريد من الملابس والتفتيش بالسجون.
وطالب رئيس حزب المستقبل المعارض، أحمد داود أوغلو، الرئيس رجب إردوغان بمحاسبة المسؤولين، مشيراً إلى أن إثبات مثل هذه الجريمة ليس بالأمر الصعب، وبالإمكان فحص كاميرات المراقبة بالسجون للتثبت من وقوع تجاوزات.
وقرر الادعاء العام التحقيق مع الأشخاص الذين أثاروا القضية على مواقع التواصل الاجتماعي في إطار التحقيقات بشأن محاولة الانقلاب الفاشلة، التي تتهم السلطات حركة غولن بتنفيذها.
على صعيد آخر، ندد الرئيس رجب طيب إردوغان بدعوة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للإفراج عن المعارض الكردي البارز صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد، والذي خاض الانتخابات الرئاسية منافساً لإردوغان في انتخابات 2014 و2018، بعدما قضى 4 سنوات في السجن. وقال إردوغان: «إن المحكمة الأوروبية أصدرت حكماً سياسياً تماماً عبر نشر قرارها قبيل استنفاد دميرطاش جميع طعونه القضائية أمام المحاكم التركية».
وقضت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، الثلاثاء، بأن على تركيا الإفراج الفوري عن دميرطاش، قائلة إن تبرير سنوات اعتقاله كان ستاراً للحد من التعددية والنقاش الديمقراطي.
وقالت الغرفة الكبرى للمحكمة إن الحبس الاحتياطي لدميرطاش بعث برسالة خطيرة إلى الأتراك، وهو ما مثّل «بلا جدال مسألة في غاية الخطورة بالنسبة إلى الديمقراطية». وخلصت المحكمة إلى أن «الأسباب التي ساقتها السلطات بشأن احتجاز مقيم الدعوى تمهيداً للمحاكمة... كانت مجرد ستار لغرض سياسي خفي».
وهذه هي المرة الثانية التي تصدر المحكمة الأوروبية قراراً بالإفراج عن دميرطاش، بعد قرار سابق العام الماضي، رفضه إردوغان.



رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.