أندلس 1494... كأننا نجول في جنان النعيم

يوميات رحلة هيرونموس مونزير

هيرونموس مونزير
هيرونموس مونزير
TT

أندلس 1494... كأننا نجول في جنان النعيم

هيرونموس مونزير
هيرونموس مونزير

قلما تكتسب سنة من السنوات مكانة اللحظة الفاصلة في التاريخ. فالأحداث وتقلبات الأزمنة، كما يرى المؤرخون اليوم، تنضج خلال فترات طويلة من التراكمات الكمية التي قد لا تلتقطها عيون الأفراد قبل وصولها إلى لحظة تكثف نوعي تنتقل بها لمكان آخر تماماً. لكن سنة 1492 -ورمزها الأهم سقوط غرناطة، آخر ممالك العرب الأندلسية، بيد قوات مملكة فيرديناند وإيزابيلا الكاثوليكية في الثاني من يناير (كانون الثاني) ذلك العام- تبدو مع ذلك لحظة عبورٍ عجائبي بين العصور القديمة والعصور الحديثة، بين العالم القديم والعالم الحديث، عبور قضى على ممالك وإمبراطوريات وأطلق أخرى، وغيّر مصائر ملايين البشر، وشكّل محور تحولات فكرية وثقافية هائلة، كانت النهضة الأوروبية ومرحلة التنوير نتاجها الأوضح، ناهيك من تأسيسه للمناخ المعولم الذي ستتطور فيه الرأسمالية بشكلها الحالي. وللحقيقة، فإن نصوصاً تأريخية كثيرة حاولت، وبطرائق مختلفة، القبض على تلك اللحظة وتسجيلها، والتحديق فيها من أركان ومنطلقات متعددة، ساعية لبناء تحليل معمق لمكونات التفاعل الهائل الذي كانت نتيجته. ومع ذلك، فإن شهادات معاصري تلك الحقبة التي نجت ووصلتنا تبدو شحيحة بشكل لافت، مقارنة بحجم الانعطاف التاريخي الزلزالي الطابع الذي كانته.
من هنا تحديداً تأتي أهمية اليوميات التي دونها الطبيب هيرونموس مونزير (ولد في منطقة تتبع النمسا اليوم) عن رحلته التي أخذته إلى شبه الجزيرة الأيبيرية عام 1494، مسجلاً فيها دقائق مشاهداته الثاقبة، كما لو كان مصوراً فوتوغرافياً التقط بحرفية مزاج تلك الفترة وأجوائها، بعد أقل من عامين على النهاية الحزينة للوجود العربي - الإسلامي في أقصى جنوب أوروبا.
كان مونزير (1437 - 1508) مثقفاً رفيعاً وأنموذجاً رائداً لمفكري عصر النهضة الذين ألموا بطرف من كل معارف عصرهم. فدرس في جامعة ليبزيج الألمانية المرموقة، قبل أن يتأهل لممارسة الطب من جامعة بافيا (جنوب ميلان الإيطالية)، ويعود لسُكنى مدينة نورمبيرغ، ويصبح من وجهائها، لا سيما في دوائر المثقفين (الإنسانيين) في تلك الفترة. ودفعه تعطشه للمعرفة إلى معاقرة علوم الفلك والجغرافيا والنباتات، وأصاب ثراء فبنى مكتبة ضخمة كان يشتري لها الكتب من كل مكان يسافر إليه. وقد ساهم بقسم مهم عن الجغرافيا، تضمن ما يعد أول خريطة (مطبوعة) لألمانيا في «حوليات نورمبيرغ»، وهي موسوعة تاريخية نشرت عام 1483.
أما مغامرته الأيبيرية، فقد كانت في العامين 1494 - 1495، بعدما رافق ثلاثة من أصدقائه فراراً من عودة وباء الطاعون إلى ألمانيا في رحلة على ظهر الخيول أخذتهم لسبعة آلاف ميل عبر ألمانيا (والنمسا الحالية) وفرنسا وسويسرا، ثم إسبانيا والبرتغال، قبل العودة إلى منزله في نورمبيرغ.
القطعة الأيبيرية من هذه الأوديسة العظيمة بدأت في الحادي والعشرين من سبتمبر (أيلول) من ناحية برشلونة التي صدمته بكاتدرائيتها القوطية الهائلة ومكتبتها الضخمة، ومنها إلى دير مونتسيرات وسط الجبال الوعرة، قبل أن ينحدر ورفاقه نحو فلنسيا التي كانت كما غابة زيتون ورمان، ومركزاً متقدماً لصناعة تحضير السكر، كما سوقاً لبيع العبيد الأفارقة التعساء الذين كانوا يخطفون من غرب أفريقيا. وقد تعرف مونزير على أحد تجار البشر هؤلاء، فأخبره بأنه نقل حمولة من جزيرة تناريف ضمت 87 من الرجال والنساء والأطفال الذين قضي 14 منهم خلال الرحلة، فيما باع الباقين. ومن هناك، انتقل ورفاقه إلى ميناء ألَلَقَنْت (الاسم الحالي أليكانتي)، حيث مروا بمزارع ضخمة يديرها الكفار (أي المسلمون وفق نظرة مسيحيي أوروبا لهم)، تنتج الكمون واليانسون ونبتة الحلفا العربية، كما العنب المجفف، قبل أن يصلوا إلى أراضي مملكة غرناطة، بالمرور عبر عدة قرى مورية جبلية خلابة (المور اسم كان الأوروبيون يطلقونه على مسلمي الأندلس) بين جناين وحدائق معلقة من الزيتون والموز والتين واللوز قال عنها: «لكأننا كنا نجول في جنان النعيم».
وفي ميناء المرية، شاهد مونزير مسجداً لأول مرة، وصفه بالمعبد الشيطاني، لكنه قال إنه مضاء بأكثر من 100 فانوس، وتتوسطه حديقة غناء مبلطة بالرخام. وقد تعرف هناك على تاجر من جنوى أخبره بأنه كان ينقل بسفينته القمح إلى تونس، ثم يحمل من وهران (بالجزائر) نحو 300 من الكفار (أي المسلمين) المنفيين إلى شمالي أفريقيا الذين يرغبون بزيارة مسقط رأسهم. وفي ضواحيها، شاهد أشجار موز ضخمة لم يكن ليخطر بباله -على حد تعبيره دائماً- أنها يمكن أن تنمو في أوروبا.
درة الرحلة كانت غرناطة «المدينة العظيمة المجيدة» التي سحرته، رغم تذمره من أن سقوطها في يد الكاثوليك منذ عامين لم يدفعها لتغيير طرائق عيشها الأندلسي، لا سيما بعد أن سمع صوت الأذان في مسجد المدينة. ومع ذلك، فهو لم يخفِ ذهوله من عبقرية عمارة المسجد الكبير، بأعمدته وأقواسه وزخارفه المبهرة، وأشاد بعين الطبيب بعادات التطهر والاستحمام عند المسلمين، وأنظمة مياه الشرب والدورات الصحية والتمديدات. وقد تسنى لمونزير وأصحابه زيارة قصر الحمراء ذائع الصيت، برفقة محافظ المدينة، فكتب: «كل شيء هناك أنجز بطريقة مبهرة شاهقة بكل الجمال الممكن وبكل الأناقة؛ إنه قطعة تامة الاكتمال تليق بالجنة». وقد تجول الصحب لاحقاً في جناين موزعة بين رؤوس الجبال المغطاة بالثلج، مزروعة بالقطن والتين واللوز والزيتون والرمان والكرز والخرشوف (الأرضي شوكي)، وقال إن الأنهار المحلية غنية بالذهب، لكن الملك فرديناند كان قد منع استخراجه على السكان تحت طائلة الحكم بالإعدام.
وكاد يطيب المقام للرحالة في غرناطة، ولذا تركوها متثاقلين نحو ملقة، مارين بحقول واسعة مزروعة بالصباريات التي أثارت اهتمام مونزير لأهميتها في صناعة العقاقير والمراهم الطبية، ثم إلى مدينة إشبيلية أكبر مدن الأندلس، فأسهب في وصف حدائقها الغناء ونوافيرها الكثيرة، ومنها انتقلوا إلى البرتغال التي استقبلهم فيها بالعاصمة لشبونة الملك جون الثاني، وكان فيما يبدو على معرفة باللورد أنتوني هيوارت، أحد رفاق رحلتهم. وهناك عرفوا أن جلالته كان قد منح اليهود الذين طُردوا من مملكة إسبانيا عام 1492 مهلة عامين لترتيب أوضاعهم قبل مغادرة مملكته. ومن لشبونة اتجه الرفاق مجدداً نحو الشمال هذي المرة، فمروا في زامورا -من أملاك قشتالة وليون- التي تضم أفضل نماذج عمارة الرومانسيك من القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ثم سلامانكا -وزاروا فيها جامعة تعج بأكثر من 5 آلاف طالب- وتوليدو، وفيها شهدوا جنازة الكاردينال بيدرو دي مندوزا، أحد أهم الشهود على استسلام غرناطة، قبل أن يتجهوا إلى مدريد، حيث استقبلوا من قبل الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، ليرتجل مونزير خطاباً في تمجيدهما. وبعد ثمانية أيام، توجهوا شمالاً عبر سرقوسة، وعبروا ممر الرونشيسفاليس على الحدود بين فرنسا وإسبانيا الذي كان موقع معركة بين شارلمان ملك الفرنجة والمسلمين، وشاهدوا بوق القائد رولاند -المذكور في أهزوجة رولاند، إحدى أول النصوص المكتوبة باللغة الفرنسية- الذي غنمه الباسكيون بعد قتلهم للفارس الفرنسي في كمين هناك.
ولا تكتفي يوميات هيرونموس مونزير بنقل صورة شاملة عن أيبيريا الخلابة، ومعالمها الجغرافية والطبيعية، وأوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل يشعرنا معه بمناخ التوتر الديني بين المجموعات السكانية المختلفة في شبه الجزيرة، بعد توحيدها على يد الكاثوليك، لتدخل بعدها البلاد في المرحلة المأساوية لمحاكم التفتيش، والطرد النهائي لمسلمي الأندلس، بمن فيهم الموريسكيون (أي أبناء المسلمين الذين أجبروا على التحول للكثلكة)، كما اليهود، وهي مرحلة لما تتعافى منها إسبانيا قط، وكانت أحد الأسباب التاريخية لتأخرها عن اللحاق بدول القارة الأخرى، مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، لكن تلك قصة أخرى.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».