تجدد الاشتباكات قرب عين عيسى بعد تعثر المفاوضات الروسية ـ التركية

الأحزاب الكردية تطالب المجتمع الدولي بوقف محاولات أنقرة «احتلال» البلدة السورية

دورية روسية على مدخل عين عيسى شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
دورية روسية على مدخل عين عيسى شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

تجدد الاشتباكات قرب عين عيسى بعد تعثر المفاوضات الروسية ـ التركية

دورية روسية على مدخل عين عيسى شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
دورية روسية على مدخل عين عيسى شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

فشلت سلسلة اجتماعات بين ممثلي القوات الروسية والتركية من جهة، وممثلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع ممثلي النظام السوري والقوات الروسية من جهة أخرى، في التوصل إلى تفاهمات بشأن وضع بلدة عين عيسى في شمال الرقة التي تشهد تصعيداً للهجمات من جانب فصائل ما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا، بدعم من القوات التركية، في محاولة للسيطرة على البلدة التي تفصل بين مناطق سيطرة «قسد» في شرق وغرب الفرات. وطالبت الأحزاب الكردية بوقف الهجمات المدعومة من تركيا التي رأت أنها تستهدف احتلال البلدة، بعد أن حررتها «قسد» من تنظيم داعش.

مطالب تركية
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أمس (الثلاثاء)، بمقتل 7 من الفصائل الموالية لأنقرة، وإصابة 4 آخرين بجروح متفاوتة، جراء الاشتباكات العنيفة مع قوات «قسد» التي وقعت بعد منتصف ليل الاثنين على محور المشيرفة شمال شرقي عين عيسى، لترتفع حصيلة قتلى الفصائل في هجماتها الفاشلة ومحاولتها التقدم وقطع طريق الحسكة - حلب الدولي، بأوامر ودعم تركي، منذ يوم الجمعة الماضي حتى الآن إلى 24 قتيلاً في استهدافات واشتباكات وانفجار ألغام في أثناء الهجمات. كما أدت الاشتباكات خلال الفترة ذاتها إلى مقتل 5 عناصر من قوات «قسد».
وعقد ضباط روس وأتراك اجتماعاً في صوامع شركراك بريف عين عيسى، لبحث الوضع في عين عيسى، بناء على طلب تركي. وبحسب ما نقلته وكالة «سبوتنيك» الروسية، عن مصادرها، فإن الجانب التركي طالب الجانب الروسي بانسحاب كامل لمقاتلي تحالف قوات «قسد» المدعوم أميركياً من منطقة عين عيسى، كشرط للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى إيقاف أي عمل عسكري محتمل للقوات التركية، بينما طرح الجانب الروسي انسحاباً محدوداً لمسافة.
كما عقد ضباط روس وآخرون من قوات النظام السوري اجتماعاً مع ممثلي «قسد»، لبحث مصير عين عيسى، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق أيضاً، حيث طرح الجانب الروسي وممثلو النظام انسحاباً كاملاً لـ«قسد» من عين عيسى ومحيطها، ورفع العلم السوري فوق مؤسساتها الحكومية، وتسليمها إلى قوات النظام بشكل كامل، حتى يتسنى منع الهجمات التركية على المدينة.
وفي المقابل، أبدى ممثلو «قسد» استعدادهم لتسليم مداخل ومخارج عين عيسى فقط إلى قوات النظام، كما هو الحال في اتفاق «منبج»، الأمر الذي رفضه الجانب الروسي والنظام السوري بشكل تام.
وقامت «قسد» بنقل المعتقلين الموجودين في سجونها في عين عيسى في ريف محافظة الرقة الشمالي، وعددهم 65 شاباً اعتقلوا بتهمة العمل بالتهريب والتواصل مع فصائل المعارضة الموالية لتركيا والاتجار بالسلاح، إلى مدينة الطبقة في الريف الغربي للمحافظة. وتضم عين عيسى 3 سجون تابعة لـ«قسد»، تديرها قوات الأسايش التابعة لها.
ومن جهته، قال رضوان الخلف، قائد «مجلس تل أبيض العسكري» المنضوي تحت راية «قسد»، إن الاشتباكات لا تزال مستمرة على محاور عين عيسى الثلاثة «المحور الشرقي يبعد نحو كيلومتر فقط، أما محور الغرب، ويضم مخيم العين سابقاً حتى قرية صيدا، فلا تزال هناك اشتباكات متقطعة»، في وقت شهدت فيه الجبهة الشمالية اشتباكات وقصف من قبل الفصائل المهاجمة، حيث استخدموا الأسلحة الضوئية التي غطت سماء المنطقة أمس، بحسب القيادي العسكري.
ونفى الخلف تمكن الفصائل السورية من اختراق جبهات عين عيسى أو أحراز أي تقدم عسكري وبسط السيطرة على قرى أو مواقع في محيطها، قائلاً: «لم يحرزوا أي تقدم عسكري، يستخدمون تكتيك عمليات التسلل، ويعلنون على صفحاتهم ومواقعها أنهم سيطروا على قرية، لكن يتم صد الهجوم وطردهم وإجبارهم على التراجع للنقاط المتفق عليها». كما أعلن القيادي العسكري عن مقتل 7 مسلحين من الفصائل السورية في كمين، وإصابة 3 آخرين بجروح بليغة، فيما أصيب مقاتل بجروح في صفوف قواته.
إلى ذلك، كشف «المرصد» عن حصيلة قتلى الفصائل الموالية لأنقرة، حيث ارتفعت منذ الجمعة الماضية إلى 24 قتيلاً «قتلوا جميعاً في اشتباكات شرق عين عيسى وانفجار ألغام في أثناء الهجمات. كما أدت الاشتباكات خلال الفترة ذاتها إلى مقتل 5 عناصر من (قسد)».

تعزيزات روسية
وشاهد موفد «الشرق الأوسط» وصول تعزيزات روسية كبيرة، ضمت أكثر من 200 شاحنة ثقيلة وعشرات المدرعات العسكرية، برفقة جنود مدججين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، تزامنت مع تحليق للطيران الحربي الروسي، واستقرت هذه القوات في القواعد الروسية ومواقع الجيش السوري الحكومي التي أنشئت بالاتفاق مع قوات «قسد».
وفي السياق، قال عبد حامد المهباش، الرئيس التنفيذي للإدارة الذاتية، إن تركيا وضعت هدفاً لهجومها على عين عيسى: «لقضم أراضي جديدة من سوريا وضمها لتركيا، حيث تحاول حكومة أنقرة استغلال الفراغ الرئاسي في واشنطن للسيطرة على البلدة والطريق الدولي (M4) لتغيير ديمغرافية المنطقة».
وأضاف في حديثه أن لناحية عين عيسى أهمية كبيرة لدى الإدارة الذاتية، نظراً لأنها تتحكم بشبكة طريق رئيسية وفرعية توصل مناطق الإدارة شرق نهر الفرات بغربه، وطالب المجتمع الدولي وموسكو وواشنطن الضامنتين لاتفاقات وقف إطلاق النار بـ«القيام بواجبهم من أجل وقف آلة الحرب والهجمات العنيفة على الناحية الآمنة، لإفساح المجال لعودة أهاليها الذين نزح قسم منهم أمام نيران المعارك».

أحزاب كردية
وطالبت أحزاب الوحدة الوطنية الكردية بوقف الهجوم التركي على عين عيسى، وقالت في بيان صدر مساء الاثنين إن ناحية عين عيسى ومحيطها تتعرض منذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لقصف يومي عنيف من الجيش التركي والفصائل التابعة له بالأسلحة الثقيلة، في محاولة أخرى لاحتلال مناطق جديدة في شمال سوريا، بعد تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.
وأكد البيان أن هذه الهجمات تأتي لتؤكد عدم التزام تركيا بأي اتفاق يتعلق بوقف إطلاق النار، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مصير ما تم التوصل إليه من تفاهمات بين تركيا والولايات المتحدة من جهة، وتركيا وروسيا من جهة أخرى.
وذكر البيان أن «هذا الخرق التركي الجديد لا يعتبر الأول من نوعه، فتركيا لم تلتزم أصلاً باتفاق وقف إطلاق النار، لأن هجماتها على مناطق شمال شرقي سوريا لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن تركيا ومرتزقتها ليسوا من الأطراف التي يمكن الوثوق بها حين يتعلق الأمر بالاتفاقات والتفاهمات».
وتابع بيان الأحزاب الوطنية الكردية أن «هدف تركيا من عملياتها العدوانية وهجماتها المتواصلة هو احتلال مناطق أخرى في شمال وشرق سوريا، وهو ما يقتضي تحركاً دولياً عاجلاً لردعها وإيقافها عند حدها، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه عبر بيانات إدانة واستنكار، إنما عبر اتخاذ مواقف صارمة حازمة تكون مؤثرة فعالة على الأرض، خصوصاً حيال جرائم القوات التركية وانتهاكاتها وممارساتها اللإنسانية في المناطق التي تحتلها، من عمليات قتل وتهجير واعتقال وتغيير ديمغرافي وتطهير عرقي وغيرها».
وأشارت الأحزاب إلى أن الصمت الدولي يدفع تركيا للتمادي في همجيتها، وإصرارها على المضي قدماً في مشروعها الاحتلالي، وفي إجرامها ضد مكونات المنطقة، وفي هدفها الواضح بإعادة تنظيم داعش إلى الحياة، ورص صفوفه مجدداً.
وأكدت أن «قسد» قادرة على التصدي لأي عدوان، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العملي لوضع حد لمطامع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المنطقة عموماً وشمال وشرق سوريا خصوصاً، وإيقاف هجمات واعتداءات قواته ومرتزقته من مختلف التنظيمات المتطرفة، لا سيما تنظيمي «داعش» و«النصرة» (هيئة تحرير الشام حالياً).
إلى ذلك، كشف قيادي من «مجلس دير الزور العسكري»، التابع لـ«قسد»، عن تنفيذ عملية أمنية أمس، أسفرت عن اعتقال 3 قياديين كانوا في صفوف الخلايا النشطة الموالية لتنظيم داعش الإرهابي، وقال المصدر إن العملية تمت بتنسيق ودعم من مروحيات التحالف الدولي، وأسفرت عن اعتقال القياديين في قرية «بريهة» بريف دير الزور الشرقي.
ومن جهة ثانية، سيرت القوات الروسية دورية اعتيادية مؤلفة من 4 مدرعات في ريف بلدة المالكية المحاذية للحدود التركية - العراقية، وصلت إلى قرية «عين ديوار» شمالاً، وتوجهت نحو «قرية الجسر الروماني»، ثم عادت إلى نقطة انطلاقتها من مدينة القامشلي، وقد تزامنت مع تحليق مروحيتان حربيتان تابعة لسلاح الجو الروسي في أجواء المنطقة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.