وقف إطلاق النار بين الرئاسة اليمنية والحوثيين بعد يوم دام في صنعاء

وزيرة الإعلام لـ {الشرق الأوسط}: مسلحو الحركة وحرس الرئيس السابق صالح حاولوا دخول قصر الرئاسة > المسلحون يسيطرون على التبة المطلة على القصر

دخان يتصاعد من انفجار كبير خلال الاشتباكات العنيفة بين الحرس الرئاسي والحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد من انفجار كبير خلال الاشتباكات العنيفة بين الحرس الرئاسي والحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
TT

وقف إطلاق النار بين الرئاسة اليمنية والحوثيين بعد يوم دام في صنعاء

دخان يتصاعد من انفجار كبير خلال الاشتباكات العنيفة بين الحرس الرئاسي والحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد من انفجار كبير خلال الاشتباكات العنيفة بين الحرس الرئاسي والحوثيين في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

عاشت العاصمة اليمنية صنعاء، أمس، يوما داميا، وذلك بعد انفجرت الأوضاع عسكريا بين الجيش اليمني وميليشيا الحوثيين، على خلفية أزمة مسودة الدستور واختطاف الحوثيين لمدير مكتب الرئاسة، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، في الوقت الذي أعلنت فيه الرئاسة اليمنية عن وقف إطلاق النار، وعقد اجتماعات لكافة القوى السياسية لتلافي النزاع المسلح الذي اندلع في محيط دار الرئاسة، في جنوب صنعاء، الذي حاول الحوثيون السيطرة عليه.
وأفاق اليمنيون، فجر أمس، على أصوات القصف بالمدفعية الثقيلة والاشتباكات العنيفة في محيط دار الرئاسة، حيث حاول الحوثيون السيطرة على قصر الرئاسة في منطقة الـ70 يوما بجنوب صنعاء، غير أن قوات الجيش المرابطة هناك تصدت لهم وقامت بقصف بعض المواقع التي يتمركز فيها الحوثيون بالمدفعية، وأكدت مصادر محلية وشهود عيان لـ«الشرق الأوسط» سقوط قتلى وجرحى في الطرفين، وفي أوساط المدنيين جراء الاشتباكات والقصف، إضافة إلى موجة نزوح للسكان القاطنين في الأحياء المجاور لدار الرئاسة، في هذه الأثناء عززت قوات الجيش اليمني من وجودها حول وزارة المالية والبنك المركزي اليمني ومنزل الرئيس عبد ربه منصور هادي وعدد من المواقع الحيوية والمهمة في صنعاء.
ودعا الرئيس هادي إلى وقف لإطلاق النار، وقد دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بعد ظهر أمس، ورغم ذلك تعرض موكب رئيس الوزراء، خالد محفوظ بحاح، لإطلاق نار كثيف من قبل نقطة أمنية تتبع الحوثيين في شارع الزبيري بقلب صنعاء، عقب خروجه من اجتماع مع الرئيس هادي ومستشاره (الحوثي) صالح الصماد، وأكدت مصادر حكومية أن رئيس الوزراء لم يصب في إطلاق النار الذي تعرض له موكبه، وفي المقابل تعرض موكب الصماد لإطلاق نار مماثل في شارع الستين، دون وقوع إصابات، وقد دعا الرئيس اليمني إلى اجتماع عاجل بمستشاريه من جميع القوى السياسية، بما في ذلك ممثلو جماعة الحوثي، لبحث تداعيات الأزمة وانفجار الوضع عسكريا.
وقالت وزيرة الإعلام اليمنية، نادية السقاف لـ«الشرق الأوسط» إن الاشتباكات اندلعت عندما حاول مسلحون حوثيون وعناصر من الحرس الجمهوري الموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح الدخول إلى دار الرئاسة، وأكدت أن المسألة كانت تصعيدية من اليوم السابق «لأن رئاسة الجمهورية أمرت بنشر العديد من النقاط العسكرية التابعة للجيش ووزارة الداخلية في العاصمة صنعاء، من أجل الحفاظ على الأمن في العاصمة، خاصة بعد اختطاف مدير مكتب رئاسة الجمهورية، الدكتور أحمد عوض بن مبارك من قبل الحوثيين، الذي لم يطلق سراحه حتى الآن»، وأضافت أن «أنصار الله الحوثيين كان رد فعلهم قويا على التوجيهات الرئاسية، وقرروا اقتحام دار الرئاسة، وأن الحوثيين منذ البداية، وحتى الآن، لم تتغير لهجتهم، وكل يوم يطالبون بتطبيق اتفاق السلم والشراكة، وهم يطالبون بتوسيع عضوية مجلس الشورى الذي ينص الاتفاق على أن يتم توسعته بعد 15 يوما من تشكيل حكومة الكفاءات، من أجل أن يضم المجلس الحوثيين والفئات الأخرى التي لم تكن ممثلة فيه، وأيضا لديهم مشكلة في تشكيلة الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وكان يفترض أن يتم تعديل قوام الهيئة وتعديل لائحة عملها».
وأشارت الوزيرة اليمنية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحوثيين «لديهم مخاوف من أن يتم التعامل معهم بنفس الطريقة القديمة، أي الاتفاق وعند التنفيذ لا يتم الالتزام بما تم الاتفاق عليه، رغم أنه جرى تعيين حوثيين في مواقع بارزة في وزارة الداخلية وفي مواقع أخرى في الدولة خلال الفترة الماضية»، وتقول وزيرة الإعلام اليمنية إنه «وفي نفس الوقت، فإن الرئاسة تطالب الحوثيين بتطبيق اتفاق السلم والشراكة الذي ينص على أنه بعد التوقيع عليه وتشكيل الحكومة الجديدة، فإن عليهم إخلاء العاصمة صنعاء من المظاهر المسلحة لميليشيا الحوثيين المنتشرة في نقاط أمنية بالعاصمة، وبالتالي فإن كل طرف يطالب الآخر بتطبيق وتنفيذ الاتفاق»، كما أشارت الوزيرة إلى أن «المشكلة الأولى هي في عدم تشكيل لجنة لتفسير اتفاق السلم»، وعرجت السقاف إلى وضع الإعلام في صنعاء، وقالت في تصريحها إن قناة اليمن ووكالة الأنباء الرسميتين «لا يمثلان أو يعبران عن موقف الحكومة اليمنية»، وأن ما يعبر عن الموقف الحكومي هو تلفزيون عدن وصفحة الوزيرة على «تويتر»، وذلك في إشارة إلى أن الحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح هم من يديرونهما بصورة كاملة، وخلال الأيام الماضية تجنب التلفزيون والوكالة الحكومية التعامل مع بيانات الحكومة ومواقفها، وفي المقابل تعاطت بصورة كبيرة مع بيانات الحوثيين ومواقفهم.
وفي سياق الأوضاع الميدانية، قال قيادي حوثي إن مسلحيهم تمكنوا من السيطرة على تبة النهدين المطلة على دار الرئاسة، في حين قالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن أطقما عسكرية يُعتقد أنها موالية للرئيس السابق شوهدت وهي تقوم بتوزيع ملابس عسكرية على ميليشيات الحوثيين المنتشرة في صنعاء، لارتدائها بدلا عن الزي التقليدي، وأدت الاشتباكات التي شهدتها صنعاء، أمس، إلى إغلاق عدد من السفارات الأجنبية أبوابها، ومن أبرز هذه السفارات: الأميركية، البريطانية، الألمانية والهولندية وغيرها، وكذا إغلاق معظم المؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، إضافة إلى نزوح كثير من الأسر التي تقطن في الأحياء القريبة من دار الرئاسة في جنوب العاصمة، ومغادرتها لمساكنها مع الاحتياجات الأساسية فقط، في الوقت الذي حذرت فيه قوات الحماية الرئاسية المواطنين من السماح للمسلحين الحوثيين باستخدام منازلهم كمتارس ومواقع لتلك الميليشيات، واستهداف قوات الجيش عبرها.
وقد باشرت لجنة أمنية وعسكرية مشتركة مع الحوثيين اجتماعات عاجلة ومكثفة من أجل تثبيت وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه، فعليا، عند الرابعة والنصف من عصر أمس، وذكر مصدر في مكتب عبد الملك الحوثي لـ«الشرق الأوسط» أن لجنة رئاسية باشرت الإشراف على وقف إطلاق النار، وعلى نشر مراقبين في المواقع التي شهدت مواجهات، وقال مصدر عسكري يمني، فضل عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «ما جرى في صنعاء هو سيناريو أولي لمشروع انقلاب عسكري، وأن الحوثيين يستخدمون السلاح الثقيل الذي استولوا عليه من المعسكرات في محافظة عمران والعاصمة صنعاء عند اجتياحهما، ضد قوات الجيش، وضمن ذلك الدبابات والمدفعية»، إضافة إلى السلاح الذي بحوزة الموالين لصالح، مشيرا إلى أن الحوثيين دفعوا بتعزيزات عسكرية، أمس، من جهة الشمال نحو قلب العاصمة صنعاء، وإلى أن الأوضاع ما زالت متوترة رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
وكانت الجامعة العربية طالبت بوقف فوري للعنف في اليمن وباحترام السلطة الشرعية، في الوقت الذي طالب سفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية لحل الأزمة في اليمن جميع الأطراف باتخاذ خطوات لوقف فوري ودائم لإطلاق النار، وأعرب السفراء عن رفضهم «استخدام العنف من قبل الساعين من أجل مصالحهم الخاصة»، وقال بيان صادر عن السفراء، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنهم يشعرون بقلق عميق إزاء الوضع في صنعاء وإن «مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي ونتائج الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة الوطنية، كلها أكدت على توفير آليات لمعالجة النزاعات»، وأضاف البيان: «نرفض استخدام العنف من قبل أولئك الذين يسعون إلى الإطاحة بالتحول السياسي في اليمن لمصالحهم الخاصة، ونؤيد تأييدا تاما الرئيس الشرعي لليمن عبد ربه منصور هادي، وقرار تكليف بحاح رئيس الوزراء والحكومة اليمنية»، وأن «مجموعة سفراء الدول العشر على علم بأن أنصار الله، قد ادعت المسؤولية، من خلال ما يُسمى اللجان الثورية، عن اختطاف الدكتور أحمد بن مبارك أمين (الأمانة الوطنية للحوار)، ورئيس مكتب الرئيس، ونحن ندعو أنصار الله لضمان الإفراج عن الدكتور بن مبارك بطرق آمنة وسريعة ومجموعة سفراء الدول العشر ترحب بتشكيل اللجنة الرئاسية التي تسعى إلى وضع حد للتوتر في مأرب والجوف في خط السلام، واتفاق الشراكة الوطنية والدعوة لتنفيذ أحكام الاتفاق المعلقة، ونواصل متابعة الأحداث في مأرب وتعز مع القلق»، وأعربت الدول العشر عن اهتمامها ومتابعتها للأعمال التحضيرية لإجراء الانتخابات والاستفتاء خلال أشهر، مؤكدة أن ذلك لن يتم «إذا لم يكن هناك قدر أكبر من السلام والأمن في اليمن».
وجاءت هذه الاشتباكات بعد يوم واحد على الاجتماع الاستثنائي الذي عقده الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بمجلس الدفاع الوطني، أعلى سلطة عسكرية في البلاد، لمناقشة تداعيات اختطاف الحوثيين للدكتور أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب الرئاسة، أمين عام مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي اختطف السبت الماضي أثناء توجهه إلى دار الرئاسة لحضور اجتماع لمناقشة مسودة الدستور اليمني الجديد.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.