هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

صاحب {موجز تاريخ الانسانية} عن عالمنا المعاصر ومآله و«كورونا» التي «كشفت السياسيين»

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري
TT

هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري

كنت ولا أزال أرى أن كتاب «موجز تاريخ الإنسانية» لج. هـ. ويلز (1922) من الكتب المهمة لقراءة التاريخ بشكل شامل وموضوعي، وتحديداً لغير المتخصصين في دراسة التاريخ.
لكنني أرى أن كتاب «العاقل» أو «الإنسان الأول» للمؤرخ وعالم المستقبليات الإسرائيلي بروفسور يوفال نوح هراري، لا يقل أهمية عن كتاب ويلز، خصوصاً من حيث التوقيت، بل ويتميز عنه بهذا التنقل السلس بين الماضي والحاضر مع تلميحات عالية الذكاء لمستقبل البشرية، وخاصة الفصل الخاص بالزراعة الذي يأخذنا فيه المؤلف إلى الخطوة الكبيرة التي اتخذتها الحضارة الإنسانية حينها، بما في ذلك العلاقة الاجتماعية بين الفلاح ومالك الأرض، ثم إلى حمورابي من بلاد ما بين النهرين (1776 قبل الميلاد) وقانونه البابلي للعدالة الاجتماعية إلى إعلان استقلال الولايات المتحدة وكتابة الدستور الأميركي في يوليو (تموز) 1776.
يجد القارئ في هذا الكتاب كثيراً من الوقائع والأحداث التي قد تواجهنا كل يوم أو نسمع أو نقرأ عنها، لكن لا يخطر لنا للتمعن في جوهرها أو أسبابها أو عواقبها المحتملة.
هنا حوار عبر الانترنت مع المؤرخ هراري حول رؤيته لتاريخنا المعاصر، ومآل التطور البشري، والتحديات التي تواجهه، وحول كتاب «العاقل» الذي ترجمه إلى العربية صلاح الفلاحي وحسين العبري، وصدر عن دار نشر «منجول» في الهند:
> لقد ذكرت أن بعض «القصص الخيالية» تمكنت من السفر عبر الأرض وعبر التاريخ، واكتسبت أتباعاً حتى يومنا هذا. في حين أن مفاهيم مثل «حقوق الإنسان» و«العدالة» و«الديمقراطية» لم تتمكن من السفر عبر الأبعاد الجغرافية والتاريخية ذاتها، وبالوتيرة والقوة ذاتها. بماذا تفسر هذا؟ وكيف يمكن تحصين عقولنا واحترامها كبشر في القرن الحادي والعشرين؟
- في الواقع، انتشرت قصص الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم بشكل أسرع بكثير من الأديان، مثل المسيحية التي استغرقت 300 سنة كي تكتسح الإمبراطورية الرومانية و1200 سنة أخرى لتصل إلى أميركا. حتى ذلك الحين، رفض معظم العالم المسيحية. على النقيض من ذلك، في حين أنه في عام 1750 لم تكن هناك دول ديمقراطية في العالم ولم يسمع أي شخص عن حقوق الإنسان، فإن هذه المفاهيم اليوم تهيمن على السياسة العالمية، وقد ساعدت في تحرير مليارات الناس من البؤس والقمع.
وإذا تطلعنا إلى المستقبل، يجب أن نتذكر أن القصص هي أدوات. نحن نحتاج إليها لبناء المجتمعات على نطاق واسع. لكن يجب ألا نسمح لهذه القصص باستعبادنا. لنأخذ «الدول» على سبيل المثال. الدول ليست كيانات فيزيائية أو بيولوجية. هي موجودة فقط في أذهاننا. يمكن أن تكون الأمم شيئاً رائعاً، لأن الإيمان بأمة يجعل الناس يهتمون بالآخر، ويضمن تأمين صحتهم وسلامتهم وتعليمهم. لكن إذا نسينا أن الدول هي «قصص» خلقناها لمساعدة الناس، فقد نبدأ في قتل ملايين الأشخاص من أجل هذا الشيء المتخيل.
السؤال الأهم هو: «من يعاني؟» يمكن أن يعاني البشر. يمكن أن تعاني الحيوانات. لكن الأمة لا يمكن أن تعاني، حتى لو خسرت الحرب. لا عقل لها ولا تشعر بالألم أو الحزن. المعاناة هي أفضل مقياس لتقييم ما إذا كانت القصة مفيدة أم ضارة. إذا كان الإيمان بقصة ما يقلل المعاناة، فهذه قصة جيدة. إذا كان الإيمان بقصة يسبب المعاناة، فهو ضار وسيكون من الأفضل أن نغير تلك القصة.
> عطفاً على السؤال السابق، وكما تقترح في كتابك، لعب «الخيال» الدور الأكبر في توحيد البشرية وتنمية الحضارات، وهذا صحيح بالطبع. هل تعتقد أن الإنسانية، في هذه الفترة الحرجة من «الأخبار المزيفة» وتدفق البيانات، تحتاج إلى المزيد من الخيال أم إلى العلم؟
- عندما أتحدث عن التخيلات fictions، لا أقصد الكذب. أعني الأشياء التي لا توجد إلا في خيالنا. القول بأن اللقاحات تسبب التوحد هو كذبة. إن القول إنك فزت بلعبة كرة القدم بتسجيل أهداف أكثر من منافسك ليس كذبة. إنه خيال. إنها قاعدة موجودة فقط في الخيال البشري. الأكاذيب دائماً سيئة. يمكن أن تكون القصص الخيالية جيدة أو سيئة. لعب كرة القدم هو متعة كبيرة، وهذا جيد. ولكن عندما يبدأ مشاغبو كرة القدم في القتال مع مشجعي الفريق الآخر، فهذا أمر سيئ.
> تؤكد بأسى وبأمثلة حقيقية أن العلم غير قادر على تحديد أولوياته وغير قادر على تحديد ما يجب فعله باكتشافاته، لأنه محكوم بقيود سياسية واقتصادية. إلى أين سيأخذنا هذا كبشر في الحروب «البيولوجية» و«الكيميائية» و«الذكاء الاصطناعي» التي تلوح في الأفق؟ وهل ترى انتشار «كوفيد - 19» والطريقة التي تفاعلت بها الحكومات في بداية الوباء هي ناقوس اليقظة؟
- أظهرت جائحة «كوفيد - 19» القوة الهائلة لعلمنا، وكذلك ضعف سياساتنا. لقد كان نصراً علمياً مصحوباً بكارثة سياسية. تعاون العلماء من جميع أنحاء العالم للتعرف على الفيروس واكتشاف كيفية منعه من الانتشار وتطوير لقاح. السياسيون فشلوا في التعاون. بعد مرور عام على بداية الوباء، وما زلنا لا نملك أي قيادة عالمية، ولا أي خطة عالمية لوقف الوباء، أو أي خطة عالمية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية. يجب أن يكون هذا بالتأكيد بمثابة دعوة للاستيقاظ. سيتطلب التعامل مع تغير المناخ وظهور الذكاء الاصطناعي مزيداً من التعاون العالمي أكثر من التعامل مع «كوفيد - 19». إذا لم نتمكن من التوحد للدفاع عن المصالح المشتركة للبشرية، فإن نهايتنا ستكون حتمية.
> يقول ويليام روبسون في كتابه «الحصار العظيم للتاريخ» قبل أكثر من 200 عام إن «الأحداث الأخيرة أثبتت أنه رغم أحلام الفلاسفة وآمال المحسنين، فإن الألفية لم تصل بعد؛ لا يمكن للحمل أن يرقد بسلام مع الأسد. لقد حقق العلم المعجزات في سبيل توفير وسائل الراحة والكماليات للإنسان؛ وكان للأدب والفن تأثيرهما العبقري على حياته وأخلاقه؛ وقربّت التجارة الدول البعيدة جغرافياً عن بعضها البعض بعلاقات أكثر حميمية. ومع ذلك، فإن جذور كل الشرور - المصالح والعواطف والطموحات - ما زالت نشطة في تعزيز الخلاف، كما هو الحال في أحلك فترات تاريخ العالم» هل توافقه الرأي؟ إذا كان الأمر كذلك، ففي أي فترة من التاريخ البشري استقر هذا «الشر» في روح الإنسان وهل يمكن اقتلاعه من جذوره؟
- خلال القرن الماضي حققت البشرية الكثير. العالم اليوم أكثر سلاماً وازدهاراً من أي وقت مضى. الآن ولأول مرة في التاريخ، يقتل العنف عدداً أقل من الناس من الحوادث، والمجاعة تقتل عدداً أقل من الناس من السمنة، والأوبئة تقتل عدداً أقل من كبار السن. لكن بالطبع لا يزال الجانب المظلم للبشرية موجوداً، والمخاطر أكبر من أي وقت مضى. أسلحتنا النووية قد تدمرنا. قد تؤدي التغيرات المناخية التي نتسبب فيها إلى عدم توازن النظام البيئي بأكمله. الذكاء الاصطناعي قد يخلق أسوأ الأنظمة الشمولية في التاريخ. مع الهندسة الحيوية، لدينا القدرة على تغيير القواعد الأساسية لتطور الحياة. لدينا قوة هائلة، ولكن من المشكوك فيه أن تكون لدينا الحكمة لاستخدامها بشكل صحيح.
> ذكرت في كتاب «العاقل» مثالاً عن شخص وُلد في برلين عام 1900 وعاش (افتراضاً) حتى سن المائة، ومر خلال حياته بخمسة أنظمة - آيديولوجيات اجتماعية وسياسية مختلفة؛ من إمبراطورية هونزولرن، جمهورية فايمار، الرايخ الثالث (النازية)، ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى ألمانيا الموحدة الديمقراطية. سواء كان ذلك بسبب تطور الإدراك البشري، أو مجرد «التكيف من أجل البقاء»، هل ترى «خطراً» في ذلك؟ أقصد إمكانية التأثير وقلب آراء وقناعات العامة بهذه السرعة وجعلهم مجرد خراف؟
- لقد كانت القدرة على التكيف مفتاح نجاح جنسنا البشري. ويوضح المثال الذي استشهدت به عن ألمانيا أن المجتمعات ليست محددة سلفاً. في عام 1945، أعتقد كثير من الناس أن الألمان قد تم تكييفهم وفقاً لتاريخهم وثقافتهم وربما حتى بيولوجيتهم ليكونوا عنيفين وسلطويين. ومع ذلك، تُعد ألمانيا اليوم واحدة من أكثر الدول ديمقراطية وسلمية في العالم. لم يتطلب ذلك انتقال الألمان إلى بلد آخر أو تغيير حمضهم النووي أو التخلي عن لغتهم وثقافتهم. لكنها تطلبت من الألمان أن يكونوا صادقين بشأن تاريخهم، وأن يعترفوا بأخطاء الماضي. الخطر الأكبر ليس عندما تتغير المجتمعات، بل عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها.
> ذكرت في أكثر من مناسبة أن الفجوة بين الجنسين ستتقلص في المستقبل بسبب التقدم العلمي السريع. هل تعتقد أن الفجوة بين الجنس البشري سوف تتقلص؟ وكيف تتخيل العالم بعد ذلك؟
- في تجمعات الصيادين القديمة، كان الجميع متساوين. لكن أثناء الثورة الزراعية، في الوقت الذي بدأ فيه البشر في تحويل الماعز والأبقار إلى ممتلكات، أعتقد بعضهم أنه إذا كان بإمكانه امتلاك ماعز، فربما يمكنه أيضاً امتلاك إنسان. كان ذلك عندما تحول بعض الناس إلى عبيد، وعندها بدأ العديد من الرجال ينظرون إلى النساء على أنهن جزء من ممتلكاتهم. من الناحية التطورية، هذا التغيير حديث جداً، ولم يدم طويلاً. في القرون القليلة الماضية، تم إلغاء العبودية، وحصلت النساء على قدر أكبر من المساواة، وكذلك فعلت العديد من المجموعات الأخرى.
لكن لا يوجد قانون في الطبيعة ينص على أن البشر سيصبحون أكثر مساواة من الآن فصاعداً. مثلما استعبدت الثورة الزراعية الكثير من الناس، فإن الثورات التكنولوجية الجديدة في القرن الحادي والعشرين قد تستعبد أيضاً العديد من الناس. الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، قد يمكّن نخبة صغيرة، ويثريها ويخلق أنواعاً جديدة من الديكتاتوريات الرقمية. لأول مرة في التاريخ، قد يصبح من الممكن للديكتاتور أن يتتبع كل الناس في كل وقت. لمنع مثل هذه المخاطر، يجب أن نضمن أن منافع التقنيات الجديدة يتم تقاسمها بين جميع الأشخاص، وأن لا أحد يحتكر ويحصر جميع بياناتنا في مكان واحد.



«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.