هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

صاحب {موجز تاريخ الانسانية} عن عالمنا المعاصر ومآله و«كورونا» التي «كشفت السياسيين»

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري
TT

هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري

كنت ولا أزال أرى أن كتاب «موجز تاريخ الإنسانية» لج. هـ. ويلز (1922) من الكتب المهمة لقراءة التاريخ بشكل شامل وموضوعي، وتحديداً لغير المتخصصين في دراسة التاريخ.
لكنني أرى أن كتاب «العاقل» أو «الإنسان الأول» للمؤرخ وعالم المستقبليات الإسرائيلي بروفسور يوفال نوح هراري، لا يقل أهمية عن كتاب ويلز، خصوصاً من حيث التوقيت، بل ويتميز عنه بهذا التنقل السلس بين الماضي والحاضر مع تلميحات عالية الذكاء لمستقبل البشرية، وخاصة الفصل الخاص بالزراعة الذي يأخذنا فيه المؤلف إلى الخطوة الكبيرة التي اتخذتها الحضارة الإنسانية حينها، بما في ذلك العلاقة الاجتماعية بين الفلاح ومالك الأرض، ثم إلى حمورابي من بلاد ما بين النهرين (1776 قبل الميلاد) وقانونه البابلي للعدالة الاجتماعية إلى إعلان استقلال الولايات المتحدة وكتابة الدستور الأميركي في يوليو (تموز) 1776.
يجد القارئ في هذا الكتاب كثيراً من الوقائع والأحداث التي قد تواجهنا كل يوم أو نسمع أو نقرأ عنها، لكن لا يخطر لنا للتمعن في جوهرها أو أسبابها أو عواقبها المحتملة.
هنا حوار عبر الانترنت مع المؤرخ هراري حول رؤيته لتاريخنا المعاصر، ومآل التطور البشري، والتحديات التي تواجهه، وحول كتاب «العاقل» الذي ترجمه إلى العربية صلاح الفلاحي وحسين العبري، وصدر عن دار نشر «منجول» في الهند:
> لقد ذكرت أن بعض «القصص الخيالية» تمكنت من السفر عبر الأرض وعبر التاريخ، واكتسبت أتباعاً حتى يومنا هذا. في حين أن مفاهيم مثل «حقوق الإنسان» و«العدالة» و«الديمقراطية» لم تتمكن من السفر عبر الأبعاد الجغرافية والتاريخية ذاتها، وبالوتيرة والقوة ذاتها. بماذا تفسر هذا؟ وكيف يمكن تحصين عقولنا واحترامها كبشر في القرن الحادي والعشرين؟
- في الواقع، انتشرت قصص الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم بشكل أسرع بكثير من الأديان، مثل المسيحية التي استغرقت 300 سنة كي تكتسح الإمبراطورية الرومانية و1200 سنة أخرى لتصل إلى أميركا. حتى ذلك الحين، رفض معظم العالم المسيحية. على النقيض من ذلك، في حين أنه في عام 1750 لم تكن هناك دول ديمقراطية في العالم ولم يسمع أي شخص عن حقوق الإنسان، فإن هذه المفاهيم اليوم تهيمن على السياسة العالمية، وقد ساعدت في تحرير مليارات الناس من البؤس والقمع.
وإذا تطلعنا إلى المستقبل، يجب أن نتذكر أن القصص هي أدوات. نحن نحتاج إليها لبناء المجتمعات على نطاق واسع. لكن يجب ألا نسمح لهذه القصص باستعبادنا. لنأخذ «الدول» على سبيل المثال. الدول ليست كيانات فيزيائية أو بيولوجية. هي موجودة فقط في أذهاننا. يمكن أن تكون الأمم شيئاً رائعاً، لأن الإيمان بأمة يجعل الناس يهتمون بالآخر، ويضمن تأمين صحتهم وسلامتهم وتعليمهم. لكن إذا نسينا أن الدول هي «قصص» خلقناها لمساعدة الناس، فقد نبدأ في قتل ملايين الأشخاص من أجل هذا الشيء المتخيل.
السؤال الأهم هو: «من يعاني؟» يمكن أن يعاني البشر. يمكن أن تعاني الحيوانات. لكن الأمة لا يمكن أن تعاني، حتى لو خسرت الحرب. لا عقل لها ولا تشعر بالألم أو الحزن. المعاناة هي أفضل مقياس لتقييم ما إذا كانت القصة مفيدة أم ضارة. إذا كان الإيمان بقصة ما يقلل المعاناة، فهذه قصة جيدة. إذا كان الإيمان بقصة يسبب المعاناة، فهو ضار وسيكون من الأفضل أن نغير تلك القصة.
> عطفاً على السؤال السابق، وكما تقترح في كتابك، لعب «الخيال» الدور الأكبر في توحيد البشرية وتنمية الحضارات، وهذا صحيح بالطبع. هل تعتقد أن الإنسانية، في هذه الفترة الحرجة من «الأخبار المزيفة» وتدفق البيانات، تحتاج إلى المزيد من الخيال أم إلى العلم؟
- عندما أتحدث عن التخيلات fictions، لا أقصد الكذب. أعني الأشياء التي لا توجد إلا في خيالنا. القول بأن اللقاحات تسبب التوحد هو كذبة. إن القول إنك فزت بلعبة كرة القدم بتسجيل أهداف أكثر من منافسك ليس كذبة. إنه خيال. إنها قاعدة موجودة فقط في الخيال البشري. الأكاذيب دائماً سيئة. يمكن أن تكون القصص الخيالية جيدة أو سيئة. لعب كرة القدم هو متعة كبيرة، وهذا جيد. ولكن عندما يبدأ مشاغبو كرة القدم في القتال مع مشجعي الفريق الآخر، فهذا أمر سيئ.
> تؤكد بأسى وبأمثلة حقيقية أن العلم غير قادر على تحديد أولوياته وغير قادر على تحديد ما يجب فعله باكتشافاته، لأنه محكوم بقيود سياسية واقتصادية. إلى أين سيأخذنا هذا كبشر في الحروب «البيولوجية» و«الكيميائية» و«الذكاء الاصطناعي» التي تلوح في الأفق؟ وهل ترى انتشار «كوفيد - 19» والطريقة التي تفاعلت بها الحكومات في بداية الوباء هي ناقوس اليقظة؟
- أظهرت جائحة «كوفيد - 19» القوة الهائلة لعلمنا، وكذلك ضعف سياساتنا. لقد كان نصراً علمياً مصحوباً بكارثة سياسية. تعاون العلماء من جميع أنحاء العالم للتعرف على الفيروس واكتشاف كيفية منعه من الانتشار وتطوير لقاح. السياسيون فشلوا في التعاون. بعد مرور عام على بداية الوباء، وما زلنا لا نملك أي قيادة عالمية، ولا أي خطة عالمية لوقف الوباء، أو أي خطة عالمية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية. يجب أن يكون هذا بالتأكيد بمثابة دعوة للاستيقاظ. سيتطلب التعامل مع تغير المناخ وظهور الذكاء الاصطناعي مزيداً من التعاون العالمي أكثر من التعامل مع «كوفيد - 19». إذا لم نتمكن من التوحد للدفاع عن المصالح المشتركة للبشرية، فإن نهايتنا ستكون حتمية.
> يقول ويليام روبسون في كتابه «الحصار العظيم للتاريخ» قبل أكثر من 200 عام إن «الأحداث الأخيرة أثبتت أنه رغم أحلام الفلاسفة وآمال المحسنين، فإن الألفية لم تصل بعد؛ لا يمكن للحمل أن يرقد بسلام مع الأسد. لقد حقق العلم المعجزات في سبيل توفير وسائل الراحة والكماليات للإنسان؛ وكان للأدب والفن تأثيرهما العبقري على حياته وأخلاقه؛ وقربّت التجارة الدول البعيدة جغرافياً عن بعضها البعض بعلاقات أكثر حميمية. ومع ذلك، فإن جذور كل الشرور - المصالح والعواطف والطموحات - ما زالت نشطة في تعزيز الخلاف، كما هو الحال في أحلك فترات تاريخ العالم» هل توافقه الرأي؟ إذا كان الأمر كذلك، ففي أي فترة من التاريخ البشري استقر هذا «الشر» في روح الإنسان وهل يمكن اقتلاعه من جذوره؟
- خلال القرن الماضي حققت البشرية الكثير. العالم اليوم أكثر سلاماً وازدهاراً من أي وقت مضى. الآن ولأول مرة في التاريخ، يقتل العنف عدداً أقل من الناس من الحوادث، والمجاعة تقتل عدداً أقل من الناس من السمنة، والأوبئة تقتل عدداً أقل من كبار السن. لكن بالطبع لا يزال الجانب المظلم للبشرية موجوداً، والمخاطر أكبر من أي وقت مضى. أسلحتنا النووية قد تدمرنا. قد تؤدي التغيرات المناخية التي نتسبب فيها إلى عدم توازن النظام البيئي بأكمله. الذكاء الاصطناعي قد يخلق أسوأ الأنظمة الشمولية في التاريخ. مع الهندسة الحيوية، لدينا القدرة على تغيير القواعد الأساسية لتطور الحياة. لدينا قوة هائلة، ولكن من المشكوك فيه أن تكون لدينا الحكمة لاستخدامها بشكل صحيح.
> ذكرت في كتاب «العاقل» مثالاً عن شخص وُلد في برلين عام 1900 وعاش (افتراضاً) حتى سن المائة، ومر خلال حياته بخمسة أنظمة - آيديولوجيات اجتماعية وسياسية مختلفة؛ من إمبراطورية هونزولرن، جمهورية فايمار، الرايخ الثالث (النازية)، ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى ألمانيا الموحدة الديمقراطية. سواء كان ذلك بسبب تطور الإدراك البشري، أو مجرد «التكيف من أجل البقاء»، هل ترى «خطراً» في ذلك؟ أقصد إمكانية التأثير وقلب آراء وقناعات العامة بهذه السرعة وجعلهم مجرد خراف؟
- لقد كانت القدرة على التكيف مفتاح نجاح جنسنا البشري. ويوضح المثال الذي استشهدت به عن ألمانيا أن المجتمعات ليست محددة سلفاً. في عام 1945، أعتقد كثير من الناس أن الألمان قد تم تكييفهم وفقاً لتاريخهم وثقافتهم وربما حتى بيولوجيتهم ليكونوا عنيفين وسلطويين. ومع ذلك، تُعد ألمانيا اليوم واحدة من أكثر الدول ديمقراطية وسلمية في العالم. لم يتطلب ذلك انتقال الألمان إلى بلد آخر أو تغيير حمضهم النووي أو التخلي عن لغتهم وثقافتهم. لكنها تطلبت من الألمان أن يكونوا صادقين بشأن تاريخهم، وأن يعترفوا بأخطاء الماضي. الخطر الأكبر ليس عندما تتغير المجتمعات، بل عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها.
> ذكرت في أكثر من مناسبة أن الفجوة بين الجنسين ستتقلص في المستقبل بسبب التقدم العلمي السريع. هل تعتقد أن الفجوة بين الجنس البشري سوف تتقلص؟ وكيف تتخيل العالم بعد ذلك؟
- في تجمعات الصيادين القديمة، كان الجميع متساوين. لكن أثناء الثورة الزراعية، في الوقت الذي بدأ فيه البشر في تحويل الماعز والأبقار إلى ممتلكات، أعتقد بعضهم أنه إذا كان بإمكانه امتلاك ماعز، فربما يمكنه أيضاً امتلاك إنسان. كان ذلك عندما تحول بعض الناس إلى عبيد، وعندها بدأ العديد من الرجال ينظرون إلى النساء على أنهن جزء من ممتلكاتهم. من الناحية التطورية، هذا التغيير حديث جداً، ولم يدم طويلاً. في القرون القليلة الماضية، تم إلغاء العبودية، وحصلت النساء على قدر أكبر من المساواة، وكذلك فعلت العديد من المجموعات الأخرى.
لكن لا يوجد قانون في الطبيعة ينص على أن البشر سيصبحون أكثر مساواة من الآن فصاعداً. مثلما استعبدت الثورة الزراعية الكثير من الناس، فإن الثورات التكنولوجية الجديدة في القرن الحادي والعشرين قد تستعبد أيضاً العديد من الناس. الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، قد يمكّن نخبة صغيرة، ويثريها ويخلق أنواعاً جديدة من الديكتاتوريات الرقمية. لأول مرة في التاريخ، قد يصبح من الممكن للديكتاتور أن يتتبع كل الناس في كل وقت. لمنع مثل هذه المخاطر، يجب أن نضمن أن منافع التقنيات الجديدة يتم تقاسمها بين جميع الأشخاص، وأن لا أحد يحتكر ويحصر جميع بياناتنا في مكان واحد.



«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضماناً مطلقاً للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقاً لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء. وفي هذا الإطار، لا يقدِّم العمل، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزاً تقليدياً، بل مدخلاً لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.

المسلسل، المعروض على منصة «يانغو بلاي»، من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، تدور أحداثه عبر 10 حلقات، ويشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد. وقد احتفل فريق العمل بعرض أولى الحلقات داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة.

تدور الأحداث داخل عالم قانوني معقَّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟ ومن يملك القدرة على فرض روايته؟

ملصق ترويجي للمسلسل (يانغو بلاي)

​ من خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي»، التي يجسدها عمرو يوسف، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

تتشكَّل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبنّي أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلاً من المواجهة المباشرة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول «صانع الحلول» إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة «ليلى والي»، التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.

هذا التحول يضع البطل أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار. وتصبح «ليلى»، التي عاشت زواجاً مضطرباً تغلّفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال «يوسف عدلي ثابت» (سامي الشيخ)، محوراً لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.

ويطرح المسلسل توازياً حاداً بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظّم؛ إذ يبرز «الديب» (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيداً من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه «خالد» عن بُعد، مجسداً سلطة خفية تحمي دون أن تظهر.

فريق العمل خلال الاحتفال ببدء العرض (يانغو بلاي)

وقال آدم عبد الغفار، مؤلف العمل ومخرجه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه سعى منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات، مشيراً إلى أن مرحلة الكتابة، بشقيها التحضيري والفعلي، استغرقت ما بين 3 إلى 4 سنوات من التطوير.

وأوضح أنه يفضِّل العمل بوصفه مخرجاً يكتب نصوصه بنفسه، لما يوفره ذلك من تماسك في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك. ومع ذلك، أكد أنه لا يمانع إخراج أعمال من كتابة آخرين، إذا وجد فيها ما يُثير اهتمامه على المستوى الفني.

وعن بناء شخصية «الفرنساوي»، أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركّبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقاً نفسياً ودرامياً لافتاً. وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيداً عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عن اختياره للفنان عمرو يوسف، موضحاً أنه كان حاضراً في ذهنه منذ المراحل الأولى للكتابة، حتى قبل طرح اسمه رسمياً، وهو ما ساعده على بلورة ملامح الشخصية بدقة أكبر، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع الداخلي، بما يتماشى مع طبيعة العمل.

وفيما يتعلق بالجانب البصري، أشار إلى أن فريق العمل تنقَّل بين 83 موقع تصوير، سعياً لخلق بيئة بصرية متنوعة تعكس ثراء العالم الدرامي وتعزز الإحساس بالواقعية. وأكَّد أن هذا التعدد لم يكن بهدف الاستعراض، بل جاء في خدمة السرد، لتقديم صورة متكاملة تواكب الطرح الدرامي، وتمنح العمل خصوصيته على مستويي الشكل والمضمون.


حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، بعدما سجَّلت أسعار بعض فئات التذاكر مليون جنيه (الدولار يساوي 52.5 جنيه في البنوك) بحفل الفنان المصري عمرو دياب المُقرَّر إقامته في الجامعة الأميركية مطلع مايو (أيار)، وهي تذكرة متاحة للحجز توفِّر 15 مكاناً بموقع متميز داخل الحفل.

وخلال الفترة الماضية شهدت أسعار التذاكر زيادات بشكل مطرد بما فيها تذاكر حفلات دار الأوبرا المصرية، والنسخة الماضية من «مهرجان الموسيقى العربية»، في وقت سجَّل فيه متوسط أسعار التذاكر في الحفلات الجماهيرية 500 جنيه على الأقل، مع محدودية هذه الأسعار وعدم إتاحتها في عدد كبير من الحفلات وفق متابعين.

وعادة ما تُقام حفلات النجوم العرب في مصر بأسعار أعلى من حفلات النجوم المصريين لتقاضيهم أجورهم بالدولار الأميركي، بينما تبلغ أسعار أقل فئة في حفلات بعض النجوم على غرار عمرو دياب وأنغام ألف جنيه، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور المُقرَّر قانوناً في مصر نحو 7 آلاف جنيه قبل خصومات التأمين والضرائب.

جانب من حفل فرقة «كايروكي» بالساحل الشمالي (حساب الفرقة على «فيسبوك»)

وقال مُنظِّم الحفلات وديع عزمي لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة عوامل تتحكم في وضع تذاكر الحفلات، في مقدمتها الأجور التي يتم سدادها ليس فقط للفنان، ولكن أيضاً للفرقة الموسيقية المصاحبة له، والعمالة المختلفة التي زادت أجورها على خلفية ارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى أنَّ مُنظِّم الحفل يسعى لوضع سعر يجعله قادراً على تغطية تكلفة تنظيم الحفل من التذاكر.

وأضاف: «بعض الحفلات الكبرى يلعب الرعاة فيها دوراً كبيراً بتحمل جزء من التكلفة، حيث لا يكون عائد بيع التذاكر هو المصدر الوحيد لتغطية تكاليف الحفل»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يسهم أحياناً في تخفيض سعر التذكرة لكن زيادة تكلفة جميع العوامل المرتبطة بالحفلات تدفع لزيادة أسعار التذاكر بشكل مستمر، الأمر الذي يكون له تأثير على الحضور الجماهيري بمختلف فئاته».

تكاليف متزايدة

وعزا الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد، ظاهرة ارتفاع أسعار تذاكر الحفلات الغنائية إلى التكاليف المتزايدة التي يتحمَّلها المُنظِّمون، وتشمل أجور النجوم الكبار، سواء من داخل مصر أو خارجها، و المصروفات الضخمة التي تتعلَّق بتجهيزات المسرح، والتقنيات الصوتية، والدعاية، والتأمين.

وأوضح أن «هذه العناصر مجتمعة تضاعفت تكلفتها بشكل كبير في ظلِّ موجة الغلاء الحالية؛ ما يدفع المُنظمين إلى التعامل مع الحفل بوصفه (منتجاً) يخضع لقواعد السوق، وعلى رأسها العرض والطلب، وهو ما يبرِّر رفع أسعار التذاكر، أو الاعتماد بشكل أكبر على الرعاة لتحقيق التوازن المالي، وضمان تحقيق أرباح».

جانب من حفل كبير لمحمد حماقي في الإسكندرية العام الماضي (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف محمود فوزي السيد: «هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الجمهور، وأصبحت الحفلات الكبرى مقتصرة على فئات محدودة قادرة على تحمل الأسعار المرتفعة؛ ما أدى إلى تقلص القاعدة الجماهيرية لها»، مشيراً إلى أنَّ حضور حفل غنائي بات يتطلب ميزانيةً مرتفعةً لا تتناسب مع شريحة واسعة من الجمهور، الأمر الذي أفقد الحفلات طابعها الجماهيري الذي كانت تتمتع به في فترات سابقة.

ارتفاع معدلات التضخم

رأي دعمه الناقد الموسيقي مصطفى حمدي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن حضور حفل موسيقي أصبح أمراً ضاغطاً اقتصادياً على الأسر التي تنتمي للطبقة المتوسطة؛ بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الحفلات، وهو ما انعكس حتى على كثافة حضور الحفلات الجماهيرية التي كانت تسجِّل حضوراً بأرقام تصل إلى 60 أو 70 ألف شخص، ولم تعد موجودة تقريباً في الوقت الحالي».

ووفق تقرير صدر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» المصري، في سبتمبر (أيلول) 2020 فإنَّ نسبة الفقر بلغت 29.7 في المائة عن عام 2019 - 2020، مع وضع مبلغ 857 جنيهاً شهرياً و10279 جنيهاً سنوياً خطاً للفقر، بينما بلغ حدُّ الفقر المدقع 550 جنيهاً شهرياً والسنوي 6604 جنيهات على أساس سعر صرف 16 جنيهاً لكل دولار، بينما يسجِّل الدولار اليوم بالبنوك نحو 52.5 جنيه.

ومع غياب الأرقام الرسمية الحديثة بشأن نسب الفقر، فقد أشار تقرير للبنك الدولي إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن عام 2022.

ويؤكد حمدي أنَّ زيادة معدلات التضخم انعكست بشكل لافت على الترفيه الذي تمثل الحفلات الموسيقية أحد جوانبه، مشيراً إلى «غياب مشهد الحضور الأسري عن الحفلات كما كان سابقاً، بالإضافة إلى محدودية الحفلات الجماهيرية الكبيرة التي تُقام لنجوم الصف الأول». على حد تعبيره.

وهنا يستعيد محمود فوزي السيد مشهد الحفلات الغنائية بالجامعات التي كانت تلعب دوراً مهماً في إتاحة الفن للشباب من خلال استضافة نجوم كبار مثل عمرو دياب، وتامر حسني، ومحمد حماقي، مما يوفر متنفساً فنياً بأسعار مناسبة للطلاب، إلا أن هذه الظاهرة تراجعت بشكل ملحوظ، ما أسهم في تضييق فرص الوصول إلى الحفلات، خصوصاً لدى الفئات الشابة.

تشهد أسعار تذاكر الحفلات ارتفاعاً كبيراً (حساب تامر حسني على «فيسبوك»)

وشدَّد على ضرورة تدخل وزارة الثقافة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية، لإعادة التوازن إلى سوق الحفلات من خلال تنظيم فعاليات جماهيرية بأسعار مناسبة، مؤكداً أنَّ تفعيل هذا الدور من شأنه توسيع قاعدة الجمهور وإعادة الحفلات إلى طبيعتها بوصفها فناً متاحاً للجميع، خصوصاً مع أهمية موسم الصيف الذي يفترض أن يشهد نشاطاً مكثفاً في هذا المجال.

ويُعدُّ الصيف هو الموسم الأبرز للحفلات في مصر، والتي لا تقتصر على المدن الساحلية فحسب ولكن أيضاً على العاصمة، بينما شهد موسم عيد الفطر وأعياد الربيع حفلات محدودة غاب عنها النجوم العرب بشكل لافت.


«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
TT

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية، التي اختارها ضيفة شرفٍ لدورته السادسة، التي انطلقت يوم الجمعة 24 أبريل (نيسان). كما يستعيد أبرز أعمال المخرج الراحل يوسف شاهين، في إطار الاحتفال بذكرى مئوية ميلاده.

كانت وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، الدكتورة مليكة بن دودة، قد افتتحت المهرجان بحضور محافظه محمد علال، حيث ذكرت في كلمتها أن المهرجان يُعدّ امتداداً لإرث حضاري عريق.

وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية تكرم الفنان صالح أوقروت (إدارة المهرجان)

وكرّمت الوزيرة 4 شخصيات خلال حفل الافتتاح، ومنحتهم جائزة «العناب لإنجاز الحياة»، وهم: المخرج العالمي بيل أوغست، الحائز على جائزة الأوسكار والسعفة الذهبية لمهرجان «كان» مرتين، والفنان الجزائري صالح أوقروت، تقديراً لحضوره المميز في الأعمال الكوميدية والدرامية، والفنانة الجزائرية بهية رشيد، التي أثرت الساحة الفنية في الجزائر على مدى مسيرة حافلة بالعطاء، والنجمة المصرية إلهام شاهين، صاحبة المسيرة الحافلة التي جعلت منها إحدى أبرز أيقونات الشاشة العربية.

وعبّرت الفنانة إلهام شاهين عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ممتنّة جداً وسعيدة بهذا التكريم؛ فهو تتويج لمسيرتي الفنية، ويؤكد أن اختياراتي كانت صحيحة، وأن لهذه المسيرة أثراً»، وأضافت: «من الرائع أن يأتي تكريمي في دورة تكون فيها مصر ضيفة الشرف، وفي ظل الاحتفال بمئوية المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي أتشرف به».

ملصق لاحتفاء مهرجان «عنابة» بمئوية يوسف شاهين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى حبها للجزائر، مؤكدة أنها تحمل لها ذكريات جميلة؛ إذ سبق تكريمها رفقة النجمة وردة من قبل الرئيس الأسبق بوتفليقة، كما حضرت «مهرجان وهران» مرتين، وحصلت على جائزتي أفضل ممثلة وأفضل فيلم عن «خلطة فوزية»، الذي كان من إنتاجها أيضاً، إضافة إلى مشاركتها في دورة أخرى عضواً في لجنة التحكيم.

وشهد المهرجان حضوراً لافتاً لفنانين مصريين، من بينهم: المخرج خالد يوسف، وسهير المرشدي، ورانيا فريد شوقي، وسيف عبد الرحمن، ومدير التصوير السينمائي سمير فرج، الذي يقدّم «ماستر كلاس» في فن التصوير السينمائي.

واستهلَّ المهرجان فعالياته بافتتاح معرض «يوسف شاهين والسينما الجزائرية»، الذي تستضيفه محطة القطار بعنابة، ويتضمن صوراً له ولأفلام أخرجها بين مصر والجزائر، من بينها «عودة الابن الضال» (1976)، و«جميلة بوحريد» (1958).

وتحت عنوان «الإنتاج المشترك المتوسطي: عودة الابن الضال بعد 50 عاماً»، يُنظّم المهرجان ندوة موسَّعة في إطار مئوية يوسف شاهين، بمشاركة المخرج خالد يوسف، والفنانة سهير المرشدي، والفنان سيف عبد الرحمن، ومن الجزائر المخرج أحمد راشدي، وأحمد بجاوي، وسليم عقار.

ويستعيد المهرجان، ضمن برنامج «ذاكرة شاهين»، 3 من أبرز أفلامه، مقدّماً إياها في عروض جماهيرية تتيح إعادة اكتشاف عبقرية شاهين والتأمل في رؤيته الفريدة للإنسان والمجتمع والهوية، وهي أفلام: «باب الحديد»، و«عودة الابن الضال»، و«النيل والحياة».

ويحتفي المهرجان باختيار مصر ضيفَة شرفٍ لدورته السادسة؛ إذ ذكر محافظ المهرجان، محمد علال، أن هذا الاختيار يُعدّ استحضاراً لتاريخ سينمائي عريق مشترك، امتدّ لأكثر من 50 عاماً من التعاون والإبداع بين البلدين. كما يقيم المهرجان ندوةً حول 130 عاماً من السينما المصرية، بمشاركة نقاد مصريين.

ملصق الدورة السادسة من المهرجان (فيسبوك)

وقال الناقد المصري زين خيري لـ«الشرق الأوسط»، إن احتفاء «عنابة» بالسينما المصرية ومئوية يوسف شاهين يعكس عمق العلاقة بين مصر والجزائر، خصوصاً في مجال السينما، مشيراً إلى أن التعاون بين شاهين والسينمائيين الجزائريين كان واسعاً وممتداً، إذ أخرج أفلاماً عن الثورة والمقاومة.

وعدّ خيري مشاركته، إلى جانب نقاد مصريين، في ندوة «السينما المصرية في 130 عاماً» من الندوات المهمة في المهرجان، مؤكداً أن «مهرجان عنابة»، من خلال متابعته له منذ انطلاقه، جادٌّ ومتميِّز، ويولي اهتماماً كبيراً باختياراته من الأفلام، والضيوف، والفعاليات.

يُذكر أن الدورة الـ6 من مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي»، المتخصص في أفلام دول البحر المتوسط، تشهد عرض 55 فيلماً من 20 دولة، من بينها 13 فيلماً يُعرض عالمياً للمرة الأولى.