روسيا تدفع بمئات العسكريين وأسلحة ثقيلة إلى أفريقيا الوسطى

جماعات معارضة تهدد حكم الرئيس المدعوم من موسكو

موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
TT

روسيا تدفع بمئات العسكريين وأسلحة ثقيلة إلى أفريقيا الوسطى

موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)

اتسعت ملامح الدخول الروسي القوي على خط الأزمة السياسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد «محاولة انقلاب» مزعومة قامت بها ثلاث مجموعات متمردة معارضة للرئيس المنتهية ولايته فوستين أرشانج تواديرا، المدعوم من موسكو، قبل أيام فقط من موعد إجراء انتخابات رئاسية ونيابية جديدة. وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الحياة في العاصمة بانغي كانت تسير بنسق عادي أمس، وسط مظاهر تجهيز لعيد الميلاد. لكن يصعب على السكان تجاهل التهديد، إذ لا تزال ذكريات رعب عام 2013 حاضرة في أذهانهم. فحينها، أطاح تحالف جماعات مسلحة ذات غالبية مسلمة تسمى «سيليكا» بالرئيس فرنسوا بوزيزيه، ما خلف مواجهات وسقوط آلاف القتلى في بانغي ومحافظات أخرى.
وأعلن الكرملين، أمس، عن قلقه البالغ مما يجري في أفريقيا الوسطى. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، إن موسكو «تتابع تطورات الموقف»، في حين لفتت تقارير إلى نشر مئات العسكريين الروس وزج أسلحة ثقيلة لمساعدة الرئيس فوستين تواديرا على مواجهة التمرد. ورغم أن موسكو حافظت على تكتم حول تحركاتها على المستوى الرسمي، لكن بدا أن تطورات الوضع الميداني دفعت إلى توسيع التدخل في هذا البلد، خصوصاً بعدما هزم المسلحون الذين يحاولون منع إعادة انتخاب رئيس الدولة لولاية ثانية، وحدات القوات المسلحة لجمهورية أفريقيا الوسطى، التي يقاتل معها مرتزقة من شركة «فاغنر» الروسية. وكان المتمردون نجحوا في الاستيلاء على المركز الإداري لمحافظة لوباي، مدينة مبايكي، ما يعني توسيع سيطرتهم على وسط المنطقة الواقعة إلى الجنوب والغرب من بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، التي كانت تعتبر الأكثر أماناً في البلاد.
وقال بيسكوف في إفادة موجزة، أمس، إن «المعلومات التي تأتي من هناك مدعاة للقلق الشديد... على حد علمنا حتى الآن لا يوجد تهديد لحياة المواطنين الروس، لكن هذا هو أحد الأسباب التي تجعلنا نراقب الأخبار الواردة عن كثب».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسي مساء أمس عن دبلوماسي روسي نفيه ارسال جنود إلى جمهورية افريقيا الوسطى. لكن بدا من كلامه أنه ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن يكون هؤلاء من المرتزقة.
ومع قيام رواندا التي كانت نشرت وحدات من قوات الفصل في إطار مهمة دولية لحفظ السلام، بإرسال مئات من المقاتلين لتعزيز قواتها التي تعرضت لهجمات، حمل الإعلان عن زج قوات روسية نظامية مؤشراً إضافياً إلى سعي موسكو لتعزيز حضورها العسكري في هذا البلد، بالاستناد إلى اتفاق تعاون عسكري سابق كان الطرفان أبرماه في 2017.
معلوم أن رئيس الجمهورية كان عهد منذ فترة طويلة بالأمن إلى حراس شخصيين وظفتهم شركات عسكرية روسية خاصة.
وقالت تقارير، أمس، إن الجيش الروسي طلب من جميع سكان العاصمة مغادرة المدينة قبل بدء هجوم واسع النطاق. وأشارت إلى أن رئيس الدولة «يخضع لحراسة مشددة من قبل العسكريين الروس».
ووفقاً للمعطيات، فإن المحاولة الانقلابية التي شارك فيها تحالف يضم ثلاث مجموعات مسلحة قوية تهدف إلى عرقلة الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المقرر يوم الأحد (27 ديسمبر/ كانون الأول). وأثار تقدم القوات المتمردة التي تسيطر على معظم البلاد نحو بانغي على طول الطرق السريعة الرئيسية مخاوف لدى الروس من انهيار مفاجئ للسلطات المدعومة من موسكو.
ونقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني ومصدر في مطار العاصمة، أن طائرات روسية عدة هبطت في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى خلال اليومين الماضيين، ونقلت مئات الجنود وأسلحة ثقيلة.
كان رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى طلب في عام 2017 من الرئيس فلاديمير بوتين المساعدة في تجهيز القوات المسلحة للبلاد بالأسلحة والذخيرة. وتفيد معطيات بأنه منذ بداية التعاون العسكري مع حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى، نشطت روسيا بشكل متزايد في هذا البلد، وانتقلت من التدريبات العسكرية إلى نشر الوحدات في أماكن عدة، وصولاً إلى تشكيل الحماية للرئاسة، ما جعل جمهورية أفريقيا الوسطى تتحول إلى رمز قوي للوجود الروسي في القارة في غضون بضعة أشهر.
كانت وزارة الخارجية الروسية أفادت السبت بأن نائب وزير الخارجية والمبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف، أجرى محادثات مع نظيرته في جمهورية أفريقيا الوسطى سيلفي بايبو تيمون، تم خلالها التطرق إلى «تطورات الوضع في جمهورية أفريقيا الوسطى وحولها، بما في ذلك الانتخابات العامة في هذا البلد». وكانت موسكو تأمل في أن ينجح الرئيس الحالي في تمديد ولايته خلال الانتخابات المقبلة، لكن التحالف من أجل المعارضة الديمقراطية دعا الأحد إلى تأجيل التصويت «حتى استعادة السلام والأمن». وتتهم أوساط روسية الرئيس السابق للبلاد فرنسوا بوزيزيه، الذي يترأس هذا التحالف، بتنظيم التمرد المسلح لإطاحة الرئيس وتأجيل الاستحقاق الانتخابي.
وكان من المفترض أن يكون الرئيس السابق هو المنافس الرئيسي للرئيس الحالي في الانتخابات المقبلة. لكن المحكمة العليا لجمهورية أفريقيا الوسطى منعت سابقاً بوزيزيه من الترشح، لأنه مطلوب في عدد من التهم، بما في ذلك القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب. ورغم دعوات المعارضة لتأجيل الانتخابات بسبب اندلاع أعمال العنف، تصر السلطات على إجراء التصويت في موعده.
وقال المتحدث باسم الحكومة أنج مكسيم كازاجي، «لا توجد خطة بديلة. ستجرى الانتخابات في 27 ديسمبر (كانون الأول)».
في غضون ذلك، اعتبرت فرنسا، الاثنين، أن إجراء الانتخابات في موعدها الأحد ضروري لتجنب أي «فترة من عدم الاستقرار من شأنها إعادة تفعيل مشاريع البعض للاستيلاء على السلطة بالقوة»، حسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر بالرئاسة الفرنسية. ورفض المصدر التعليق على التعزيزات التي أرسلتها كل من روسيا ورواندا، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة «قامت بمهمتها بشكل جيد في الأيام القليلة الماضية».

موسكو تعزز حضورها في أفريقيا عبر الاقتصاد و«المرتزقة»
> تشير وسائل إعلام إلى أن توسيع روسيا وجودها في أفريقيا، عبر مجموعات «فاغنر» التي نشطت بشكل واسع في عدد من البلدان الأفريقية، شكل في كثير من الحالات مقدمة لحضور عسكري مباشر للجيش النظامي الروسي.
وكانت الالتفاتة الروسية القوية نحو أفريقيا بدأت تأخذ مساراً متسارعاً منذ عام 2012 بعد عودة الرئيس فلاديمير بوتين إلى مقعد الرئاسة. في ذلك الحين قال بوتين إن تقوية العلاقات مع البلدان الأفريقية يعد إحدى أولويات السياسة الخارجية الروسية.
ولا يخفى أن موسكو تستند في تعزيز وجودها في أفريقيا بشكل عام، إلى علاقات تاريخية ربطتها بدول القارة الأفريقية منذ عهد الاتحاد السوفياتي. لكن خلافاً لعهود تحكمت فيها مساعي الترويج والداعية الآيديولوجية، فإن البراغماتية والمصالح المباشرة، خصوصاً لدى عدد من الجمهوريات الأفريقية لتنويع خياراتها في السياسة الخارجية، غدت العنصر الحاسم لتعزيز هذا النهج. وأثار الطموح الروسي مخاوف القوى الغربية من تمدد موسكو في القارة السمراء، وانسحب هذا على «التنافس» الروسي - الفرنسي في أكثر من بلد أفريقي، بينها أفريقيا الوسطى، وعلى التنافس كذلك مع الولايات المتحدة التي يقول خبراء روس إن نفوذها انحسر بقوة خلال سنوات. وتعزز روسيا صلاتها السياسية في المنطقة، إذ زار 12 قائداً أفريقياً البلاد منذ عام 2015. وشهد عام 2018 وحده ست زيارات. وتوجت روسيا هذا المسار العام الماضي بتنظيم أول قمة روسية - أفريقية في سوتشي.
وتعد روسيا شريكاً دفاعياً مهماً في أفريقيا، وهي أكبر مورد للسلاح في المنطقة. ومنذ عام 2014، وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع حوالي 19 دولة أفريقية. وأبرمت روسيا اتفاقات مع أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية خلال عامي 2017 و2018.
وكان أحدث إعلان عن اتفاق عسكري ضخم مع دولة أفريقية هو الاتفاق الذي قالت موسكو إنه تم إبرامه أخيراً مع السودان لإقامة قاعدة عسكرية بحرية روسية في بورتسودان.
لكن التعاون العسكري مع بلدان القارة لا يقتصر على البعد الرسمي والنظامي، إذ تشير تقارير إلى تعزيز النشاط القوي لشركات عسكرية روسية خاصة في العديد من البلدان الأفريقية، التي تأمل موسكو بالحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واسعة فيها. ومع أن أفريقيا الوسطى كانت بين أوائل البلدان التي تم الكشف فيها عن إرسال وحدات من «مرتزقة فاغنر» لتحويل مسار العمليات العسكرية في جولات من الاقتتال الداخلي فيها، لكن نشاط هذه المجموعات امتد ليشمل عدداً واسعاً جداً من البلدان الأفريقية الأخرى.
ومثلما كان الحال في أفريقيا الوسطى، فقد مهد دخول «المرتزقة» في حالات عديدة أخرى لتوسيع حضور «الخبراء» العسكريين الروس أو وحدات تابعة للجيش النظامي.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.