ووكر بيترز: أردت أن تبتلعني الأرض عندما أخطأت في مواجهة برشلونة

المدافع الإنجليزي عاد ليقدم مستويات رائعة مع ساوثهامبتون بعد عامين من لحظة صعبة عاشها مع توتنهام على ملعب كامب نو

ووكر بيترز (في المقدمة) أصبح من أعمدة دفاع ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
ووكر بيترز (في المقدمة) أصبح من أعمدة دفاع ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
TT

ووكر بيترز: أردت أن تبتلعني الأرض عندما أخطأت في مواجهة برشلونة

ووكر بيترز (في المقدمة) أصبح من أعمدة دفاع ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
ووكر بيترز (في المقدمة) أصبح من أعمدة دفاع ساوثهامبتون (أ.ف.ب)

ارتكب المدافع الإنجليزي الشاب كايل ووكر بيترز خطأ قاتلاً في مباراة توتنهام هوتسبر أمام برشلونة على ملعب «كامب نو» في دوري أبطال أوروبا في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2018، ليحصل النجم الفرنسي عثمان ديمبلي على الكرة وينطلق بها بسرعة هائلة ويسجل هدف التقدم للعملاق الكتالوني، وهو الهدف الذي كان يعني - في حال انتهاء المباراة بهذه النتيجة - خروج السبيرز من البطولة الأقوى في القارة العجوز. ومن المؤكد أن هذه كانت هي اللحظة الأصعب في مسيرة الظهير الأيمن البالغ من العمر 21 عاماً آنذاك.
وبعد مرور عامين على تلك الواقعة، يتذكر كايل ووكر بيترز ما حدث قائلاً: «كنت أريد أن تبتلعني الأرض. كنت مستلقياً على الأرض، وأتذكر أن داني روز جذبني لكي أقف مرة أخرى، وقال لي هاري كين: (لا تقلق، أنت تلعب بشكل جيد، ونحن على ما يرام، استمر). لقد كانت لحظة صعبة للغاية بالنسبة لي».
ونهض كايل ووكر بيترز من على الأرض وواصل اللعب، ونجح توتنهام في إدراك التعادل في الدقائق الأخيرة من اللقاء، وصعد إلى دور الستة عشر بعدما احتل المركز الثاني في المجموعة خلف برشلونة، قبل أن يفوز على مانشستر سيتي، ثم أياكس بطريقة استثنائية ويصل للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخ النادي. لكن لم يكن أي من هذا ليتحقق لولا المجهود الكبير الذي بذله كايل ووكر بيترز في تلك المباراة، ونجاحه الخارق في منع هدف محقق للنجم البرازيلي فيليب كوتينيو، وهو الهدف الذي كان سيعني تقدم برشلونة بهدفين دون رد في الشوط الثاني.
يقول كايل ووكر بيترز: «تعلمت في هذه المباراة ما لم أتعلمه في مسيرتي الكروية بالكامل. والآن، لو ارتكبت خطأ أدى إلى استقبال فريقي لهدف، فلن أتأثر بذلك، ولن يجعلني هذا أفكر في كيفية تصحيح هذا الخطأ، بل سأركز على ما تبقى من عمر اللقاء».
لكن هذا لا يعني أنه يرتكب الكثير من الأخطاء في الوقت الحالي، حيث يقدم المدافع الإنجليزي الشاب مستويات استثنائية مع نادي ساوثهامبتون، وقاده للفوز على شيفيلد يونايتد بثلاثية نظيفة يوم الأحد الماضي، وهو الفوز السادس الذي يحققه الفريق في آخر ثماني مباريات له في الدوري الإنجليزي الممتاز.
ومنذ انتقاله إلى ساوثهامبتون، يلعب كايل ووكر بيترز دورا بارزا في التطور الهائل الذي يشهده أداء الفريق. صحيح أن توتنهام هو الذي منحه فرصة المشاركة في الدوري الإنجليزي الممتاز وعلمه الكثير وساعده على تكوين صداقات قوية في عالم كرة القدم وأعطاه خبرات ودروساً لا تقدر بثمن، لكن ساوثهامبتون، الذي يلعب معه بشكل منتظم في التشكيلة الأساسية ويلعب بحرية كبيرة في مركز الجناح الأيمن تحت قيادة المدير الفني رالف هاسينهوتل، هو المكان الذي وصل فيه كايل ووكر بيترز إلى قمة مستواه.
لقد أثبت كايل ووكر بيترز أنه اتخذ القرار الصحيح عندما رحل عن النادي الذي كان يلعب له منذ طفولته. وبعد فترة إعارة ناجحة في وقت سابق من هذا العام، كان لديه خياران: إما اللعب مع ساوثهامبتون بشكل دائم، أو العودة إلى توتنهام والقتال من أجل حجز مكان له في ناد لم يشارك معه سوى مرات قليلة. يقول الظهير الأيمن الشاب: «كان من الممكن أن ألعب مباراة، ثم أبتعد عن المشاركة في خمس مباريات أخرى، وقد كان هذا أمرا صعبا للغاية بالنسبة لي».
لكن كايل ووكر بيترز لا يشعر بأي ضغينة تجاه السبيرز، ويقول: «ما زلت على اتصال بجميع زملائي هناك، وأتحدث إلى ديلي آلي كل يوم، وكلهم سعداء من أجلي. من المؤكد أن الرحيل عن توتنهام كان صعبا، نظرا لأنني كنت أتدرب وألعب مع عدد من أفضل اللاعبين في العالم، كما كنت أشارك في بطولة دوري أبطال أوروبا، لكنني كنت في مرحلة من مسيرتي الكروية تتطلب أن أظهر للجميع ما يمكنني فعله داخل الملعب».
وعندما سُئل كايل ووكر بيترز عن كيف يبدو هاسينهوتل خلف الأبواب المغلقة، رد قائلاً: «إنه هادئ ومرح جدا، لكن عندما يتعلق الأمر بوقت العمل فإنه يكون في كامل تركيزه. معظم الفرق تغير بعض الأشياء الطفيفة بناء على قوة الخصم الذي تواجهه، لكننا نلعب بالقوة نفسها ونمارس الضغط نفسه أمام كل المنافسين، فنحن نلعب بكل قوة وشراسة ونعمل دائماً على الفوز في المواجهات الفردية».
لكن كيف يمارس الفريق الضغط على المنافسين؟ يقول كايل ووكر بيترز: «إننا نترك الأمر للمهاجمين، الذين يقررون متى نضغط على الفريق المنافس. ونظرا لأن مهاجمينا أصبحوا بارعين في هذا الأمر، فإنهم يعرفون أن بإمكانهم التقدم بنسبة 100 في المائة، لأن بقية عناصر الفريق تكون خلفهم من الضغط ككتلة واحدة. إننا لا نركز حقاً على ما سيحدث إذا فشل هذا الضغط من الأمام، لأننا نعرف جيداً أن باقي خطوط الفرق تضغط من الخلف، فأنا على سبيل المثال لو مر لاعب الفريق المنافس مني فإنني أعرف جيدا أنه تتم تغطيتي بمدافع آخر سوف يعمل جاهداً على قطع الكرة. إننا نلعب بشكل جماعي وكوحدة واحدة، والجميع على استعداد للقتال من أجل بعضهم البعض، وهذا هو السبب الذي يجعلني واثقاً من أننا نقوم بعمل جيد».
وعندما تصل الكرة إلى أقدام كايل ووكر بيترز، فإنه يتمتع بالحرية الكاملة للانطلاق للأمام واستخدام سرعته الهائلة في اختراق دفاعات المنافسين. لقد لعب كجناح حتى سن السادسة عشرة، وبالتالي فهو يمتلك قدرات هجومية هائلة. يقول الظهير الأيمن الشاب عن ذلك: «إنني أتعلم الكثير من خلال مشاهدتي للكثير من المباريات ورؤية ما يمكنني القيام به حقا. لا يمكنك أبداً التوقف عن التعلم. وبالتالي، عندما بدأت اللعب في مركز الظهير الأيمن، كنت أشاهد مباريات لداني ألفيش وفيليب لام كثيراً. إنني أريد أن أكون قادراً على اللعب في أكثر من مركز، وأشعر بأنني قادر على اللعب في مركز الظهير الأيسر».
وتشهد كرة القدم الإنجليزية وفرة غير مسبوقة في مركز الظهير الأيمن، حيث يوجد العديد من اللاعبين المميزين مثل ترينت ألكسندر أرنولد، وكيران تريبير، وكايل ووكر (مانشستر سيتي)، وريس جيمس، وأينسلي ميتلاند - نايلز، وبالتالي يدرك كايل ووكر بيترز جيداً أن المنافسة ستكون صعبة للغاية من أجل الانضمام لقائمة المنتخب الإنجليزي في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2021. يقول الظهير الأيمن لنادي ساوثهامبتون: «هذه المنافسة الصعبة تزيد من حماسي في واقع الأمر، فأنا أحب المنافسة. أنا لا أفكر في هذا الأمر كثيراً، لكن لا يوجد أي سبب يمنع انضمامي لصفوف المنتخب الإنجليزي إذا واصلت القيام بعمل جيد».
لكن كايل ووكر بيترز لا يزال صغيراً في السن، كما أنه لم يلعب سوى 32 مباراة فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو ما يعني أن الوقت ما زال في صالحه لكي يثبت أنه قادر على الانضمام لمنتخب الأسود الثلاثة. لكن الشيء المؤكد أن كايل ووكر بيترز قد أثبت بالفعل للمشككين في قدراته للذين كانوا يرون أنه لن يكون قادرا على اللعب في المستويات الأعلى نظرا لقصر قامته وبنيته الجسدية الضعيفة، أنه قادر على اللعب في مستوى النخبة.
وأشار كايل ووكر بيترز إلى أنه يحاول ألا يقرأ الكثير مما يراه على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: «يتعين عليك أن تفهم أن الناس ستكون لديهم آراء مختلفة. فلو قرأت الكثير من الرسائل الإيجابية عنك فقد يتسرب الغرور إلى نفسك، ولو قرأت الكثير من الآراء السلبية فقد يؤثر ذلك على ثقتك بنفسك. وبالتالي، يتعين عليك أن تبتعد عن هذه الأشياء قدر المستطاع».



هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.