مخاوف شعبية من «تعويم» العملة العراقية

غداة تراجع أسعار صرف الدينار أمام الدولار... والبرلمان يعتزم التدخل

TT

مخاوف شعبية من «تعويم» العملة العراقية

الصدر يتراجع عن «ترميم البيت الشيعي»

دعا إلى «تحالفات عابرة»... وتياره لم يعد يصر على أن رئاسة الوزراء ستكون من نصيبه
بغداد: «الشرق الأوسط»

بعد أيام من دعوته إلى ترميم البيت الشيعي، أعلن ممثلو زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، أمس الثلاثاء، عن إمكانية تشكيل تحالفات خارج البيت الشيعي. الدعوة التي كان أطلقها الصدر قبل أيام لم تتفاعل معها الأحزاب الشيعية إلا بشكل محدود، بينما رأت فيها الأطراف السنية والكردية خروجاً على ما كان يدعو إليه الصدر من تحالفات عابرة. ففيما رحب «تحالف الفتح» بحذر بدعوة الصدر، فإن «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، وقوى وأحزاباً شيعية أخرى، التزمت الصمت، بينما دعا زعيم «ائتلاف النصر» حيدر العبادي إلى ما سماه «ميثاق شرف» وطنياً رداً على تلك الدعوة.
أمس، وخلال مؤتمر صحافي عقده في مقر الصدر بالنجف، قال صلاح العبيدي، الناطق الرسمي باسم الصدر، وحيدر الجابري المسؤول الإعلامي في مكتب الصدر، إنه لا مانع من تشكيل أي تحالف خارج البيت الشيعي. ومثلما تراجع الصدر عن الدعوة إلى ترميم البيت الشيعي، فإنه تراجع كذلك عن الإصرار على الحصول على منصب رئاسة الوزراء، مبيناً أن ذلك مرهون بنتائج الانتخابات.
والانتخابات المقرر إجراؤها في 6 يونيو (حزيران) 2021 مرشحة لأن تعقد في موعد جديد هو نهاية العام المقبل، الأمر الذي أبدى للصدر بالدرجة الأولى أن من المبكر الحديث عن ترميم البيت الداخلي للشيعة وحصر رئاسة الوزراء في «التيار».
وكان الصدر رد قبل أيام على الانتقادات التي وجهت إليه بسبب دعوته، وقال في تغريدة الجمعة الماضي إنه كان أول من وقف «ضد الطائفية، وسارعنا إلى توحيد الصفوف من سنة العراق، فاتهمنا بأبشع الصفات؛ من بينها (ضد التشيع) و(بعثية) و(مع القاعدة)، في زمن كان للسنة سياسيون معتدلون». وأضاف الصدر أن «دعوتنا إلى ترميم البيت الشيعي لا تعني التحالف مع الفاسدين»، مبيناً أنه «في حال تم ترميم البيت الشيعي، فهو خطوة أولى للذهاب إلى البيوت الأخرى».
لكن ممثلي الصدر في مؤتمرهم الصحافي أمس بدوا في وضع مختلف إلى حد كبير. فالعبيدي أكد أنه «من المبكر الحديث عن تحالفات»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «الأبواب مشرعة ومفتوحة أمام القوى الوطنية، ولا مانع من تشكيل تحالف خارج البيت الشيعي». ولفت العبيدي إلى أن «ترميم البيت الشيعي لا يعني تحالفاً طائفياً، والحديث عن تولي منصب رئاسة الوزراء مبني على نتائج الانتخابات». وأكد العبيدي أن «عملية الإصلاح في البلاد ما زالت متعثرة، لا سيما في محاربة الفساد»، موضحاً أن «زعيم (التيار الصدري) مقتدى الصدر دعا إلى أن تكون الانتخابات المقبلة خالية من الوجوه القديمة».
في السياق ذاته؛ أشاد المسؤول الإعلامي في مكتب الصدر، حيدر الجابري، «بالمتظاهرين السلميين، فضلاً عن القوات الأمنية ممن حافظوا على سلمية المظاهرات»، مبيناً أن «الصدر طالب بإكمال التحقيقات بشأن الاعتداءات على المتظاهرين والقوات الأمنية». وأضاف أن «الصدر طالب أيضاً الحكومة بوضع خطة لإعمار مدن الجنوب، فضلاً عن خلق اقتصاد قوي من خلال تفعيل الصناعة الوطنية واستقدام الخبرات»، داعياً «العراقيين عامة والصدريين خاصة إلى تحديث سجلاتهم مما يسهم في إيجاد انتخابات نزيهة وعادلة». وأوضح الجابري أن «الصدر دعا إلى أن تكون الانتخابات المقبلة خالية من الوجوه القديمة».
وكان زعيم «تيار الحكمة»، عمار الحكيم، هو الوحيد الذي انفرد من بين القيادات الشيعية بتكوين تحالف عابر للمكونات والطوائف. وكانت آخر محاولة لتجاوز البيوت الطائفية والعرقية خلال انتخابات عام 2018 حين جرى تأسيس تحالفين عابرين هما «الإصلاح والإعمار»، الذي ضم أحزاباً شيعية وسنية وكردية، و«البناء» الذي ضم هو الآخر تحالفاً حزبياً شيعياً سنياً كردياً. لكن هذين التحالفين لم يصمدا عندما بدأت مباحثات تشكيل الحكومة التي تلت تلك الانتخابات، حيث سرعان ما خرجت كل من كتلة «سائرون» المدعومة من الصدر من «تحالف الإصلاح»، و«كتلة الفتح» بزعامة هادي العامري من «تحالف البناء»، ليتفقا على المجيء بعادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة ليتخليا عنه خلال المائة يوم الأولى، ومن بعدها انطلقت مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 لتقلب نسب المعادلة السياسية في البلاد. ففيما استخدمت القوة المفرطة لتفريق المظاهرات التي أوقعت أكثر من 600 قتيل وعشرات آلاف الجرحى، فإنها أدت إلى إقالة حكومة عبد المهدي وتغيير قانون الانتخابات والمجيء بمدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء، الذي تعهد بإجراء انتخابات مبكرة في غضون عام.

شهدت الأيام الثلاثة الماضية تراجعاً غير مسبوق في سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي، ما أثار مخاوف شعبية من إمكانية انعكاس ذلك على المستوى المعيشي لعموم السكان وللطبقات الفقيرة بشكل خاص نتيجة الارتفاع المتوقع لأسعار السلع المستوردة، ويعمق من تلك المخاوف احتمال لجوء السلطات العراقية إلى خفض سعر الدينار أمام الدولار ليقارب حاجز الـ1500 دينار للدولار الواحد أو ذهابها إلى خيار «تعويم» العملة لمواجهة أزمتها المالية.
وتراجع سعر صرف الدينار في الأيام الأخيرة ليصل إلى أكثر من 1300 دينار مقابل الدولار الواحد بعد أن استقر لسنوات طويلة عند أقل من 1200 دينار للدولار. وتواجه حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منذ أشهر صعوبات بالغة في تأمين مبالغ النفقات العامة ورواتب القطاع العام، ما دفعها إلى الطلب من البرلمان مرتين التصويت على قانون الاقتراض الداخلي لتمويل عجزها.
وحيال الارتفاع المقلق في أسعار الصرف، يتحدث نواب في البرلمان عن تحرك نيابي لاستضافة محافظ البنك المركزي لمعرفة الأسباب التي تقف وراء ذلك ومعرفة خطط الحكومة لمواجهة تراجع سعر صرف الدينار.
وقال النائب عن تحالف «الفتح» عدي شعلان، أمس: إن «مجلس النواب العراقي، سيكون له موقف وقرارات بعد استضافة المسؤولين عن هذا الملف، فلا يمكن السكوت عن هذا الارتفاع، الذي بدأ يؤثر على أسعار السوق العراقية، وهذا الأمر ستكون له تبعات سلبية خصوصاً على المواطن الفقير وصاحب الدخل المحدود». ويقول عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي جمال كوجر: إن «هناك توجهاً حكومياً لزيادة سعر الصرف، بشكل تدريجي، لأن قانون موازنة 2021 فيه عجز مالي كبير، وأحد سبل تخفيض هذا العجر هو زيادة سعر صرف الدولار».
وفيما ظهرت دعوات شعبية وسياسية خلال اليومين الأخيرين إلى محاسبة المسؤولين عن تراجع سعر الصرف، برزت آراء مقابلة لخبراء اقتصاديين لا ترى ضيراً في الموضوع وتعتقد أنه مفيد لإصلاح الاقتصاد العراقي على المديين المتوسط والبعيد.
وقال السياسي المستقل عزة الشابندر، في تغريدة عبر «تويتر» إن «الانهيار المفاجئ واللافت لسِعْرِ صَرف الدينار العراقي بعد ثبات دام أكثر من عقد ونصف، يدعو رئيس الوزراء للتحقيق وكشف الجهات التي تقف وراء اختيار محافظ البنك المركزي الحالي وترسم له سياساته المثيرة للجدل».
أما أستاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية صادق البهادلي، فيرى أن «انخفاض أسعار الصرف بنسبة 30%، ربما يقلل عجز الموازنة العامة بذات النسبة، وهذا مفيد للحكومة، لكنها قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة على الشرائح الفقيرة». ويضيف البهادلي لـ«الشرق الأوسط» أن «رفع سعر الصرف ربما يمكن السيطرة عليه في الدول المستقرة والقوية، أما في دولة هشة مثل العراق، فالأمر لا يخلو من مجازفة وخطورة، لأن إقبال الناس على استبدال العملة المحلية بالدولار ربما يرافقه صعود متواصل في أسعار السلع نتيجة تراجع قيمة الدينار».
ويرجح بعض الاقتصاديين أن الحكومة ستوفر نحو 20 مليار دولار من مجموع 60 مليار دولار مخصصة لرواتب القطاع العام في حال استقر سعر الصرف عند حدود الـ1500 دينار مقابل الدولار الواحد.
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عماد عبد اللطيف سالم، إن «التوقعات، وهي منطقية جدّاً، تفيد بأن سعر صرف الدينار مقابل الدولار (رسميّاً) لن يبقى كما هو الآن، وسيرتفع تدريجياً من 119، إلى 130، وإلى 140 ألف دينار للدولار، وصولاً إلى 150 ألفاً». ويضيف أن «سعر الصرف المتوقع هذا، سعر صرف مُدار، ومدعوم من البنك المركزي... ولن يكون خيار (التعويم)، أي ترك سعر الدولار يتحدّد في السوق حسب العرض والطلب، قائماً، أو مطروحاً الآن».
ويعتقد سالم أن قرار رفع أو خفض قيمة الدينار «لن يكون دون كلفة، وبالذات على الفقراء، والفئات الأكثر هشاشة من السكان، إلا أنّ هذه الكلفة لن تكون باهظة جداً كما يعتقد الكثيرون، ويفترض أنّ الاقتصاد سيكيّف نفسه، وسيعمل على الاستفادة من الفرص التي يتيحها تحويل المستوردات، إلى سلع أعلى سعراً من مثيلاتها المحليّة».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.