«الجاسوس الروائي» جون لو كاريه... مختبر متنقل لاستكشاف تقاطعات العلاقات الإنسانية

أعماله سجلت تأريخ سيكولوجيا البريطانيين وثقافتهم الجمعية

جون لو كاريه
جون لو كاريه
TT

«الجاسوس الروائي» جون لو كاريه... مختبر متنقل لاستكشاف تقاطعات العلاقات الإنسانية

جون لو كاريه
جون لو كاريه

نهاية الأسبوع الماضي غيّب الموت الروائي البريطاني ديفيد كورنويل عن 89 عاماً، والشهير باسم «جون لو كاريه» (مواليد 1931)، والذي يكاد يجمع النقاد على تنصيبه ملكاً لأدب الجاسوسية الإنجليزي، وربما أهم روائي بريطاني منذ منتصف القرن العشرين. وبحسب بيان «بنغوين راندوم هاوس»؛ ناشره، صدر الأحد 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، فإن صاحب رواية «الجاسوس الذي أتى من الصقيع - 1963»، التي أصبحت من كلاسيكيات مرحلة الحرب الباردة، توفي في مستشفى «كورنوال» الملكي نتيجة مضاعفات التهاب رئوي ألمّ به. وقد تقاطرت منذ ذلك الحين عشرات الشهادات من كبار الأدباء والروائيين والناشرين الذين تقاطعوا على تتويجه عملاقاً في أدب الجاسوسية وأحد أهم الروائيين البريطانيين المعاصرين؛ إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
ترك لو كاريه في أكثر من 20 رواية له بصمات لا تنسى على صورة العمل الاستخباراتي البريطاني في المخيال العام داخل بلد مهووس بالجاسوسيّة وقصصها، مسجلاً بأدوات الخيال الأدبي مسار تراجع مكانة بريطانيا في الساحة الدّوليّة بعد الحرب العالميّة الثانية وعقم بيروقراطيتها. وإذا كانت الصورة الغالبة قبله عن مهنة عميل الاستخبارات في وسائل الإعلام الجماهيري مثيرة وبرّاقة نموذجها تلك الشخصيّة التي أبدعها الروائي إيان فليمنغ؛ أي العميل السري رقم «007» جيمس بوند - الأنيق والموهوب وخارق الذكاء والمكرس لخدمة جلالة الملكة والبلد -، وحيث المعارك السريّة تنتهي دائماً بانتصار دولة الخير - بريطانيا - على الأشرار - الروس وبقيّة الطامعين في المملكة -، فإن أعمال لو كاريه قلبت تلك النمذجة الأسطوريّة رأساً على عقب، لتصوّر عمليات الاستخبارات البريطانية أقرب لدوامة من الغموض الأخلاقي المبهم تكون فيها مسائل الصواب والخطأ نسبيّة جداً ومتقاربة جداً، ونادراً ما يُعرف ما إذا كانت غاياتها تبرر الوسائل المستخدمة - هذا على افتراض وضوح الغايات نفسها من حيث المبدأ -، فيما شخصيّة الجاسوس البطل جورج سمايلي - الذي رافقه في روايات عدة أولاها عام 1961 وأخراها 2017 - نقيض مطلق لجيمس بوند: قصير القائمة، مترهل الجسم، قليل الاعتناء بمظهره، يقضي أيّامه وحيداً مفتقداً السعادة ويعيش في فقاعة آيديولوجيّة تحاصره البيروقراطيّة والتقشّف في النفقات العامة والرؤساء العقيمون، فيما عدوّه - شخصيّة العميل الروسي كارلا - تكاد تكونه مع خلاف الموقع الآيديولوجي على الجانب الآخر من الجدار. وقد مثّل هذا الثنائي الاستخباري ولعبة القط والفأر بينهما - دون أن ندرك من منهما أيهما - أفضل نماذج أدب جاسوسيّة فترة الحرب الباردة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وللحقيقة؛ فإن وصف أعمال لو كاريه الروائيّة بـ«أدب الجاسوسيّة» لا يمنحها حقّها بالكامل، فهي كأنها مختبرات متنقلة لاستكشاف تقاطعات العلاقات الإنسانيّة في أعقد صورها هناك حيث تبهت الحدود بين الكذب والحقيقة، والخيانة والحب.
صقلت موهبة لو كاريه في النّظر المعمّق وراء المظاهر الخادعة من تجاربه الحياتيّة المبكّرة سواء لناحية علاقته الصعبة بوالده؛ رونالد كورنويل، ثم التحاقه منذ أيّام دراسته الجامعيّة بالعمل الاستخباراتي البريطاني في قلب أوروبا. فوالده الذي كان شخصيّة كاريزميّة ساحر اللسان اتخذ الاحتيال مهنة وتقلّب وعائلته بين الثّراء الفاحش والفقر المدقع، وتكررت زياراته إلى السجون، وقد فرّت والدة ديفيد بنفسها مع رجل آخر فمنعه من رؤيتها مدعيّاً أنها مرضت وماتت، وكثيراً ما كان جامعو الديّون يطاردونه حيثما ذهب. وقد ساءت علاقتهما أكثر بعدما أصاب الثراء لو كاريه جراء نجاحات كتبه، فحاول والده الحصول منه على المال وتوقفا عن التحدث واكتفى عند وفاته بدفع مصاريف الجنازة دون حضورها. لكن التجربة الأهم كانت 16 عاماً (خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي) قضاها جاسوساً لدى جهاز المخابرات البريطاني بغرفتيه الخارجيّة والداخليّة بعد تجنيده في سويسرا أثناء دراسته اللغة الألمانيّة بجامعة بيرن على يد عميل اتخذ من السفارة البريطانيّة هناك غطاء لعملياته في وسط أوروبا، وقد خدم منها فترة في ألمانيا الغربيّة تحت ستار مهمّة دبلوماسيّة لدى سفارة بلاده.
لكن، هذه التجارب القاسية لم تسجن روح لو كاريه الخلاقة أو خياله الفائر بقدر ما مثّلت له نقاط تأسيس وانطلاق ومصدر مصداقيّة وموثوقيّة لتناول قضايا الخداع البشري المعقدّة في رواياته؛ سواء على الصعيد الشخصي والمهني الاحترافي، وهما جانبان تقاطعا واشتبكا في معظم العناوين التي نشرها. ومن المعروف أنه ابتدع اسم «جون لو كاريه» تمويهاً على اسمه الحقيقي عندما نشر أول ثلاث روايات له بينما كان لا يزال موظفاً لدى الاستخبارات، لكنه استقال في 1964 بعد النجاح الصاعق لـ«الجاسوس الذي أتى من الصقيع»، وتفرّغ من حينها للكتابة والبحث بشكل دائم في مهنة امتدت لأكثر من نصف قرن. وبغير أدب الحرب الباردة - مساحته الأثيرة ومصدر ثروته وشهرته -، تناول لو كاريه لاحقاً مواضيع وثيمات سياسيّة عدّة، مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، ومافيات تهريب السلاح، وجبروت شركات الأدوية، كما ممارسات التعذيب التي استخدمتها الأجهزة الاستخبارية الأميركية والبريطانية تحت غطاء مكافحة الإرهاب، جاعلاً من العالم برمته مسرحاً لأحداث روايته من رواندا إلى الشيشان وتركيا، ومن بنما وجزائر البحر الكاريبي إلى جنوب شرقي آسيا.
خبرة لوكاريه الاستخباراتية وبحوثه التحضيريّة المعمقة لموضوعات رواياته سمحت لكتاباته بالخوض في قضايا جدليّة عكست بشكل متزايد - لا سيّما بعد سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة - رؤيته السياسيّة ومواقفه السلبيّة من بعض توجهات حكومة بلاده، لا سيما عند تورّطها في حرب العراق ودور أجهزة الاستخبارات البريطانيّة في تلفيق أدلّة كاذبة عن امتلاك النظام العراقي وقتها أسلحة دمار شامل، ولو كان ذلك أحياناً على حساب شعبيته لدى القراء الإنجليز التقليديين الذين، رغم كل شيء، ما زالوا يضعون استخباراتهم الوطنيّة فوق الشّبهات. كما اشتبك مع الكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي بعدما نشر الأخير آياته الشيطانيّة، عادّاً أنّه «ليس من حق أحد إهانة المشاعر الدينية ونشرها علانية بحجّة حريّة التعبير».
تجنّب لو كاريه شهرة المهرجانات وعلاقات مشهد لندن الأدبي الاجتماعي رغم أن سياسيين وضباط استخبارات حرصوا على الالتقاء به، ومنهم مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانيّة السابقة التي استبقته على طعام الغداء مرات عدّة، وروبرت مردوخ ملك الصحافة البريطانيّة، كما منحته جامعات بريطانيّة عدّة شهادات فخريّة. وقد منع ناشريه من تقديم أي من رواياته للجوائز الأدبيّة، ورفض رفضاً قاطعاً القبول بألقاب ملكيّة فخرية عادة ما تمنح لكبار الشخصيات البريطانيّة في مختلف المجالات، وماطل في منح باحثين الفرصة للاطلاع على أوراقه الخاصة بغرض كتابة سيرته، لكنه فاجأ الجميع عام 2016 بنشره كتاباً ضمنه قصّة حياته، بينما صدرت روايته الأخيرة «عميل يعدو في الميدان» عام 2019 وهو في الـ88 من عمره محتفظاً بألق نثره المعهود.
ترجمت نتاجاته إلى معظم اللغات الحيّة في العالم - بما فيها العربيّة - كما نقل معظمها إلى السينما والتلفزيون - بعضها مرات عدّة - وشارك في تقديمها ممثلون عالميون؛ بمن فيهم ريتشارد بيرتون، وأليك غينيس، ورالف فينيس، وغاري أولدمان، لكن وجود هؤلاء النجوم لم يمنع اسمه (الأدبي) من الظهور مقدماً في كل بوسترات الأفلام ودعاياتها كما لو كان علامة ضمان للجودة، ولا شكّ في أن مكانته عند القرّاء - كما عند الجواسيس - ستبقى موضعاً للإجلال، وأعماله بمجملها ستكون بمثابة سجّل تأريخ لسيكولوجيا البريطانيين وثقافتهم الجمعيّة خلال السبعين عاماً الأخيرة.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.