النيابة المصرية تتهم «الإخوان» وحماس وحزب الله بالتآمر

اغتيال ضابط رفيع في «الداخلية».. ومرسي في محاكمته: أنا الرئيس

المصريون تابعوا وقائع جلسة محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي أمس في المنازل والمقاهي (إ.ب.أ)
المصريون تابعوا وقائع جلسة محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي أمس في المنازل والمقاهي (إ.ب.أ)
TT

النيابة المصرية تتهم «الإخوان» وحماس وحزب الله بالتآمر

المصريون تابعوا وقائع جلسة محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي أمس في المنازل والمقاهي (إ.ب.أ)
المصريون تابعوا وقائع جلسة محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي أمس في المنازل والمقاهي (إ.ب.أ)

في أولى جلسات المحاكمة في القضية المعروفة باسم «الهروب من سجن وادي النطرون»، وجهت النيابة المصرية، أمس، تهما لجماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي، بالاتفاق مع كل من حركة حماس وحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، على محاولة «إسقاط الدولة في أحداث 2011». وظهر الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، مع المتهمين من قيادات الجماعة، داخل قفص حديدي مغلف بالزجاج العازل للصوت، قبل أن يسمح له رئيس الجلسة بالحديث عبر ميكرفون داخلي، ليقول إنه «الرئيس الشرعي للبلاد».
وكانت قيادة الجيش وقيادات سياسية ودينية قرروا الصيف الماضي عزل مرسي بعد توليه الحكم لمدة عام، بسبب الاحتجاجات الشعبية الضخمة التي خرجت ضد حكمه وحكم جماعة الإخوان التي ينتمي إليها.
وفي بداية جلسة المحاكمة أمس، بدا مرسي مهتاجا وتظهر عليه علامات الغضب الشديد، وهو يقطع أرضية القفص الضيق ذهابا وإيابا، وحين سمح له بالكلام، رفع صوته في وجه رئيس المحكمة محتدا، فجرى قطع الصوت عنه، قبل أن يهدأ بعد ذلك ويكلف محاميه بالدفع ببطلان محاكمته، بينما فشل باقي المتهمين الإخوان في محاولتهم تعطيل الجلسة في وجود محاميهم، الذين يقولون إن المتهمين «غير مذنبين»، وإن القضية «سياسية». وقررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى يوم 22 الشهر المقبل للاطلاع وفض أدلة القضية.
وكان مرسي وعدد من قيادات «الإخوان» وحماس وحزب الله وطبيب لأسامة بن لادن، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، مساجين في عدة سجون حول القاهرة، وفقا لأوراق التحقيقات في القضية؛ التي تقول أيضا إن مرسي الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمصر، فر مع باقي المساجين، وبمساعدة من عناصر خارجية تسللت عبر الأنفاق من قطاع غزة، أثناء الثورة على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في أواخر يناير (كانون الثاني) 2011.
وبعد نحو ساعتين من إجراءات المحاكمة، عاد الهدوء إلى مرسي، وطلب من داخل القفص الزجاجي الحديث، فسمح له بذلك القاضي شعبان الشامي، قاضي المحاكمة. وبدا مرسي، بحسب عدد من حضور الجلسة، يتصرف دون أن يعي أنه أصبح «رئيسا سابقا ومتهما في عدة قضايا». وقال الرئيس السابق إنه يكن لهيئة المحكمة «كل التقدير»، وإن هذا «بعيدا عن المناصب والمسؤوليات»، وأضاف أنه «رئيس شرعي» وأن إجراءات محاكمته باطلة.
وأخطر مرسي القاضي أنه اتفق مع محاميه، سليم العوا، على أن يقدم شرحا وافيا عما قاله من أن المحكمة «غير مختصة ولائيا بنظر الدعوى وعن الوضع الدستوري لمحاكمتي». وأضاف أنه جرى «اختطافه» في الثالث من يوليو (تموز) الماضي عندما كان رئيسا، واتهم في ذلك كلا من وزير الدفاع وقائد الحرس الجمهوري، في إشارة إلى فترة عزله قبل إحالته إلى القضاء في عدة تهم هي: التخابر والتحريض على القتل وإهانة القضاء.
ومن جانبه، أضاف ممثل النيابة أمس أن المتهمين الفلسطينيين الواردة أسماؤهم في القضية، «اتفقوا مع هيئة المكتب السياسي لحركة حماس، وقيادات التنظيم الدولي الإخواني، وحزب الله اللبناني، على إحداث حالة من الفوضى لإسقاط الدولة المصرية ومؤسساتها، تنفيذا لمخططهم، وتدريب عناصر مسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني لارتكاب أعمال عدائية وعسكرية داخل البلاد».
وبلغ عدد المتهمين الذين كانوا موجودين في الجلسة 22 فقط، من بين 131 متهما. وقالت النيابة إن الباقين هاربون، ومن بينهم مصريون وفلسطينيون ولبنانيون. واستهلت محكمة جنايات القاهرة، برئاسة الشامي، أولى جلسات القضية أمس بإثبات حضور المتهمين المحبوسين احتياطيا على ذمة القضية. وقال ممثل النيابة، المستشار تامر فرجاني، المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا، وهو يتلو أمر الإحالة إلى المحاكمة، إن المتهمين من الأول وحتى السادس والسبعين (غالبيتهم فلسطينيون)، ارتكبوا مع آخرين مجهولين، يزيد عددهم على 800 شخص، من حركة حماس وحزب الله، وبعض الجهاديين التكفيريين من بدو سيناء، عمدا «أفعالا تؤدى للمساس باستقلال البلاد وسلامة أراضيها، تزامنا مع اندلاع مظاهرات 25 يناير 2011».
وقال ممثل النيابة إن المتهمين المشار إليهم أطلقوا قذائف صاروخية من طراز «آر بي جيه» وأعيرة نارية كثيفة في جميع المناطق الحدودية من الجهة الشرقية مع قطاع غزة، وفجروا الأكمنة الحدودية وأحد خطوط الغاز، وتسلل حينذاك، عبر الأنفاق غير الشرعية (بين القطاع وسيناء)، المتهمون من الأول حتى رقم 71 (فلسطينيون) وآخرون مجهولون إلى داخل الأراضي المصرية على هيئة مجموعات، واستقلوا سيارات دفع رفاعي مدججة بأسلحة نارية ثقيلة، منها الـ«غرينوف» و«البنادق الآلية»، وتمكنوا من السيطرة على الشريط الحدودي المصري المحاذي لقطاع غزة بطول 60 كيلومترا، وخطفوا ثلاثة من ضباط الشرطة وأحد أمنائها، ودمروا المنشآت الحكومية والأمنية، وواصلوا زحفهم إلى داخل البلاد.
وقال ممثل النيابة إن ثلاث مجموعات من المتهمين المشار إليهم القادمين من الأنفاق مع غزة توجهوا بعد ذلك إلى سجون تقع حول القاهرة، وهي «المرج» و«أبو زعبل» و«وادي النطرون»، وذلك لتهريب العناصر الموالية لهم. وأضاف أن هذه المجموعات باغتت قوات تأمين تلك السجون، عن طريق إطلاق النيران عليها وعلى أسوارها وأبوابها مستخدمين سيارات الدفع الرباعي، ولوادر قادها بعضهم في منطقتي سجني «أبو زعبل» و«المرج»، بالإضافة إلى لوادر أخرى قالت النيابة إن من «دبرها وأدار حركتها المتهمان رقمي 75 و76 (وهما هاربان ومن محافظة المنوفية) في منطقة سجون وادي النطرون نظرا لدرايتهما بطبيعة المنطقة».
وكان مرسي محتجزا مع قيادات إخوانية وجهادية أخرى في ذلك الوقت بسجن «وادي النطرون». وقالت النيابة أمس في جلسة المحاكمة، إن المتهمين (في الجزء الأول من القائمة وحتى رقم 71) حطموا أسوار السجون، وخربوا مبانيها وأضرموا النيران فيها، واقتحموا العنابر والزنازين، وقتلوا عمدا بعض الأشخاص وشرعوا في قتل آخرين. وأضافت أن المتهمين المشار إليهم مكنوا المسجونين من حركة حماس وحزب الله وجهاديين وجماعة الإخوان المسلمين ومساجين جنائيين آخرين يزيد عددهم على 20 ألف سجين من الهروب. وأضافت أن المتهمين نهبوا أيضا مخازن السجون من أسلحة وذخيرة وسيارات شرطة ومعداتها، بالإضافة إلى «حيوانات ودواجن ومنتجات غذائية وأثاثات» تخص تلك السجون.
وذكرت النيابة أسماء لعدد من سقطوا ضحايا وقتلوا أثناء الهجوم «الإرهابي» على السجون، بينهم رجال شرطة ومساجين، وغيرهم ممن حاولوا التصدي لعملية اقتحام السجون وتهريب من فيها من مساجين، وأن من بين القتلى 30 مسجونا في سجن «أبو زعبل» و14 مسجونا في منطقة سجون «وادي النطرون».
ومن بين التهم الواردة في القضية أيضا حيازة المتهمين، بالذات وبواسطة الغير، أسلحة نارية منها «آر بي جيه»، ومدافع «غرينوف»، ومدافع «رشاشة» وبنادق «آلية»، بقصد استعمالها في الإخلال بالأمن والنظام العام والمساس بنظام الحكم. كما وجهت النيابة لباقي المتهمين في القضية، ومن بينهم محمد مرسي وقيادات «الإخوان» وغيرهم من جهاديين كانوا محتجزين معه في سجن «وادي النطرون» وفي سجني «أبو زعبل» و«المرج»، تهما بـ«الهروب» من تلك السجون، قائلة إن هذا الهروب «كان مصحوبا بالقوة، وبجرائم أخرى».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.