جيمس جيفري: لم نرتكب «أخطاء أوباما»... ومنعنا قيام «جنوب لبنان» في سوريا

المبعوث الأميركي السابق قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «متأكد من عدم عودة النظام إلى إدلب»

جيمس جيفري في جنيف أكتوبر الماضي (رويترز)
جيمس جيفري في جنيف أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

جيمس جيفري: لم نرتكب «أخطاء أوباما»... ومنعنا قيام «جنوب لبنان» في سوريا

جيمس جيفري في جنيف أكتوبر الماضي (رويترز)
جيمس جيفري في جنيف أكتوبر الماضي (رويترز)

قال جيمس جيفري المبعوث الأميركي السابق للملف السوري والتحالف الدولي ضد «داعش»، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إنه «نصح» إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن بالاستمرار بالسياسة التي اتبعتها إدارة الرئيس دونالد ترمب في سوريا، لأنها «ناجحة، أولاً لأننا لم نقم بأي من أخطاء إدارة باراك أوباما، واستخدمنا جميع عناصر القوة التي في حوزتنا بما فيها القوة العسكرية». وأضاف: «لم نجلس ونحن نرى (خطوطاً الحمراء) يتم تجاوزها أمام أعيننا ولا نرد عندما استخدم النظام السلاح الكيماوي» في نهاية 2013.
وأضاف جيفري، أن بلاده تقدم «الدعم الضروري» لإسرائيل في جهودها لمنع «تموضع» إيران في سوريا وأن «الإسرائيليين نجحوا بمساعدة منا بمنع إيران بإقامة وضع ثانٍ مثل (جنوب لبنان) في جنوب سوريا ومنع تهديد إسرائيل ودول أخرى بنظام صاروخي طويل المدى»، لافتاً إلى وجوب خروج إيران وقواتها من سوريا في «أي تسوية نهائية».
وقال المبعوث الأميركي السابق، رداً على سؤال أن روسيا «في خضم المستنقع السوري»، مضيفاً أن الروس «يدركون أنهم في المستنقع. لكن حتى لو كنت في مستنقع، وهذا حصل معنا في فيتنام (...)، فإن الأمر يأخذ وقتاً كي تدرك ذلك وتتصرف على هذا الأساس. حصل هذا مع السوفيات في أفغانستان وحصل مع إيران في جنوب العراق في الثمانينات. الأمر يأخذ سنوات»، لافتاً إلى أن أميركا «ستواصل الضغط إلى أن يدركوا ذلك» ويوافقوا على تسوية في سوريا.
وعن إدلب، قال جيفري إنه «متأكد أن النظام لن يعود إلى إدلب بسبب الجيش التركي. لديه حوالي 20 ألف جندي، وربما 30 ألفا هناك، ولديهم (الأتراك) القدرة على منع النظام من الذهاب إلى إدلب»، لافتاً إلى حصول أنقرة على دعم من أميركا و«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) وأوروبا لوجودها في شمال غربي سوريا.
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» عبر الهاتف، مساء الجمعة:
> كيف تقرأ الوضع في سوريا حالياً؟ هناك ثلاث «مناطق نفوذ»، ما هي الفروقات بينها وما هي نقاط التقاطع؟
- هناك منطقة تحت سيطرة نظام الأسد مع كثير من التحديات (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) وبعض التحديات من «داعش». وهناك شمال غربي سوريا التي هي تحت سيطرة تركيا وفصائل معارضة. هناك أيضاً، شمال شرقي سوريا تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من أميركا، وهناك أيضاً قاعدة «التنف». الانقسام الحقيقي هو بين منطقة تحت سيطرة الأسد ومناطق أخرى ليست تحت سيطرته، وليس هناك مجال لتكون تحت سيطرته.
> لا تظن أن قوات الحكومة ستعود إلى إدلب في أي وقت قريب؟
- لا، لا أظن ذلك.
> لماذا؟
- بسبب الجيش التركي لديه حوالي 20 ألف جندي، وربما 30 ألفاً، هناك ولديه القدرة على منع النظام من الذهاب إلى إدلب.
> هل تقول لأهل إدلب إن دمشق لن تعود إلى إدلب في أي وقت قريب؟
- إنني متأكد من أن تركيا بدعم من أميركا والاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) لن تسمح بذلك.
> أي دعم تقدم أميركا لتركيا في إدلب؟
- قدمنا الدعم الدبلوماسي، وتحدثنا مع الأتراك حول ذلك والدعم اللازم. كما أن الرئيس دونالد ترمب قال هذا بوضوح في سبتمبر (أيلول) 2018، إضافة إلى الرسالة التي نقلها السفير ديفيد ساترفيلد إلى حلف «ناتو» لدعم لتركيا في مارس (آذار) العام الماضي.
> أنت تترك منصبك بعد حوالي ذلك سنوات. هل تظن أن النظام السوري أقوى حالياً مما كان عندما تسلمت منصبك أم أقوى لأنه وسع مناطق سيطرته؟
- أضعف اقتصادياً. انظر ما يحصل لقيمة الليرة السورية. انظر إلى الانقسام في النخبة الحاكمة، ووضع (رجل الأعمال وابن خال الرئيس السوري) رامي مخلوف. أيضاً، فإن داعمي النظام روسيا وإيران وخصوصاً الأخيرة تحت ضغط العقوبات الأميركية. أيضاً، العقوبات الأميركية ستزداد تشدداً على النظام. النظام ضعيف سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
> تقول إن لأميركا أدوات عدة للإبقاء على دمشق في «صندوق العزلة»، إحداها العقوبات. لكن سوريين يقولون إن العقوبات تضر بالناس والمواطنين أكثر من المستهدفين؟
- العقوبات تضرب بالنظام وتعرقل قدرته على اتخاذ القرار والأعمال العسكرية. في المقابل، فإننا نحن قدمنا أكثر من 12 مليار دولار أميركي لدعم السوريين. ربما هناك بعض التأثير على السكان، لكن يجب ألا ننسى أن السبب الرئيسي لمعاناة السوريين هو قرار نظام الأسد والفساد والرشاوى. هذا ليس بسبب العقوبات.
> لكن العقوبات لم تؤد إلى مرونة أو تنازلات سياسية؟
- لأن الأسد يفضل الاعتماد على روسيا وإيران. وطالما هناك هذا الدعم، سيستمر في موقفه.
> سأعود لموضوع روسيا بعد قليل. لكن ماذا عن شمال شرقي سوريا. عدد القوات وأهدافكم هناك؟
- هناك قوة صغيرة تدعم «قوات سوريا الديمقراطية» لهزيمة «داعش». لكن عبر وجودنا هناك في الأرض ووجودنا الجوي أيضاً، نريد أن نحرم الأسد وروسيا وإيران من السيطرة على الأراضي هناك، إضافة إلى التنف.
> بالنسبة إلى التنف. هل تقدم أي دعم لوجيستي للغارات الإسرائيلية في سوريا؟
- قاعدة التنف تعمل هناك للسيطرة على تلك الرقعة الجغرافية ومحاربة «داعش». بإمكان سؤال الإسرائيليين حول الدعم.
> ذكرت قبل أيام أنك حاولت إنجاز صفقة بين «وحدات حماية الشعب» الكردية وتركيا في شمال شرقي سوريا. ما هي التفاصيل؟
- لم أتحدث عن اتفاق بين «الوحدات» وتركيا، بل بين «حزب الاتحاد الديمقراطي» من جهة و«المجلس الوطني السوري» (الكردي) وقوات البيشمركة المدعومة من (الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق) مسعود بارزاني. أجروا مفاوضات وهي مستمرة. نأمل أن هذا سيؤكد لتركيا أن «حزب العمال الكردستاني» وفرعه السوري، «الوحدات»، لن يهيمن على جميع الأكراد.
> هل تعتقد أن هناك إمكانية لتفاهمات بين «قوات سوريا الديمقراطية» و«الوحدات» من جهة وأنقرة من جهة ثانية؟
- دائماً ممكن. كما تعرف التاريخ وفي عامي 2014 و2015، أجروا اتصالات مكثفة في دهوك.
> ماذا عن التطبيع مع دمشق. ما هي شروطكم للتطبيع؟
- تطبيق القرار 2254، أيضاً، في أي تسوية وكجزء من أي تسوية، يجب انسحاب تركيا وأميركا والقوات الإيرانية وعدم توفير ملجأ آمن للإرهابيين والعمل مع المجتمع الدولي ضد الإرهابيين، إضافة إلى تنفيذ جميع الالتزامات المتعلقة بالبرنامج الكيماوي في اتفاق 2013 (الذي أبرم بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف قبل إصداره في القرار الدولي 2118). أيضاً، محاسبة أولئك الذين ارتكبوا جرائم الحرب. والعمل مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعودة كريمة وحرة للسوريين إلى بلادهم. هذا ما نتوقعه.
> في حال قبِل الرئيس الأسد هذه الشروط، هل ستقبل أميركا التطبيع والتعامل معه؟
- هذا لا يتعلق بقبول الأسد. هذا يخص مقاربة «خطوة مقابل خطوة». هذا ما قلنا للروس. في حال قبول هذه الشروط، فإننا سنخفف الضغط خطوة بعد خطوة ونرفع العزلة الدبلوماسية والعقوبات.
> حتى من الأسد نفسه؟
- إذا الأسد نفسه بدأ تنفيذ هذه الشروط، فإننا سنبدأ بالرد (بخطوات). نعم صحيح.
> ماذا عن إيران وقواتها في سوريا؟
- الهدف الأول لإيران كان الإبقاء على الأسد في السلطة. ثم، قرر الإيرانيون التموضع في سوريا ضد إسرائيل وضد تركيا والدول العربية والنظام الإقليمي بقيادة أميركا.
> الإسرائيليون يتحدثون عن انسحابات إيرانية. هل تظن أن إسرائيل نجحت بإبعاد إيران عن الجنوب؟
- أعتقد، أن الإسرائيليين نجحوا بمساعدة منا بمنع إيران بإقامة وضع ثانٍ مثل «جنوب لبنان» في جنوب سوريا ومنع تهدد إسرائيل ودول أخرى بنظام صاروخي طويل المدى.
> ما هي طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل في سوريا في هذا السياق؟
- الدعم الضروري.
> نتحدث عن الدعم العسكري والاستخباراتي؟
- الدعم الضروري.
> ماذا عن روسيا. ذكرت مقاربة «خطوة مقابل خطوة» وكنت إلى وقت قريبا من مفاوضات للروس حول سوريا. ما هي قراءتكم لموقفهم ومدى استعدادهم للتسوية في سوريا؟
- أولاً، الروس مقتنعون بأنهم لن يحققوا نصراً عسكرياً في سوريا. ثانياً، يدركون أن الأسد ليس ذا شعبية وليس مؤثراً، لكن الروس لا يزالون لم يتخذوا خطوات للحل السياسي والدبلوماسي. حاولوا دعم مؤتمر اللاجئين الأخير في دمشق، لدعوة المجتمع الدولي. نعرف أن المجتمع الدولي لن يقبل ذلك، لذلك عرقلنا أي مشاركة جدية في هذا المؤتمر كي نظهر لهم أن ذلك (مقاربة روسيا) ليس صحيحا. إذا الروس واصلوا محاولاتهم هذه، فإننا سنواصل إظهار لهم أن هذا لن ينجح. لدينا الوقت.
> ذكرت مرات عدة سابقاً أن دورك أن تغرق روسيا في «المستنقع السوري». كيف؟
- المستنقع، هو عندما يكونوا في وضع يستثمرون مواردهم من دون نجاح ومن دون الخروج (مخرج من الأزمة). لذلك، سيكون عليهم الصراع كي لا يسقطوا أو يغرقوا. في نهاية المطاف، سيقررون اتباع أسلوب آخر، وهو التعاون معنا والمجتمع الدولي.
> هل تعتقد أن روسيا حالياً في عمق «المستنقع السوري»؟
- نعم إنهم في خضم المستنقع. أظن. نعرف أنهم يدركون أنهم في المستنقع. لكن حتى لو كنت في مستنقع، وهذا حصل معنا في فيتنام، فإن الأمر يأخذ وقتاً كي تدرك ذلك بعمق وتتصرف على هذا الأساس. حصل هذا مع السوفيات في أفغانستان، وحصل مع إيران في جنوب العراق في الثمانينات (خلال الحرب بين الطرفين). الأمر يأخذ سنوات.
> كم من الوقت ستأخذ روسيا كي تدرك أنها في «المستنقع» وتغير منهجها؟
- لا أعرف. سنواصل الضغط إلى أن يدركوا ذلك.
> قررت ترك منصبك مبعوثاً للملف السوري. ما هي نصيحتكم للفريق الجديد للملف السوري في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن؟
- استمروا في هذه السياسة الناجحة القائمة على الضغط. هي ناجحة، أولاً لأننا لم نقم بأي من أخطاء إدارة باراك أوباما التي ارتكبتها في سوريا. ناجحة لأننا استخدمنا جمع عناصر القوة التي في حوزتنا بما فيها القوة العسكرية. لم نجلس ونحن نرى «خطوطنا الحمراء» يتم تجاوزها أمام أعيننا ولا نرد عندما استخدم النظام السلاح الكيماوي (في نهاية 2013). لم نتخل عن التحالف الدولي (ضد داعش). استعملنا الأمم المتحدة. والأهم، لدينا سياسة، تدعمها جميع الأطراف في المنطقة، بما فيها أوروبا. هذه بداية ممتازة لهم (الفريق الجديد) كي يستمروا فيها.
> تقصد الإمساك بالضغط والعزلة عبر الأدوات العسكرية والدبلوماسية؟
- لا. انتظر. كل هذا مربوط أيضاً بحل سياسي (تسوية). هذا يعني أننا لا نقرر (لا نحكم) كيف ستكون الحكومة السورية. أي، نريد الاستجابة للقرار 2254. نحن لا نقول إنه على الأسد أن يغادر (الحكم). لا نقول إنه على روسيا أن تغادر (سوريا). نقول، إنه على إيران أن تغادر، لكن كجزء من التسوية النهائية في سوريا. أيضاً، أميركا ستغادر. تركيا ستغادر. إسرائيل ستغادر. هذا هو عرضنا.
> إذن، أميركا تقبل سوريا بوجود روسيا وبخروج إيران. صحيح؟
- تماماً.
> بوجود الأسد؟
- إذا كان الأسد يغير سياسته. نعم.
> أنت التقيت مع الفريق الجديد للملف السوري في إدارة بايدن. ماذا أخبرتهم؟
- لا أتحدث عن مضمون اتصالاتي الدبلوماسي الداخلية.
> مثلاً؟
- أنا أخبر كل شخص ما أخبرتك به للتو...
> هل تعتقد أن الإدارة الأميركية الجديدة ستواصل ذات السياسة للإدارة السابقة؟ هناك حديث عن استثمار أكثر بالعملية السياسية والتفاوض مع الروس؟
- سنرى ما سيقوم به الفريق الجديد.
> بالنسبة للسوريين الموجودين خارج سوريا. ماذا تقول لهم؟ متى تظن أن التسوية ممكنة وعودتهم قريبة؟
- لا أستطيع إعطاء تاريخ.
> كم سنة؟
- لا أستطيع القول.
> لكن هل تعتقد أنهم سيعودون إلى بلادهم؟
- أنا متفائل. في حياتي أكيد. وكل تقديري لكل الشعب السوري.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.